لو شاهدت فيلم «المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، وشعرت بعده بشعور غريب وغير مفهوم، فذلك أمر طبيعي؛ إذ لا يقع الفيلم في ثغرات سردية وإجرائية وحسب، بل إن سبب الانفصام المشاعري بينك وبين الفيلم وشخصياته أكبر من تلك الأخطاء. عدم التعاطف متجذر في بُنى ومفاهيم غربية بالكامل، كما لو أن هيفاء المنصور كتبت فيلمًا يحكي قصة رايتشل أو فينيسا، ومن ثم ألبسته العباءة لتجعل منه فيلمًا سعوديًّا. تلك بالضبط هي شخصية نوال، بطلة الفيلم، التي لعبت دورها الفنانة ميلا الزهراني.
لنبدأ بقراءة الموقف النسوي للفيلم، والذي يجعلنا نفهم سبب تحمس المتلقي الغربي له.

الفيلم نسوي إذا ما نظرنا إلى بطلة الفيلم، نوال، بوصفها شخصية سينمائية مركبة؛ شخصية لا تواجه شخصًا بعينه، بل بناءً اجتماعيًّا ذكوريًّا يحوّل الضحية المظلومة إلى خطر على نفسها وعلى المجتمع. هذا الجمع بين الشخصية النسائية المعقدة، بتعقيد الرجل من جانب، وذكورية المجتمع من جانب آخر، يجعلنا نرى نوال امرأة تستغل المجتمع الذكوري لمصالحها الشخصية الانتقامية، وتتلاعب بخطابات اضطهاد المرأة؛ فهي تستغل وجود قضايا الشرف لتنفذ جريمتها، وتنجو بنفسها، وتُبقي في الوقت نفسه اللوم في حيز الهيمنة الذكورية التي أنتجت جرائم الشرف. لأن السؤال لا يتعلق بأخلاقية هذا الفعل، بل بكيفيته وأسبابه.
أي أن الفيلم يقدم قراءة تقول إن استغلال خطابات العنف ضد المرأة هو نتاج تلك البنية الذكورية للمجتمع؛ البنية التي تحوّل المظلوم إلى ظالم في ماكينة تنتج العنف على الدوام. فنحن أمام امرأة مطلقة ومعزولة، تفقد صوتها وتشعر بأن العالم لا يراها، فتنزلق، بدافع الإحباط والشعور بعدم القيمة، إلى ارتكاب الجريمة، لا لأنها شريرة على نحو ميلودرامي ساذج، بل بدافع الاضطراب النفسي الحاد الذي يودي بها إلى السقوط. فتكون نوال شخصية تراجيدية بامتياز، امرأة قادها القمع الواقع عليها من قبل زوجها وبيئة عملها وأخيها والمجتمع إلى أن تصبح ما كانت عليه في الفيلم.

تلك الحالة النفسية الحادة هي لب الحالة المضطربة لدى نوال؛ امرأة لم تعد تثق بالرجل، ولا العائلة، ولا المؤسسات، ولا تثق أن ثمة شخصًا أو جهة قادرة على حمايتها، فتخلق نظامها الخاص لتحقيق العدالة. فلا يكون السؤال: هل ما فعلته نوال شرير؟ بل: لماذا كان الشر هو طريقها الوحيد لما ظنته خلاصًا لها؟ السؤال الأول أخلاقي محض، في حين أن السؤال الثاني ينقلنا إلى حيز السياسة وفن الممكن وخطابات الهامش ودور ديناميات القوى في تشكيل وتوزيع السلطات في المجتمع.
ولعل ذلك يشرح لنا سبب قتلها للبنت التي أراد زوجها أن يتزوجها، وعدم اختيارها قتل زوجها؛ لأن قتل الزوج يحوّل الفيلم إلى حكاية امرأة تنتقم من رجل ظالم، ويحصر الصراع بين الرجل والمرأة، ويبدو مثل دراما عنف منزلي عادية. لكن ما تريده نوال هو كسر النظام الذكوري برمته، لا البقاء داخل معادلته. ومن جانب آخر، تمثل الطفلة «ذات» نوال القديمة؛ الذات التي قادتها إلى ما وصلت إليه اليوم، الحالة التي تكرهها، والتي تود لو أنها تتخلص منها، فيصبح الفعل كما لو أنه آتٍ من منطقة نفسية عميقة في محاولة لتغيير الماضي.

