فاصلة

حوارات

المخرجة الألمانية ستيفاني بروكهاوس لـ«فاصلة»: القيود الاجتماعية أكبر صعوبة واجهتني في «عزة»

Reading Time: 4 minutes

يُقدّم الفيلم الألماني السعودي «عزّة» للمخرجة ستيفاني بروكهاوس، مدخلًا إنسانيًا واسعًا إلى عالم يبدو ظاهريًا بسيطًا، لكنه يتكشّف مع مرور الدقائق عن طبقات متعددة من التفاصيل الداخلية، فالفيلم الذي يتتبّع حياة مدرّبة قيادة سيارات للنساء في المملكة العربية السعودية، لا يكتفي برصد التحولات الاجتماعية في المملكة عبر مهنة جديدة لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة، بل يسعى إلى الاقتراب من منطقة أكثر حساسية، حيث تصبح الحركة فعلًا رمزيًا، والانتقال بين مكان وآخر محاولة لاستعادة اتصال أعمق بالذات.

تظهر «عزّة» في الفيلم كامرأة تخوض معركتها اليومية في مساحة ضيقة من الخيارات، أمّ لعدد من الأبناء تحاول التوفيق بين مسؤولياتها وما تفرضه عليها الحياة من التزامات، وفي الوقت نفسه تبحث عن نافذة تُطل منها على عالم أوسع من الذي أحاط بها طويلًا.

عزّة (2025)
عزّة (2025)

ورغم أن الفيلم الذي بدأ رحلته في مهرجان «كوبنهاجن» وعرض في «القاهرة السينمائي» بدورته الماضية يحافظ على طابع هادئ في السرد، إلا أنه ينجح في الإمساك بما يتجاوز الحكاية المباشرة، فمن خلال خطوات البطلة على الطريق، والمكالمات العابرة التي تحمل ما يشبه الاعترافات غير المكتملة، ولحظات الصمت التي تخفي خلفها ثقل سنوات طويلة، تتكشّف صورة إنسانية أقرب إلى رحلة داخلية منها إلى مجرد تسجيل لمهنة أو حدث اجتماعي.

وتبدو كاميرا المخرجة الألمانية ثابتة في موقع المتأمل، تمنح الشخصية مساحتها الكاملة كي تحكي، من دون دفعها إلى مواجهة مباشرة أو استجواب.

تقول بروكهاوس في مقابلة مع «فاصلة» إن ما دفعها منذ البداية إلى صنع الفيلم هو رغبتها في توثيق اللحظة التاريخية التي شهدتها المملكة عام 2018 حين أصبحت قيادة السيارات متاحة للنساء، قبالنسبة لها، لم يكن الأمر مجرد تغيير في القوانين، بل تحوّل فعلي يطال حياة النساء على أكثر من مستوى، ويمنحهن قدرة على الحركة والاستقلال والوجود خارج الإطار الضيق الذي كنّ محصورات داخله.

المخرجة الألمانية ستيفاني بروكهاوس
عزّة (2025)

وتضيف أن كثيرًا من السيدات اللواتي تحدّثت إليهن خلال عملها السابق في السعودية كنّ يربطن بين القيادة وبين إحساس حقيقي بالحرية، ليس لأنها وسيلة تنقّل فحسب، بل لأنها توسّع مساحة الاختيار، وتتيح القيام بأشياء أخرى تصبح ممكنة مع القدرة على الحركة.

وتوضح المخرجة أنها اختارت «عزّة» بعد لقاء جمعهما ترك لديها انطباعًا قويًا بأن الشخصية تحمل طاقة وروحًا قادرتين على حمل فيلم كامل، فقد وجدت فيها شجاعة ورغبة في اكتشاف العالم، وفضولًا يفتح الأبواب أمام حكايات لا تُقال مباشرة.

تضيف: «منذ البداية شعرت بأن (عزّة) تنتمي إلى هذا النوع من النساء اللواتي يقدّمن الكثير من دون أن يقُلن الكثير، وأن ما يختفي خلف هدوئها يحمل دومًا طبقة جديدة تستحق الكشف». امتد تصوير الفيلم ثلاثة أعوام، منذ عام 2020 حتى اكتماله، وهو زمن تقول بروكهاوس إنها لا تتعامل معه كعبء، بل كضرورة لا يمكن تجاوزها في الأعمال الوثائقية التي تقوم على تتبّع حياة إنسان، فبالنسبة لها، يحتاج الفيلم الوثائقي إلى وقت كي تُبنى ثقة حقيقية بين المخرج والشخصية، وأن لحظة الاستعجال قد تُفقد العمل روحه، فهناك مشاعر لا تظهر في الأسابيع الأولى، وطبقات لا تُكشف إلا حين يشعر الشخص بأن الكاميرا ليست خصمًا، وأن الظهور ليس تهديدًا.

