للمخرجة هيفاء المنصور فضلٌ لا يُنكر على السينما السعودية بشكلٍ عام؛ ففي وقت ما كانت صناعة أي فيلم طويل في المملكة أقرب للحلم المستحيل، لم تكتف المنصور بإنجاز فيلم، بل قدمت فيلمًا عذبًا، رفيع المستوى، هو «وجدة» الذي أخذها فورًا إلى أكبر المنصات الدولية، وأكد للعالم أن ثمّة حكايات في المملكة العربية السعودية تستحق أن تروى. حكايات صغيرة قد لا تحمل همومًا ضخمة، لكنها تمس نساء تجاهدن لإيجاد مساحتهن في الحياة.
غير أن كل شيء تغير كثيرًا منذ عُرض «وجدة» في فينسيا عام 2012، في العالم بأكمله وفي السعودية بشكل خاص. العالم شهد موجات من الثورات والحروب والهجرات التي جعلت مهرجانات السينما مساحات سياسية قدر كونها سينمائية، والاهتمام بتمثيل كل الجنسيات والفئات جعل القصص الآتية من كل أنحاء العالم حاضرة باستمرار في المهرجانات، والأهم: صارت هناك صناعة سينما سعودية حقيقية، تتعدد فيها المشارب والأشكال السينمائية وطبيعة الحكايات، ويختار فيها الجمهور وفق ذائقته وتفضيلاته، باختصار لم يعد وجود فيلم سعودي إنجازًا في حد ذاته، بل يجب أن يمتلك الفيلم ما يكفي من أسباب الجودة.

لعل هذه المقدمة مهمة لفهم المشكلة في فيلم «المجهولة»، أحدث أفلام هيفاء المنصور، والذي كان في مطلع العام ضمن الأعمال العربية التي يتوقع المتابعون وجودها ضمن اختيارات مهرجان كان، ثم اختيارات فينيسيا الذي عرضت فيه المنصور فيلميها الأشهر «وجدة» و«المرشحة المثالية»، لكن اختيارات المهرجانين خلت من الفيلم، لينتهي الأمر بإقامة عرضه الأول في قسم «سنتر بيس Centrepiece» بمهرجان تورونتو، وهو القسم الذي كان يُعرف من قبل باسم «سينما العالم المعاصر»، والذي يضم مزيجًا من العروض الأولى والأفلام التي سبق عرضها في مهرجانات أخرى. مساحة عرض في مهرجان عالمي قد تكون حلمًا لصانع أفلام شاب، لكنها بالتأكيد أقل من المتوقع للعرض العالمي الأول لفيلم مخرجة بشهرة المنصور ونجاحها، قبل أن يستضيف مهرجان البحر الأحمر السينمائي عرضه الأول في الشرق الأوسط.

الشاهد أن مكان العرض الأول لا يعبر بالضرورة عن الجودة، فكم من أفلام عظيمة لم يدرك مبرمجو المهرجانات قيمتها عند المشاهدة الأولى، وكم من أفلام رديئة وجدت طريقها لأكبر مسابقات العالم. لكننا نذكره هنا لتعبيره عمّا يكشفه الفيلم عن مسيرة صانعته، التي تمتلك بالفعل إنجاز الريادة الذي لا يمكن إنكاره، لكنها لم تعد تحظى بنفس الجاذبية التي كانت عليها قبل عقد من الآن، وقت أن كانت صانعة الأفلام السعودية، بألف ولام التعريف، فصارت اليوم واحدة بين عشرات المواهب التي تعمل وتنجز أفلامًا في كل عام، حتى أن عرض «المجهولة» في جدّة مر مرور الكرام، فلم يكد أحد ينتبه لتناول الفيلم بالنقد والتحليل، إيجابًا أو سلبًا، وهو أمر يستحق بالتأكيد التفكير في أسبابه ودلالاته.
من يحمل صوت المجتمع؟
يمكن للسياق العام أن يكون أحد الأسباب، فللريادة قيمتها، ومن ينزل الملعب وحده ينال من الاهتمام ما يفوق بالتأكيد من يشارك وسط جماعة كبيرة، وصورة السعودية وقت إنجاز «وجدة» كمجتمع مغلق يرغب الجميع في إلقاء نظرة متلصصة على تفاصيله تختلف كليًا عن اليوم الذي صارت أنظار العالم تتابع عشرات الأنشطة والحكايات التي تدور في المملكة. لكن الاكتفاء بالسياق وحده سيكون تبسيطًا مُخلًا يتناسى أفلامًا أخرى خرجت من نفس السياق فنالت اهتمامًا دوليًا، لعل آخرها «هجرة» لشهد أمين الذي عُرض في مهرجان فينيسيا ونال التقدير في كل مكان زاره.