كثيرًا ما تظهر المرأة في الأفلام العربية كامرأة مظلومة أو معنفة، ضعيفة ومنكسرة، أو أمٍّ وزوجة على الهامش؛ أي إنها مختزلة في طيف سطحي وساذج. بينما نرى نوال تضعف وتنكسر، وتخطط وتنفذ، وتخطئ وتبرر، وتناقش وتتلاعب، وتلك مساحة تُعطى للرجل عادة لا للمرأة. وعليه، يقدم الفيلم الغضب النسوي لا بوصفه فعلًا نبيلًا بالضرورة، بل فعلًا إنسانيًّا بشريًّا، وأن النسوية ليست بحاجة إلى تقديم نساء نبيلات، بل نساء بشريات. وهذا يقود بالضرورة إلى شخصيات نسائية مكتملة الأبعاد، لا شخصيات ورقية ذات بعد واحد.
ما سبق هو القراءة التي سينبهر ويصفق لها ستيف ورايتشل ومايك ومونيكا. لكن لماذا لم تشعر بأي من ذلك لو كنت سعوديًّا أو عربيًّا؟ سأتطرق إلى الثغرات السردية والعملية والإجرائية التي قد تكون هي الأسباب الرئيسة في انفصالك عن العمل وعدم اندماجك معه، وهي في ظني مرتبطة بشكل أصيل بغربية العمل نفسه، ولذلك سأبدأ بها.

أولًا، جرائم الشرف هي نتاج منهجية تفكير استعمارية قائمة على رد كل اتساق سلوكي إلى جذر ثقافي في مناطق الجنوب العالمي والدول النامية والمتأخرة. هذا، بكل تأكيد، لا يبرر بأي شكل من الأشكال الجرائم الواقعة على المرأة في المنطقة، ولكن ما أود قوله هو: لماذا لا يُقرأ الاتساق ذاته فيما يخص العنف ضد المرأة في أمريكا ويُرد إلى جذر ثقافي هو الآخر؟ قضايا العنف وارتكاب العشاق والأزواج للجرائم ضد عشيقاتهم وزوجاتهم أكبر من ألا تحمل اتساقًا. لمَ لا نصك – مثلًا – مصطلح «جرائم الهسترة» ونرد هذا الاتساق إلى هستيرية الرجل الأشقر وسايكولوجيته المضطربة المتأصلة في جوهره، كما يفعلون هم فيما يسمونه بـ«الرجل الشرقي»؟ بل إن ذلك يتسق مع تنميط آخر، وهو المرأة الشقراء الهستيرية، التي يبدو أن نوال تشبهها أكثر من أي امرأة سعودية أخرى. (يتناول الدكتور جوزيف مسعد هذا الموضوع في كتابه «اشتهاء العرب» بشكل تفصيلي أكثر لا تحتمله هذه المراجعة).
ثانيًا، ينتمي الخط العام لحبكة الفيلم إلى صيغة غربية نابعة من المجتمع الأوروأمريكي؛ وهي: امرأة مهمشة، مجتمع ذكوري يقمعها، مجتمع لا يصدق النساء، ومن ثم تستعيد المرأة السلطة عبر فعل راديكالي. الإشكال في هذه المعادلة هو وضع المرأة في مواجهة مباشرة مع المجتمع، وهذا ما يتماشى مع المجتمع الغربي الفرداني، لا مع تعقيدات المجتمع السعودي التي لم يحاول الفيلم مقاربتها. أقصد تلك التعقيدات المتعلقة بشبكة العائلة والقبيلة والعلاقات الداخلية الخاصة؛ فالوحدة الأساسية في المجتمع السعودي ليست الفرد في مقابل المجتمع أو الفرد في مقابل فرد آخر، بل تكتلات أسرية وقبلية ومناطقية وغيرها، مما لا يتطرق له الفيلم إلا لمامًا. فإذا كان الفيلم سيلغي كل هذه الروابط، فلا بد أن يتطرق بشكل واضح ومتماسك إلى غياب هذه الفواعل الاجتماعية في حياة نوال، وعدم الاكتفاء فقط بوجودها الفيزيائي البعيد عن أسرتها.