المخرجة الألمانية ستيفاني بروكهاوس
عزّة (2025)

وترى أن هذا النوع من الأعمال لا يمكن إنجازه في أسابيع قليلة لأنه يعتمد على مراقبة حياة تتشكّل أمام العدسة، حياة قد تكون مضطربة أو متقلبة، ولا تعطي أسرارها بسهولة.

وتتحدث المخرجة عن واحدة من أكثر الصعوبات شيوعًا في الوثائقيات الطويلة، وهي استمرار الشخصية في المشاركة طوال سنوات، فكثير من الأشخاص يصلون إلى لحظة يشعرون أن وجود الكاميرا مرهق، وأنهم غير قادرين على الاستمرار في السماح للآخرين باختراق خصوصيتهم.

وتقول إنها في تلك اللحظات كانت تتراجع قليلًا، تمنح «عزّة» وقتًا لتلتقط أنفاسها، ثم تعود للعمل حين تصبح مستعدة، هذا التوتر بين الرغبة في الحكي والخوف من الانكشاف ظل حاضرًا طوال مراحل التصوير، لكنه جزء أساسي من صدق الفيلم، لأنه يعكس التعقيد الحقيقي في حياة البطلة، كما صرحت.

ورغم أن الفيلم نتاج تعاون ألماني، سعودي، فإن بروكهاوس لم تجد صعوبة كبيرة في التمويل، فقد كان الملف بالنسبة للجهات الألمانية مثيراً للاهتمام، لأسباب مختلفة، منها تحدي تصوير فيلم وثائقي داخل السعودية، ومنها طبيعة الموضوع نفسه.

المخرجة الألمانية ستيفاني بروكهاوس
عزّة (2025)

وتقول إن هذا الدعم لم يكن مفاجئًا لها، لأنها سبق أن عملت في المملكة، وتملك معرفة جيدة بالسياق الاجتماعي، كما تحدثت مع كثير من السيدات اللاتي قدّمن لها رؤى متباينة ومعقّدة عن التغيّرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وتشير إلى أن التحدي الأكبر لم يكن فنيًا ولا إنتاجيًا، بل اجتماعيًا، فالكثير من صديقات «عزّة» وأفراد أسرتها لم يرغبوا في الظهور أمام الكاميرا، وهو ما اضطرها إلى التركيز على البطلة وحدها، من دون بناء شبكة واسعة من الشخصيات المحيطة.

وتوضح أن «عزّة» نفسها واجهت انتقادات وحكمًا مسبقًا داخل أسرتها بسبب رغبتها في الظهور في الفيلم، وكانت مضطرة مرارًا إلى الدفاع عن خيارها، وإقناع من حولها بأن المشاركة ليست فعلاً يستدعي الخوف، وأنها لا تهدف إلى تحدي أحد، بل إلى رواية جزء من حياتها كما تعيشه.

المخرجة الألمانية ستيفاني بروكهاوس
عزّة (2025)

وتقول بروكهاوس إن هذه المقاومة الاجتماعية جعلت الفيلم أكثر تركيزًا على البطلة، وهو ما أعطاه طابعًا أكثر حميمية، فغياب الأصوات المحيطة دفعها إلى الاقتراب أكثر من التفاصيل الصغيرة، إلى سماع الصوت الداخلي لـ«عزّة»، ومراقبة لحظات تبدو في ظاهرها عابرة لكنها تكشف الكثير عن الصراع الداخلي الذي تعيشه. وتصف تلك اللحظات بأنها مناطق رمادية بين الرغبة في الانطلاق والعودة القسرية إلى القيود اليومية، بين الأمل في مستقبل أكثر اتساعاً والخوف من اتخاذ خطوات غير مألوفة.

وتظهر «عزّة» في الفيلم خلف مقود سيارتها «التويوتا» السوداء الكبيرة كامرأة تملك سيطرتها الخاصة على حياتها على الطريق، السيارة بالنسبة لها ليست مجرد وسيلة عمل، بل مكان تشعر فيه بالأمان والفخر، وتجد فيه مساحة تتيح لها أن تكون نفسها، بلا قيود ولا أحكام، في الطرق الطويلة التي تقطعها بين المدينة والصحراء، يبدو أنها تقترب من ذاتها أكثر مما تقترب من أي وجهة، فكل رحلة تحمل ما يشبه مواجهة مع الماضي، وكل طريق يفتح احتمالاً لمستقبل لا تزال ملامحه قيد التشكل.

اقرأ أيضا: علي سعيد: البدايات الأولى لصناعة السينما السعودية تستحق أن تُوثَّق

شارك هذا المنشور