قد يبدو الفيلم القصير للوهلة الأولى محطةً ثانوية في طريق طويل يقود إلى «الفيلم الطويل»، أو تمرينًا سريعًا قبل الدخول إلى «الملعب الحقيقي» للصناعة. لكنّ السينما في جوهرها تخرج من معادلة المدّة. إنها الفنّ الذي يُمسك لحظةً من الحياة ويُعيد تشكيلها داخل عين الكاميرا. هنا تحديدًا يلمع الفيلم القصير، في مساحة ضيّقة زمنيًا وواسعة فنيًا تُجبر صانعيها على قرارات حاسمة في السرد والإيقاع والصورة والصوت، وعلى كتابة قليلة الكلمات وعالية الأثر.
في الفيلم القصير لا وقت للتمهيد الطويل ولا مجال للثرثرة. كلّ لقطة تحمل وظيفة، وكل انتقال يمتحن ذكاء المُشاهد وقدرته على التقاط ما يُقال وما لا يُقال. لهذا السبب، يصبح هذا النوع السينمائي ساحةً مثاليةً للتجريب الذي تُشكّله لغات بصرية جديدة وأفكار جريئة وأصوات صاعدة تشاء أن تقول شيئًا مختلفًا من دون أثقال السوق أو شروط الإنتاج الكبيرة. وهو أيضًا النوع الذي يبرع في التقاط التفاصيل الصغيرة، من النظرة إلى الانكسار اليومي، ومن لحظة حنان إلى خوف يمرّ سريعًا ويترك أثرًا طويلًا.
في هذا الملف من «فاصلة»، يختار نقادنا أفلامًا قصيرة يرون أنها تستحق المشاهدة، ويعيدون الإضاءة على أعمال قد تمرّ تحت الرادار، أو تُشاهَد مرةً واحدة ثم تُنسى، رغم أنها تُجيد ما تجيده السينما حين تكون في أقصى نقائها، فتُصيب المعنى مباشرةً، وتُنهي الحكاية قبل أن تفقد حدّتها. هنا ستجدون توصيات متنوّعة وقراءات نقدية تضع كلّ فيلم في سياقه الفنّي. أهلًا بكم إلى ملفّ الفيلم القصير، حيث أجمل ما فيه أنه يمنحنا سينما كاملة في أقلّ وقت ممكن.
«ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375»… عطسة تهزم المنطق

يضعنا الفيلم المُشارك في الدورة السابعة والستين من مهرجان كان، ضمن مسابقة «سينيفونداسيون» لعام 2014، «ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375» للمخرج عمر الزهيري، منذ مَشاهده الأولى، أمام عالم عبثي وغرائبي، سواء على مستوى الموضوع الذي يحمله العنوان ذاته، ويدور حول افتتاح حمام عمومي وحيد ومعزول على يد أحد المسؤولين، أو في ما يزيد الأمر غرابة، وهو أنّ هذا الحمام يقع في الصحراء ويبعد 375 كيلومترًا عن المدينة.
في مشهد البداية يتجسَّد العنوان كاملًا في أولى اللقطات، كأنّ المخرج يضعه أمامنا باعتباره مُرتَكزًا بصريًا وفكريًا للعالم الذي سنخوضه؛ عالم لا يخضع لمنطق الواقعية، بل لمنطق العبث. وتتعمَّق هذه النزعة عندما يعطس بطل الفيلم، فتتحوّل العطسة إلى لحظة مفصلية، إذ يشعر بتأنيب الضمير لأنه قاطع أمرًا مهمًا. ومن هنا تبدأ سلسلة من الملاحقات ومحاولات الاعتذار من المسؤول.
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«ضياء شمسي»… دفاعًا عن جوهر الفيلم القصير

عندما تُقاد الأحاديث، وحتى التحليلات والأفكار، حول السينما القصيرة، فإنها غالبًا ما تعود بنا إلى سؤال التلقي ذاته، وهو ما الذي يجعل هذا الشكل السينمائي قادرًا على إنتاج أثره الخاص؟ وتحديدًا، ما الذي يمنح الفيلم القصير نجاعة تُقاس بمعاييره هو؟ فالفيلم القصير بطبيعته لا يمكن تناوله من خلال الحبكة الممتدّة، ولا من خلال الحجم الإنتاجي الذي يلاحق عادةً أفلام الروائي الطويل. ومع ذلك، فإنّ هذا الهوس بالحجم بات في السنوات الأخيرة أحد الملامح اللافتة في عدد من التجارب السعودية القصيرة.
يمكن اليوم أن نصادف أفلامًا قصيرة بميزانيات تتجاوز 400 ألف ريال (نحو 100 ألف دولار)، وبطواقم إنتاج تتخطَّى 30 شخصًا، وبكاميرات من طراز رفيع، إلى جانب مديري تصوير يملكون تجارب عربية أو دولية طويلة. وقد يبدو هذا التطوّر، ظاهريًا، مؤشّرًا إيجابيًا على نمو الصناعة، وإنما هذه المقاربة في جوهرها تكاد تعاكس القيم التي نشأت منها السينما القصيرة. فحين يصبح البناء والطموح الجمالي وسقف التوقّعات موجَّهًا نحو تقليد الفيلم الطويل، يفقد الفيلم القصير وظيفته الأساسية، أي أن يكون مساحة حرّة تُختبر فيها اللغة السينمائية، ومكانًا تتقدَّم فيه الموهبة قبل الإمكانات. وهنا تتحوَّل عناصر الإنتاج نفسها إلى ستار يحجب تلك الموهبة.
ولهذا، فإن فيلم «ضياء شمسي» للمخرجة لمى جركس يقف على الطرف المقابل من هذه المعادلة. فهو صُنع بتعاون طلابي، لا تتجاوز ميزانيته 5000 ريال (أقل من ألفَي دولار)، لكنه يقوم على ما هو أكثر جوهرية من أي وفرة إنتاجية. يقوم على شغف خالص وانشغال حقيقي بالسينما، ممّا يجعل الموهبة مركز المشروع كلّه. ومن هنا تنطلق الصورة من أبسط سؤال يمكن أن تطرحه السينما القصيرة: ماذا يمكن أن تفعل (الصورة) حين تُترك للمخرج وحده من دون ستار العناصر الإنتاجية؟
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«على الأرض»… عزلة الذات في فيلم قصير

