فاصلة

مراجعات

«القيد»… مغامرة سينمائية سعودية

Reading Time: 4 minutes

بينما ينشغل محبو السينما بالأفلام المتنافسة في مهرجان فينيسيا في دورته الثانية والثمانين، استقبلت دور العرض السعودية بهدوء فيلمًا يُتوقع أن يثير الكثير من الضجيج. يواصل صناع السينما السعوديون من خلاله استكشاف البيئة الثرية والمتنوعة للمملكة وما يمكن أن تتيحه لهم لصناعة أفلام لا يمكن تجاهل تنوعها وجرأتها في المغامرة.

الفيلم الذي بدأ عرضه في الرابع من سبتمبر الجاري بعنوان “القيد” هو أحدث تلك المغامرات. ولا يشكل مغامرة في موضوعه وتوقيت عرضه فحسب، بل هو مغامرة كذلك في خيارات تصويره وسط تحديات الصحراء السعودية القاسية.

فيلم “القيد” الذي صُوّر في الشتاء القارس بصحراء نيوم شمال غرب المملكة، يمثل فرصة جديدة للكشف عن ثراء البيئة السعودية وتنوعها من خلال شاشة السينما، إذ يحاول صناع الأفلام التنقل بين الأزمنة والأماكن المختلفة لتغطية العديد من الأفكار والقضايا بين حاضر المملكة وماضيها.

يأتي التفاعل الجماهيري ليغري بالتأكيد صناعة المزيد من الأفلام. فالجمهور الذي استقبل “مندوب الليل” لعلي الكلثمي، الذي تدور أحداثه في قلب الرياض في وقتنا الحالي، هو نفسه الذي أقبل على “هوبال” لعبد العزيز الشلاحي، الذي تدور أحداثه في الصحراء والبيئة البدوية في بداية التسعينيات. ولا يزال أمام صناع السينما الكثير من الحكايات والعديد من الأشكال السينمائية لاستكشافها.

يمثل الفيلم خطوة جديدة لـ “تلفاز 11” التي أصبحت واحدة من أبرز الشركات التي تقدم تنوعًا كبيرًا في أفلامها. والأهم أنها لا تبخل في دخول مغامرات إنتاجية ضخمة، وهو ما يظهر جليًا في أحدث إنتاجاتها، فيلم “القيد”، أول الأفلام الطويلة للمخرج حسام الحلوة، عن نص لأحمد الحقيل.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

فيلم “ويسترن” في السعودية

يمزج فيلم “القيد” بين عنصرين مهمين: الأول هو البيئة البدوية التي لا يزال فيها الكثير ليُحكى، والثاني هو استعارة مفردات كثيرة من نوع سينمائي ذي تاريخ طويل، وهو “أفلام الويسترن” التي عُرفت باسم “أفلام رعاة البقر”.

يتابع الفيلم قصة ملائمة تمامًا لهذا النوع السينمائي؛ الشاب سعود (سعد الشطي) يخرج في رحلة بين الصحراء والواحات لمطاردة رمّاح (يعقوب الفرحان) وعصابته ليأخذ بثأر قديم، بينما يتنقل الأخير مع أتباعه من منطقة إلى أخرى، هربًا من مطارديه وبحثًا عن ضحايا جُدد.

إذًا، لدينا أهم عناصر هذا الصنف السينمائي: شخصية شريرة، وأخرى ترغب في تحقيق العدالة من وجهة نظرها، عصابة وأسلحة ومطاردات، وبيئة قاسية، وتيمة الثأر.

في هذه الخطوط العريضة يبدو الفيلم مخلصًا إخلاصًا جمًا لأفلام الغرب الأمريكي، ولا يلوي المؤلف ذراع الأحداث لتلائم النوع، بل على العكس؛ هو يستمد من عناصر البيئة ويطوّعها داخل حكايته وأحداثه.