ثالثًا، النموذج النسوي العالمي، أو بمعنى أدق «المعولم»، لا يخص تصرفات نوال وحدها؛ فالفيلم لا يخلو من القوالب الغربية مثل «نمط المرأة غير المرئية». بل إن الرحلة النفسية لنوال هي نموذج غربي معروف، وربما مبتذل، «قوس الغضب الأنثوي»؛ المرأة التي تعاني من زوجها، وتظل هادئة، ثم تنفجر نحو الانحراف. رأينا ذلك في فيلم «Gone Girl» لديفيد فينشر، و«The Girl in the Train» لتيت تايلور، وغيرهما الكثير.
رابعًا، لا يشبه تصرف نوال تصرف المرأة السعودية. ردة فعل المرأة السعودية تكون، غالبًا، ضمن ما يتوفر لها في إطارها الثقافي والاجتماعي، مثل التقرب من الأخت أو الصديقة أو الجارة، وهو ما ينتمي إلى النسيج الاجتماعي السعودي، لا تلك العزلة المستقاة من مجتمع يعيش أفراده بشكل خاص جدًّا ومنعزل. بل الأهم من هذا كله هو غياب أي مؤسسة سعودية معنية بالمرأة والأسرة داخل الفيلم، والسبب في غياب مثل هذه المؤسسات هو غيابها في الأفلام الغربية التي استخدمتها المنصور نماذج لها، وكأن صانع الفيلم السعودي لا يتخذ خطوة سينمائية إلا إذا أتته المباركة من نموذج غربي يستقي منه. وهذا يتعارض مع الكثير من الأفلام العربية التي تقدم نماذج نسوية أكثر عمقًا وأصالة، كما سنرى لاحقًا في فيلم «إن شاء الله ولد».
خامسًا، للانتقام العنيف في السينما الغربية جذوره الثقافية؛ فهو نابع من موقع الفرد فوق الجماعة، مما يجعل العنف أحيانًا، بالنسبة لهذا الفرد، سبيلًا لاستعادة ذاته، إذ إن خيار اللجوء إلى جماعة لغرض الحماية ليس واردًا دائمًا، وليس هو الخيار الأول، بعكس الاحتماء بجماعة مثل الأسرة. والأهم أن العنف في الثقافة الغربية، لا سيما في الجرائم، هو وسيلة تعبير للمواجهة ضد النظام لا الأسرة. وهذا تقليد قديم مرتبط بالعلاقة المتوترة بين الفرد الأمريكي ونظامه، حالة صراع وتصادم دائمة.

سادسًا، اختزال الشخصية النسوية في الحالة النفسية بات سمة في السينما السعودية مع معظم الشخصيات تقريبًا، إلا أن اختزال نوال في الحالة النفسية يعود أيضًا إلى تقليد غربي يعزل كل ما هو اجتماعي وثقافي عن تشكيل الشخصية، ويبقيها في حيز التجربة الداخلية والصدمة النفسية والتفكك الذاتي والانفعال الفردي وكسر المحرم عبر الفعل الصادم. لا وجود للتفاوض الاجتماعي، ولا للبنية العائلية، ولا لأي شبكة دعم اجتماعي. وهذه نظرة غربية؛ لأنها فلسفة موغلة في الفردانية وعلم النفس التحليلي المعتمد على الصدمات النفسية وفرويد ولاكان. ومن المتوقع أن تفشل هذه الصيغة المختزلة عند المشاهد السعودي؛ فهي تسقط المجتمع تمامًا، وتحول الأمومة إلى رمز نفسي، وتقصي الأخلاق لصالح التحليل النفسي، وتجعل من الذنب مسألة شخصية.
إذا ما أخذنا بالاعتبار كل ما سبق، نستطيع أن نفهم الثغرات السردية، التي لم تكن عشوائية، بل متسقة مع غربية الفيلم؛ لأنها جميعها تحاول تقديم قراءة نسوية غربية في مجتمع مختلف، ولأن مراجع المنصور السينمائية غربية، بل تشعر أنها منعزلة عن الواقع السعودي والمرأة السعودية.
لا يوجد في المملكة العربية السعودية محقق خاص «Private Investigator» يعمل بشكل مستقل عن المؤسسات الأمنية والنظامية كما هو الحال في الولايات المتحدة، وهذه أولى عقبات الفيلم الذي يريد استخدام النماذج الغربية مرجعًا له. تأتي تلك الأفلام الأمريكية بشكل عضوي للمشاهد المحلي هناك لأنها من البيئة ذاتها، أما إذا وضعت في سياق سعودي فنكون على موعد مع الكثير من الافتعال والتزييف والترميم والترقيع. نحن أمام موظفة في قسم الأرشيف، لكنها تعمل مثل المحققة الخاصة بشكل سري، بل نرى تساهلًا من قسم الشرطة في ممارساتها اللاقانونية، من إصرار ومواصلة في جمع الأدلة والاستجواب، ولا نفهم كيف تتحصل بسهولة على معلومات هامة وحساسة. وهذا كله يختلف بشكل مباشر عن طرق عمل الأجهزة الأمنية.

