قبل أن نبدأ الحديث عن «القصص»، ثالث أفلام المخرج أبو بكر شوقي الذي استضاف مهرجان البحر الأحمر السينمائي عرضه الأول في العالم العربي بعدما عُرض عالميًا لأول مرة في مهرجان تالين، يجب الإشارة لأن شوقي ومنتجوه قد أخطأوا عندما اختاروا هذا العنوان لفيلمهم، فهو عنوان بلا جاذبية أو خصوصية أو قدرة على إثارة الانتباه أو البقاء في الذهن.
وإذا كان عنوان الفيلم السابق خلال تصويره «صيف 67» يتشابه مع عدة أفلام عالمية صدرت خلال الأعوام الأخيرة، ومع رواية شهيرة للأديب المصري إبراهيم عبد المجيد، فإن البديل لا يجب أن يكون اختيار عنوان يُطابق ضمنيًا مع كل أفلام وروايات العالم، فما السينما والأدب إلا قصص تُحكي؟ لعل الأمر بحاجة لإعادة نظر قبل طرح الفيلم تجاريًا، لأن عنوانه الحالي يُرشحه بقوة لأن يمر تحت رادار الجمهور الذي لو شاهده الفيلم ففي الأغلب سيحبه ويتعلق به.
أقصد هنا الجمهور المصري تحديدًا والعربي عمومًا، والذي سيجد أن هذا الفيلم الذي يبدو من بعيد أوروبي الطابع، نخبوي التوجه، ناطق في بعض أجزائه بالألمانية والإنجليزية، هو في حقيقة الأمر واحد من أكثر الأفلام التي نجحت في التعبير عن العلاقة المركبة للإنسان المصري مع نفسه ومحيطه، ومع القدر الذي جعله يولد في هذا البلد في ذلك الوقت، أيًا كان البلد والوقت.

يعيش كلٌ منّا بدافع وهم كبير مفاده أننا أبطال قصّة حياتنا، نرسم الخطط ونتوقع المستقبل، نكافح لأن نكون أبطالًا منتصرين، نتجاوز العقبات ونثبت نجاحنا وقدرتنا على إنهاء قصتنا على طريقة الأفلام الكلاسيكية، نهاية سعيدة تصير الحياة المتوقعة بعدها أقرب للجنة منها لأرض البشر. غير أن واقع الأمور هي أننا وإن كنا الشخصية الرئيسية في فيلم حياتنا، فإننا لا نساهم إلا بأقل القليل في توجيه دفّة الأحداث، التي تحكمها محددات لا سيطرة لنا عليها: أين وُلدنا؟ من هم أهلنا؟ ما النظام الذي نعيش تحت حكمه؟ ما الذي يدور في العالم حولنا؟ إلى آخره من الأحداث التي شاهدنا صورتها القصوى وقت اندلاع جائحة كورونا التي بدأت في الأغلب بوجبة طعام خاطئة في أقصى شرق الأرض فغيرت مليارات الحيوات في كل مكان.
ضحايا الزمن المهم
تقول الحكمة الصينية «أدعو عليك وتعيش في زمن مهم»، أي أن أصعب ما قد يُحكم على الإنسان به هو أن تأتي تقلبات العالم فتجعله يقضي سنوات حياته في عصر مشتعل، تتراجع فيه قيمة الفرد في مقابل ما هو أكبر، الوطن أو القومية أو الأفكار الكبرى. ملايين البشر كانوا يستعدون لمستقبل رغد عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية فأنهت مستقبلهم، بل وحياتهم. لم يكن الأمر بذات العنف لدى أحمد وأسرته، لكنه بالتأكيد يحمل نفس الصدى الإنساني.
أحمد (أمير المصري) يعيش مع أسرته في مصر ستينيات القرن العشرين، يحلم بأن يكون عازف بيانو كلاسيكي متأثرًا بخاله (صبري فوّاز) الذي يعزف في فرقة أم كلثوم، يراسل فتاة نمساوية ويرغب في الحصول على منحة للدراسة في بلدها. تبدو مقدمة ملائمة لفيلم صعود على غرار «النمر الأسود»، غير أن لأحكام القدر شأن آخر. لم يختر أحمد أن يتعلم تعليمًا متوسطًا يجعل إنجليزيته غير قادرة على التعبير عن أفكاره بوضوح، لم يختر أن يعيش في أسرة صاخبة تؤثر في طبيعته وطريقة تعامله مع الأمور، لم يختر عمل والده ولا حمل أمه ولا انتماءه لعصر يُمكن لصورة التقطت لمنافسه (كريم قاسم) مع رئيس الدولة أن تكون عاملًا محددًا لمصير المنافسة بينهما، وبالطبع لم يختر أن يكون الصيف الذي يحلم بأن تبدأ فيه حياته المهنية هو الصيف السابع والستين الذي تعرضت مصر فيه لأكبر هزيمة عسكرية وانكسار اجتماعي في تاريخها.