الحقيقة هنا أن «المجهولة» فيلم يكشف بوضوح عن الأزمة الفنية التي تعيشها مخرجته، التي لم تصر فقط بعيدة عن مجتمعها المحلي تكاد تراه بعين استشراقية، بل غدت غير قادرة حتى على صياغة حكاية متماسكة منطقيًا يمكن للمشاهد العادي متابعتها دون أن يشعر بضرورة التنازل عن قدر من ذكائه كي يصدق وقوع هذه الأحداث من هذه الشخصيات في مجتمع كالسعودية. الأمر الذي ظهرت بوادره في فيلم هيفاء المنصور السابق «المرشحة المثالية»، قبل أن يتجلى بشكلٍ صارخ في فيلمها الجديد.
ينطلق النص الذي كتبته المخرجة بصحبة براد نيمان من فكرة واحدة: إذا ماتت امرأة وقررت عائلتها ألا تتعرف على جثتها، لأسباب تتعلق بالشرف عادةً، فإن الضحية ستُدفن كمجهولة لم يستدل على هويتها، حتى لو كان بإمكان السلطات أن تتوصل لحقيقتها. لا أعلم مدى صدق الفكرة التي تبدو عصيّة على التصديق، خاصةً في حالة وجود شبهة جنائية في الوفاة كحالتنا هذه، لكن الأكيد أنها تبدو نظريًا فكرة صالحة لإثارة لعاب المشاهد الغربي: شابة تُقتل أو تنتحر فتدفن بلا هوية بسبب الشك في سلوكها، وامرأة تحاول أن ترد لها أبسط حقوقها في أن تغادر الحياة بصورة لائقة.

انتصار اللامنطق
من أجل تحقيق هذا الهدف تختلق هيفاء المنصور واحدة من أكثر الحبكات الدرامية هشاشة على الإطلاق، عن نوال موظفة الشرطة التي يقتصر عملها على تصوير ورقمنة بعض الأوراق (ميلا الزهراني)، والتي يستعين بها لسبب غير مفهوم الضابط المكلف بتفحص جثة فتاة عُثر عليها، وكأنها المرة الأولى التي يتم فيها التحقيق في وفاة امرأة، ثم لا ترضى باستعداد مرؤوسيها لإغلاق القضية فتقرر مواصلة التحقيق بنفسها كي تعيد للفتاة الراحلة هويتها التي قرر المجتمع أن يسلبها إياها.
لماذا أقدم الضابط على الاستعانة بنوال في تصرف غير احترافي وغير معتاد، خاصة إذا ما كان ينوي التعامل مع الأمر بروتينية وإغلاق الملف برمته في أول فرصة؟ لن تعرف أبدًا، كذلك لن تفهم سر تغاضي الجميع على استمرار نوال الواضح في التحقيق بشكل منفرد وكأنهم يريدونها أن تكمل الرحلة، ولا على الأمور التي تتكشف لها بالصدفة البحتة. هشاشة الحبكة جعلت من الطبيعي أن يأتي السيناريو ركيكًا، لا يساعد الممثلين على تقديم أداءٍ جيد، وعلى رأسهم بطلة الفيلم بطبيعة الحال.
وبينما تعتقد هيفاء المنصور إنها تقدم فيلم جريمة نسوي يدافع عن مكان المرأة في المجتمع في حياتها وبعد مماتها، فإن صعوبة تصديق منطق النص وأفعال الشخصيات تقضي بخطأ هذا الاعتقاد، بل أننا نكاد نشعر لوهلة أننا نتابع أحد المسلسلات الرمضانية التي تبدأ بجريمة يتم التعقيد في تفاصيلها لإطالة زمن الأحداث قدر الإمكان.

أعجب نهايات السينما
(تحذير: يمكن التوقف هنا لمن لا يرغب في حرق نهاية الفيلم)
غير أن كل ما سبق يتضاءل إذا ما وُضِع جوار الاختيار الدرامي الأغرب على الإطلاق، والذي يفاجئنا به الفيلم في النهاية، عندما نكتشف هوية قاتل الفتاة المجهولة، وإنه – صدق أو لا صدق – نوال نفسها!
نعم كما قرأت، الموظفة التي صممت على استكمال التحقيق الذي أراد الجميع إغلاقه هي نفسها القاتلة التي فعلت ذلك انتقامًا لأنوثتها الجريحة من زوج يرغب في الزواج من ثانية، ضاربة عرض الحائط بأبسط قواعد المنطق التي يملكها أي فيلم تحقيق متواضع. على الأرجح أرادت المنصور وكاتبها المشارك إبراز كون البطلة هي الأخرى ضحية للنظام الاجتماعي الذي يضعها على هامش حياة الذكور، لكن الأمور لا تسير على هذه الشاكلة، لا في الحياة ولا على شاشة السينما، حتى لو كانت سينما تدعم المرأة، وحتى لو كانت صانعتها هي رائدة السينما السعودية.

يخبر «المجهولة» هيفاء المنصور قبل أن يخبرنا أن على المخرجة الكبيرة التروي قليلًا قبل خطواتها، والخروج من مساحتها الآمنة التي من الغريب أنها لا تضم أي شخص يخبرها كم يبدو الفيلم صغيرًا مقارنة بأعمالها السابقة، وكم تبدو الانعطافة الدرامية في نهايته مثيرة للتعجب من فرط ضعفها. يخبرها أن هفوات الكبار تأتي هي الأخرى كبيرة، وأن ما حققته السينما السعودية خلال الأعوام الأخيرة قد يدين بالفضل جزئيًا لامرأة حلمت وتمكنت من تحقيق حلمها السينمائي في زمن المنع، لكنه بالتأكيد لا يمنحها ضمانًا مسبقًا بالنجاح مالم تقدم ما يواكب زمن الازدهار.