ثم يأتي الجانب الآخر المهم في هذا النوع من الأفلام، وهو الجانب البصري. يقدم المخرج حسام الحلوة رحلة ثرية بصريًا، إذ يتناول الصحراء تناولًا جماليًا ملائمًا للفيلم، دون أن يُفقدها قسوتها وجفافها. خاصة أن الأماكن في الفيلم تلعب دورًا محوريًا في الأحداث، إذ تتنقل الشخصيات عدة مرات بين السهول والجبال والواحات والصحراء القاحلة، وهو ما يمكن أن نشعر به حاضرًا على الشاشة. يشعر المشاهد باتساع المكان في مشاهد الهرب وضيقه في مشاهد المواجهات.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

“بلوت تويست” غير مقصود

رغم ما ذكرناه عن الحبكة الرئيسية للفيلم، فإن بعض التفاصيل داخل السيناريو كانت بحاجة إلى المزيد من التطوير. في بداية الفيلم، سنتعرف على شخصيات عدة، ما ينبئ بصراع قوي على أكثر من جهة، ولكن مع تقدم الأحداث، نجد أن بعض الشخصيات احتاجت إلى تقديم أعمق حتى نستطيع الارتباط بها. منها شخصية سعود نفسه – البطل الباحث عن الثأر – التي افتقرت إلى التفاصيل المطلوبة ليكون بطلًا مناسبًا للفيلم. فإن كان الثأر محركًا قويًا له؛ فإن أبعاد شخصيته وماضيه ليسا واضحين بالقدر الكافي. فكأنه وُلد فقط ليقتل رمّاح، وهو ما لم يجعله ندًا مناسبًا للأخير الذي يتحول ليصبح البطل الحقيقي، وليس البطل المضاد لشخصية سعود.

يُضاف لهذا الشعور الحضور القوي واللافت ليعقوب الفرحان، الذي اجتهد بشكل ملموس ليقدم دور القاتل الخالي من المشاعر، مما قد يجعل المشاهد في نهاية الفيلم يتعاطف مع رمّاح أكثر من بقية الشخصيات.

فيلم القيد (2025)
فيلم القيد (2025)

وإن كانت تفاصيل شخصية سعود احتاجت لعناية أكبر، فإنها لا تزال أفضل حالًا من الكثير من الشخصيات الثانوية، وعلى رأسها رجال رمّاح الذين كان الفصل الأول يمهد لهم ليصبحوا بمثابة مراحل بلغة ألعاب الفيديو، أو عناصر لمواجهات ثانوية قبل الوصول لرمّاح. لكن في الفصلين الثاني والثالث، تخلص الفيلم منهم بطرق جاء الكثير منها غير مقنع، وكأن الشخصيات كانت عبئًا على الفيلم فصار واجبًا قتلها، بينما كان يمكن منذ البداية اختزال أو دمج بعضها لتضيف مساحة أفضل من التحدي مع شخصية سعود.

فيلم القيد
فيلم القيد (2025)

مغامرات عديدة في فيلم واحد

يبدو واضحًا في “القيد” الطموح الكبير لدى مخرجه الذي سعى لصناعة فيلمه مستفيدًا من ميزانية كبيرة وإمكانيات هائلة، فكان عليه أن يحاول الموازنة بين القيمة الفنية العالية وعناصر الجذب الجماهيرية.

ويمكن القول إن حسام الحلوة نجح إلى حد كبير في تحقيق مستوى مميز بصريًا، وقدم رؤية جديدة للصحراء السعودية زادت من متعة مشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة بكل تأكيد.

يضم هذا الفيلم عدة مغامرات: الأولى هي التكلفة الإنتاجية الواضحة التي لم تبخل على الفيلم بشيء، والثانية هي أن يتصدى مخرج في فيلمه الطويل الأول لعمل بهذا الحجم، والثالثة تكمن في تجربة نوع سينمائي جديد على الجمهور السعودي. آتت هذه الرهانات ثمارها في عدة مواضع، وجانبها التوفيق في البعض الآخر كما ذُكر، وإن كانت التجربة في النهاية تستحق التقدير. وقد تكون -حال نجاحها- فرصة جيدة للتوسع في أفلام أخرى من هذا النوع، وإضافة المزيد من المغامرات.

اقرأ أيضا: «القيد»… بين عنفوان قصة بنص مضطرب وتجربة إخراج ثرية!

شارك هذا المنشور