تعامل الشرطة مع مسرح الجريمة مشابه لأفلام التحري الأمريكية، وليس أسلوب الضبط الجنائي السعودي، الذي تقوده الشرطة والأدلة الجنائية في الميدان، ومن ثم يُرفع للنيابة العامة، لا عبر تفويض محقق منفرد كما في الدراما الأمريكية. بل لم يكن في الفيلم بنية تشغيلية واضحة، وهو ما يعكس قصورًا وعدم إلمام من المخرجة بما يُعد عنصرًا رئيسًا في الفيلم.
كذلك يغيب استخدام الأدلة الجنائية الحديثة، مثل الحمض النووي وتقارير الطب الشرعي المتقدمة وتحليل موقع الجثة ووقت الوفاة وسائر التفاصيل الأخرى. بدت الإجراءات كما لو كنا في السبعينيات.
أيضًا، يُمنع في السعودية منعًا باتًّا حضور التحريات والاطلاع على الأدلة. ونوال مدنية ليست طرفًا مباشرًا في القضية، وليست ضحية ولا شاهدة رسمية ولا محققة من قبل الجهاز الأمني، وليس لها حتى مصلحة قانونية. فلا يوجد أي منطق إجرائي يبرر تهاون الشرطة معها، خاصة أن القضية تصنف ضمن الجرائم الكبرى.
وغيرها الكثير من الثغرات المتعلقة بالجانب العملي والإجرائي الأمني في المملكة. لكننا نلحظ وجود اتساق في كل هذه الثغرات، وهي ثغرات تسمح باستقطاب ومحاكاة الدراما الجنائية الأمريكية. وهذا يقودنا إلى السؤال الفعلي: لماذا اختارت المنصور اتخاذ النموذج الغربي مرجعًا لها عوض الانطلاق من الأسئلة المحلية التي يُفترض أن تنطلق منها، وفهم الإجراءات النظامية لمكان قصتها، وصياغة حكايتها وموقفها الثقافي النسوي بشكل عضوي؟