يتم استدعاء شقيقه التوأم حسن (أحمد الأزعر)، الأكثر اتقانًا للغات والأفضل في القدرات الاجتماعية للتجنيد، ولسبب ما يسقُط أحمد من حسابات الجيش فينصحه الجميع باعتبار الأمر فألًا حسنًا. لكن هل هو كذا بالفعل؟ من المستحيل أن نتيقن، لأن «القصص» كانت لتسير في مسارات مختلفة كليًا فقط لو تغيرت تفصيلة واحدة فيها: لو تم استدعاء الشقيقين معًا، لو استُدعي أحمد وبقي حسن، لو لم يخطئ الأب (أحمد كمال) فيدلي بكلمات لا يجب قولها على شاشة التلفزيون، لو تأخر الهجوم الإسرائيلي لحظات كانت لتنهي حلم أحمد الموسيقي، وعشرات الافتراضات الأخرى التي كان أي منها ليودي إلى مسار مغاير للحكاية، لكنها كلها تؤكد عن هشاشة فكرة سيطرتنا على أقدارنا، رغم كل السعي والاجتهاد وما تقوله دروس التنمية البشرية.
فن ضياع الفرص
يبرع النص الذي كتبه أبو بكر شوقي في تقديم الخريطة المعقدة للشخصيات سريعًا: الأب والأم والتوأم وشقيقهما الأصغر، الخال العازف والعم النحس، وصديق العائلة وجارها، ناهيك عن العالم المحيط الذي يضم شخصيات أخرى تظهر على فترات. سريعًا ما نفهم تلك العائلة ذات الأغلبية الذكورية الساحقة، التي يختلف أفرادها في كل شيء عدا أمرين: حبهم لنادي الزمالك وسلبيتهم تجاه كل ما يحدث حولهم من وقائع جسام.

الأب موظف وزارة الزارعة المسالم، الذي يمتلك قدرًا من التعليم والنظرة الناقدة، يقمعه تحت ضغوط المعيشة والأولاد ومخاوف الاقتراب من السياسة التي تجعله يختار السير جوار الحائط، والأم (نيللي كريم بأداء مدهش) التي تتعامل مع مأزق كونها المرأة الوحيدة وسط هذا العدد من الذكور المهووسين بالكرة، الذين يتصرفون ويتشاجرون ويشجعون كالأطفال، فتحلم بإنجاب ابنة تشاركها الواجب المقدس، وتخلق لنفسها صديقة هي ذاتها التي تخاطبها في دفاتر المذكرات التي تملأها سرًا بالقصص والوقائع، دون أن تفصح عنها لاعتقادها أن الأسرة التي يوجد بينها من يكتب محكوم عليها بالتعاسة!
الحقيقة أن أسرتنا لم يُحكم عليها بالتعاسة، بل بالعادية، التي يمكن اعتبارها أجمل وأسوأ ما فيهم. فهي ما تجعلهم بشرًا من لحمٍ ودم، لا يرغب شوقي من خلالهم تجسيد أي أيديولوجيات أو التعبير عن أي اتجاهات فكرية أو انحيازات حياتية، باستثناء الانحياز للحلم بيوم أهدأ وغدٍ أسعد، لكن ليس كل ما يتمناه الشعب يدركه، خاصة في بلد يعيش هو الآخر قصصه الخاصة بين نشوة القومية وانكسار الهزيمة وأمل النصر وصدمات الانفتاح، إلخ.

