من قلب قرية المفتاحة ذات الطابع العمراني الأصيل، حيث تتجاور الجدران الحجرية مع ملامح العمارة العسيرية، انطلقت أمس، فعاليات ملتقى النقد السينمائي بأبها الذي تنظمه هيئة الأفلام، في اختيار بدا مثاليًا ليجعل المكان نفسه جزءًا من النقاش حول علاقة السينما بالمعمار.
وجاءت الدورة الحالية تحت شعار «السينما.. فنّ المكان»، لتفتتح من أبها باكورة سلسلة الملتقيات النقدية الممتدة على مدار ثلاثة أشهر، قبل أن تختتم في الرياض نوفمبر المقبل. وقد تحوّل فضاء المفتاحة إلى منصة فكرية وحوارية جمعت نقادًا ومبدعين لمناقشة الصورة السينمائية في علاقتها بالفضاء العمراني والثقافي.

علي السمين: السينما الوثائقية تحفظ ذاكرة العمارة
البداية كانت مع المخرج والكاتب علي السمين، الذي قدم خلال ندوة أدارها الناقد محمد البشير رؤية موسعة حول العلاقة بين العمارة والذاكرة والسينما، مؤكدًا أن العمارة في المملكة لا تختزل في الحجر والمباني، بل تعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة.
وأشار السمين إلى مشروعه الوثائقي «عمروها»، الذي تناول قصة العمارة السعودية وما طرأ عليها من تغيرات بعد الطفرة النفطية، معتبرًا أن وتيرة التحولات العمرانية المتسارعة تستدعي توثيقًا بصريًا عاجلًا قبل اندثار ملامحها.
وأكد أن السينما الوثائقية هي الذاكرة البصرية القادرة على حفظ صورة المكان والإنسان معًا، داعيًا صناع الأفلام الشباب إلى خوض تجارب ميدانية غنية، تساهم في بناء سينما تحفظ الذاكرة الوطنية من النسيان، وتعكس ملامح المجتمع للأجيال القادمة.

أنسي أبو سيف: أسطورة فيلم «المومياء»
أما في الندوة التي أدارها الناقد أحمد العياد، مع مصمم المناظر المصري أنسي أبو سيف، قدّم أبو سيف قراءة لمسيرته الممتدة في تصميم المشاهد السينمائية، موضحًا أن «البناء السينمائي يشبه البناء المعماري، ولا مكان فيه للزخرفة المفتعلة، بل للحقيقة التي تنعكس على ملامح الشخصيات».
استعاد أبو سيف عمله مع المخرج الراحل شادي عبد السلام، والذي تتلمذ على يده، معتبرًا أن فيلمه «المومياء» (1969) بلغ أقصى درجات الدقة البصرية وجعل من عبد السلام أسطورة سينمائية، بينما بقي مشروعه الأكبر «إخناتون» حلمًا مؤجلًا رغم اكتمال رسوماته.
كما توقف عند تجربته في فيلم «الكيت كات» (1991) للمخرج داود عبد السيد، التي وصفها بالأصعب في مسيرته، بعد أن اضطر لإعادة بناء الحارة كاملة إثر حريق التهم ديكوراتها. وتحدث عن عمله مع المخرج الكبير يوسف شاهين في «وداعًا بونابرت»، مشيرًا إلى أن شاهين كان يرى المكان شريكًا في السرد الدرامي.
وأضاف أبو سيف أنه شيّد ثلاث حارات عشوائية بارزة في تاريخ السينما المصرية، من بينها ما ظهر في «إبراهيم الأبيض» (2009) و«سارق الفرح» (1995)، مشددًا على أن اختياراته تنحصر في الأفلام التي تمنحه مساحة حقيقية للتعبير عن مهنته.

عبد العزيز الشلاحي: صحراء نيوم صورة لفلسفة «هوبال»
من جانبه، تناول المخرج عبد العزيز الشلاحي تجربته في فيلمه الجديد «هوبال»، خلال ندوة أدارها الدكتور علي زعلة، بعد عرض الفيلم، موضحًا أن الصحراء شكّلت الفضاء الأمثل لسرد القصة، لما تمنحه من أفق بصري وفلسفي متسق مع مضمون العمل.
وقال الشلاحي إنه يتولى بنفسه مهمة البحث عن مواقع التصوير، دون الاعتماد على فرق متخصصة، مؤكدًا: «حين أجد المكان المناسب أشعر أنه موقع القصة الحقيقي بصريًا، حتى لو لم يكن موقعها الواقعي».
وأضاف أن فلسفة الفيلم قامت على توظيف العزلة والفراغ، وهو ما انعكس على اختيار اللقطات وزوايا التصوير، حيث بدت حتى المشاهد القريبة وكأنها واسعة. كما كشف عن استخدامه عدسات خاصة، ليس بهدف الجماليات فقط، بل لإبراز الفراغ المحيط بالشخصيات، مع حرصه على أن تظهر العائلة داخل فضاء مفتوح تحيطه الجبال البعيدة، بما يعزز شعور الاغتراب والوحدة الذي يحمله الفيلم.
القطيف المحطة المقبلة
في أكتوبر المقبل تستهل النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي فعالياتها في القطيف، ثم في نوفمبر تصل إلى آخر محطاتها في الرياض، ويقدّم المؤتمر سلسلة من اللقاءات النقدية المتواصلة. ويأتي شعار الدورة «السينما.. فنّ المكان» كأكثر من مجرد عنوان؛ فهو دعوة للتأمل في الصورة السينمائية من زاوية المكان، وكيف تصبح الخلفية جزءًا من الحكاية، والمشهد فضاءً يكشف علاقة الإنسان ببيئته على الشاشة.
تجدر الإشارة إلى أن هيئة الأفلام أطلقت النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي الدولي وملتقياته بوصفها منصات وطنية متخصصة تجمع بين الفكر الإبداعي والرؤية السينمائية، وتعمل على تطوير المشهد الثقافي محليًا وعالميًا، وتمكين النقاد وصنّاع الأفلام في المملكة، من خلال محتوى نقدي معمق يعزز الوعي البصري والتحليل الفني، ويسهم في تفكيك الخطاب السينمائي وترسيخ العلاقة بين السينما وجمهورها.