تكمن محورية السؤال، كما رأينا، في قابلية هذا الاستقطاب على زعزعة العمل ككل. زيف العمل من الناحية الثقافية، والخضوع للمعايير الغربية فيما يخص الموضوع والثيمات والمعالجة، ليس مشكلة «مطوع زعلان من الغرب»، بل مشكلة تمس عضوية التفاعل مع موضوعاتنا، وعجز السعودي عن الاشتباك مع واقعه، والإصمات الذي يمارسه على نفسه، وسلب حق التعبير عن ذاته إلا بعد أن يرى نموذجًا غربيًّا يقتدي به.
تتسق الثغرات الإجرائية، والقراءة النسوية للعمل، والإيغال في الجانب النفسي، جميعها، في علة أخرى في الفيلم، وهي مشكلة المنظور؛ إذ لا يستطيع المشاهد تجاوز السؤال الأهم: لماذا نرى نوال مضطربة وحزينة ومنزعجة في منزلها إن كانت هي القاتلة؟ وإن كانت تعلم تمامًا ما فعلت ومن قتلت، فلماذا «تلفلف» في المدارس وتستجوب الطالبات؟
بالنسبة إلى السؤال الأول، قد يُبرر ذلك بأن ما نراه هو الحالة الذهنية لنوال، وهي تحاول النظر إلى نفسها بوصفها ضحية؛ أي إن ما نراه على الشاشة انعكاس لحالتها الذهنية من منظورها، أي إن المنظور الذي نظنه موضوعيًّا هو في الحقيقة غير موثوق، وما هو إلا نظرة نوال إلى نفسها، ضحية لا مجرمة. لكن المشكلة هي غياب الاتساق في المنظور؛ تارة نرى منظورًا موضوعيًّا محايدًا، وتارة نرى منظور نوال (إذا افترضنا أن مشاهدها في بيتها هي من منظورها الشخصي). وهذا الاضطراب يعكس خللًا كبيرًا في بناء منظور الفيلم، الذي يتغير بحسب ما يريده صانع الفيلم ووفق ما يريحه. وهذا يحدث كثيرًا في الأفلام التي تعتمد على «الالتواء الدرامي».
أما بالنسبة إلى زياراتها المتكررة للمدرسة، فأفضل تحليل لذلك هو الإيغال في الرمزية؛ فالمدرسة مكان النظام والطفولة والبراءة، وهو ما زعزعته نوال تمامًا. لكن يبقى هذا التحليل معيبًا أيضًا؛ لأنه قرار فني غير موفق، فرمزيات كهذه غير مدفوعة بدراما حقيقية، وإنما وُضعت لتضليل المشاهد، مما يعزز مسار حبكة لا عضوية.

إذا أردنا تعزيز فهمنا لأثر الاستيراد الثقافي واستخدام النماذج الغربية في أعمالنا، نستطيع عقد مقارنة سريعة مع فيلم «إن شاء الله ولد» للمخرج أمجد الرشيد، ويا للمصادفة فإن بطلة الفيلم اسمها نوال أيضًا.
لكلا الفيلمين موقف نسوي واضح، لكن شتان بينهما. في فيلم «إن شاء الله ولد» لا نرى نوال، المرأة الأرملة الحامل، معزولة تمامًا عن مجتمعها، لا على مستوى الصراع (كما مع حميها) ولا على مستوى الدعم المجتمعي من أقاربها وجيرانها. لذلك، فصراعها ليس نفسيًّا بالكامل كما في الأعمال الغربية، بل متجذر بعمق في سياسات النظام والبُنى الاجتماعية، ولذلك تتصادم معها وفق منطق المحلية الثقافية. بل إن ذروة حل الحبكة تكمن في موضوع ثقافي بحت، وهو الولد الذي يمكّن الأم من الحفاظ على الإرث. أي إن حضور الثقافة المحلية ليس حضور «منكهات» تدغدغ تصورات الأبيض الغربي، بل فاعل رئيس في مسار الأحداث، منطقي، وملتحم بالواقع بشكل مباشر وجريء.

نوال الأردنية في «إن شاء الله ولد» تشبه المرأة السعودية أكثر من نوال السعودية في «المجهولة». أي لو استخدمت المنصور الفيلم الأردني نموذجًا لها، لكانت أقرب وأصدق في تمثيل المرأة السعودية. إلا أن مفهوم «العالمية» لدى كثير من صناع الأفلام السعودية مشوه، ومرتبط بشكل مباشر بخطابات المركزية الأوروبية.
يتبقى سؤال أخير أختم به هذه المقالة: إن كانت هيفاء المنصور بعيدة عن الواقع السعودي، فهل يجعل حديثها وتناولها للموضوع النسوي السعودي استيلاءً على أصوات النساء؟ تمامًا مثل المرأة البيضاء التي تريد إنقاذ المرأة الإيرانية دون أن تمتلك أدنى معرفة بها وبظروفها وبكل أشكال التراتبية الاجتماعية والسياسية؟ وأين النسويات السعوديات من تناول أعمال سعودية تتخذ من المرأة موضوعًا رئيسًا لها؟
في ظني، فيلم «المجهولة» قادر على أن يكون مادة غزيرة، ومثالًا ملموسًا للنقاش والمساءلة والنقد، وإعادة ترتيب أوراقنا فيما يخص طريقة تناول موضوعاتنا الثقافية، على نحو يعيد مركزية الخطاب إلينا، لا أن يدفع بنا إلى الهامش أكثر.
اقرأ أيضا: الوجه السعودي في المهرجانات السينمائية… ميلا الزهراني