تنطلق اليوم فعاليات النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي في الرياض، ويحلّ المخرج الإيطالي الكبير ماركو بيلّوكيو ضيفاً مميزاً على الحدث، حيث يشارك في جلسة حوارية تُعقد عقب حفل الافتتاح، يديرها الناقدان عرفان رشيد وفراس الماضي.
يُعدّ بيلّوكيو أحد أعمدة السينما الإيطالية، ليس فقط كمخرج، بل أيضاً كمؤلف وشاعر، وصاحب رؤية فلسفية متمرّدة تجاوزت حدود الواقعية الجديدة. عُرف بأعماله السياسية والاجتماعية التي تنتقد المؤسسات التقليدية، بأسلوب فكري جريء، جعله من أبرز المخرجين في تاريخ السينما الأوروبية. وقد نال سعفة كان الذهبية تكريماً لمسيرته الغنية التي بدأت في ستينيات القرن الماضي بفيلم «قبضات في الجيب»، وامتدت حتى فيلم «الخائن» عام 2019.
بخبرة تفوق الستين عاماً في صناعة السينما، رسّخ بيلّوكيو مكانته كأحد أبرز الأصوات السينمائية في العالم، حيث تميزت أعماله بانخراطها العميق في القضايا المدنية والاجتماعية. منذ ظهوره الأول في «قبضات في الجيب» عام 1965، وهو في السادسة والعشرين من عمره، أثار جدلاً واسعاً بتفكيكه صورة العائلة البرجوازية الهادئة، كاشفاً عن علاقات خانقة، واستياء دفين، ورغبة في التمرد، ولمحة من الجنون التي تكررت في معظم أفلامه.
سينماه مشحونة بالعاطفة، نابضة بالذكريات والحكايات، لكنها لا تتوقف عن البحث عن الجديد والأصيل. لا شيء فيها يُسلّم به، فالمفاجأة وعدم التنبؤ هما من أبرز سماتها. أفلامه لا تعبّر فقط عن مطالب شخصية، بل تسعى إلى إيقاظ الوعي الجمعي، وتطرح تساؤلات حول حقائق سياسية دفينة في التاريخ الإيطالي، غالباً ما تُطمس خلف تحقيقات ومحاكمات طويلة، ليعيد سردها من منظور إنساني متعدد الأبعاد والهويات.
سينماه فن عدم التكيف: رفض متعمد للتوافق، وجهد شغوف لتضخيم أصوات الأكثر تهميشاً. لقد صاغت صرامة بيلّوكيو الفكرية وجرأته الأسلوبية إرثًا من السينما المدنية العظيمة، سينما تواجه، وتتساءل، وتُعزز إدراك الإنسان لذاته ومجتمعه.