أحمد هو الآخر شاب عادي، لا يمكن وصفه بالعازف الموهوب، ولا التحسر على أنه كان ليصير موسيقار عالمي لولا تقلبات الحياة وسوء الحظ، بل إن الحظ قد وقف في صفه عدة مرات، فحماه من التجنيد ومن كسر الأصابع، ومنحه بعض الفرص التي كان يمكن لشخص آخر أن يستغلها. لكن هل ينبغي أن يكون المرء نهّاز فرص، ذكي اجتماعيًا، متلونًا كمنافسه شمس كي يأخذ خطواتٍ في الحياة؟ قد تكون الإجابة نعم، وقد تكون لا، فشمس نفسه ندرك تعاسته وفشله. لا إجابة صحيحة، كأنها لعنه أبدية أن نسعى ونكافح ونقترب من الهدف ثم نخطئه، أو كما قال الشاعر عمرو حسن في وصف علاقته بنادي الزمالك وكأنه يصف بطل «القصص»:
الزمالك زيه زيي ف كل حاجة..
كل كنت كل ما أشد حيلي وأشوف طريقي..
أجري لما يجف ريقي..
ولما يبقى ما بين وصولي والهدف مترين تلاتة..
يتحسب عمري تسلل والقى نفسي حسن شحاتة!

في ملاعب الكرة والحياة
علاقة الأسرة بكرة القدم أحد أفضل الاختيارات السردية في «القصص»، ليس فقط لأنه يرد الاعتبار للكرة التي تمتلك في الواقع تأثيرًا على نمط الشخصية المصرية ومشاعرها أكثر بكثير مما أظهرته السينما المصرية عبر تاريخها الممتد، ولكن لأن علاقة الفيلم يجعلنا ننتبه لقدر تشابه تشجيع الكرة مع الحياة. ينخرط المشجع في علاقة ممتدة مع فريقه، يعرف عنه كل شيء، يدعمه في كل الظروف، ويتصوّر امتلاكه أثر ما على صيرورة الفريق (وليس بحث أفراد الأسرة على التشكيلة المثالية للجلوس أمام التلفاز لضمان الحظ الأقصى لناديهم ببعيد عن واقع التشجيع)، لكن الحقيقة هي أنها محبة من طرف واحد، لا يملك المشجع فيها إلا الحفاظ على الأمل الواهم في أن يكون الموسم المقبل أفضل من سابقه، وفي أغلب الحالات لا يُسفر هذا الأمل إلا عن إحباط جديد.

على النقيض يأتي توظيف الإعلام التلفزيوني كأحد أضعف الحلول التي يلجأ لها الفيلم، من خلال المذيع داود (حسن العدل) الذي يخاطب المشاهدين بشكل مباشر، متنقلًا بين العصور والرئاسات، داعمًا السلطة الحالية ومنحازًا لاختياراتها، حتى لو دافع عن الاختيار وعكسه في ليلتين متتاليتين. أزمة هذا الخط لا تقتصر على غياب الواقعية؛ فهذا النوع من الإعلام لم يتواجد في التلفزيون المصري خلال زمن الأحداث، بل ولم تكن البرامج الحوارية تُبث بشكلٍ مباشر من الأساس كما يقع في حدثين رئيسين من الفيلم. لكن المشكلة تنطلق بالأساس من كونه الاختيار الذي يكسر ابتعاد «القصص» عن الرموز لينخرط فيها بشكل مباشر.
داود ليس شخصًا بطبيعة الحال، لكنه رمز لخطاب الإعلام الذي يساهم في قمع وتعاسة الملايين، بإشعارهم دائمًا بالندم والتقصير، بأنهم لا يستحقون كل ما تفعله الحكومة من أجلهم. أمر قد نوافق عليه بشكلٍ نظري، لكنه يأتي هنا ليتناقض مع البساطة المدهشة التي رُسمت بها شخصيات العائلة. في كل مرة يظهر المذيع على الشاشة ليردد كلماته المباشرة يدفعنا دفعًا من زخم الواقع إلى خواء الرمزية، التي قد تلائم فيلمًا آخر لكنها تبدو غريبة عن فيلمنا هذا.
«القصص» فيلم طموح بحق، أفضل ما فيه قدر الصدق الذي يتناول به أبو بكر شوقي موضوعه، الذي يبدو وكأنه معالجة درامية لسيرة عائلية تخص صانع الفيلم، لكنها تتمكن من الاتساع لتخاطب الذاكرة الجمعية لكثير من عائلاتنا. معالجة تتواضع فتضع النفس البشرية في مقدارها، مذكرة إيانا بأن من حقنا مطاردة السعادة والحلم بغدٍ أفضل، لكننا نظل رهيني أمور عديدة لا طاقة لنا بتحديدها، تمامًا كالمشجع الذي تبح حنجرته دعمًا لفريق قد تتحطم آماله في تسديدة رائعة تصطدم بالعارضة بدلًا من أن تدخل الشباك. تخيّل أن تكون هذه التسديدة هي حياتك!
اقرأ أيضا: «غرق»… تشريح سقوط لأم وابنها