مائدة طويلة يجلس حولها برجوازيون، وفي مقدّمتها رجل يلعب الشطرنج. بيدق أسود يزيح آخر أبيض، فيسقط البيدق في المياه، فيما تلاحقه السيدة المجهولة بلا أمل، لتنتهي ضائعة ووحيدة خارج حدود القصر.
يؤكد المشهد السابق من الفيلم القصير «على الأرض» الصادر عام 1944 للمخرجة الأميركية مايا ديرين محض نزعة ذاتية وأصيلة في سينماها. لم تقتصر طليعيتها على كونها صوتًا أنثويًا متفرّدًا ومغايرًا في صناعة لم تُحبّذ وجود النساء منذ نشأتها وحتى وقت قريب، فالمدرسة السريالية نفسها، التي انتمت إليها ديرين بأعمالها، كانت آنذاك زاخرة وتحتفي بأعمال لويس بونويل وجان كوكتو، على سبيل المثال. وفي المقابل، يلحظ تهميش طليعية تجربة جيرمين دولاك وإسهامها في السينما السريالية، والتي سبقت تجربة بونويل، فضلًا عن عدم نيل الفرنسية أليس غي بلاشيه الاعتراف المستحق بريادتها في السينما الروائية، لمصلحة دي دابليو غريفيث.
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«انصراف».. قراءة في مشروع سينمائي يتشكل

قبل ثلاثة أعوام شاركت المخرجة السعودية الشابة جواهر العامري ضمن مجموعة من خمس مخرجات سعوديات شابات بفيلمهن «بلوغ» وذلك في افتتاح مسابقة «آفاق السينما العربية» ضمن فعاليات الدورة الـ43 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومرة أخرى تعود المخرجة الشابة إلى شاشة المهرجان الكبير مشاركة بفيلمها القصير «انصراف» (14 ق) ضمن مسابقة «سينما الغد للأفلام القصيرة» بالدورة الـ45 للمهرجان.
يمكن القول إن لدى جواهر ملامح مشروع سينمائي يتشكل على مهل، بالتجربة والمحاولة، وخوض المغامرة، في بلوغ المكون من خمسة أفلام قصيرة جدا، كان فيلمها يتحدث عن فتاة في العاشرة من عمرها تواجه أسئلة العالم الكبير الذي يتحدث عما ينتظرها عند تحولها من طفلة إلى امرأة فسيولوجيا، تعليقات ضخمة فوق طاقتها الاستيعابية تهيئ وجدانها الغض لما ينتظرها من (معاناة) و(مسؤولية) و(هم) شهري أو حياتي طول المدى!
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«أحلى من الأرض».. ضحايا غرف الملابس المحكومون بالتعاسة

هل سألت نفسك مرة عن سر التباين الشديد بين حضور ثقافة المثلية الجنسية بالغ الاتساع في عالم الفنون، وحضورها المحدود جدًا في عالم الرياضة؟ منطقيًا، وبغض النظر عن موقفك من الميول الجنسية المغايرة، فهناك نسبة ما منها موجودة في كل المجتمعات البشرية على اختلافها، فلماذا نشاهد عشرات الأفلام والمسلسلات ونرى ممثلين ومغنين ومخرجين يتحدثون عن ميولهم الجنسية بانفتاح، بينما لا تكاد الذاكرة تستدعي عدد أصابع اليد من رياضيين أعلنوا ميولًا مغايرة؟ حتى داخل الدوريات الأوروبية التي صارت تحتفل رسميًا بشكل سنوي بالأعياد المخصصة لتلك القضايا؟
كلمة السر وراء الاختلاف هي المجتمع المغلق، غرفة الملابس كما يُفضل الرياضيون وصفها، المساحة المشتركة الإجبارية التي تمتلك قواعدًا خاصة. قواعد لم يتناولها فيلم بذكاء خلال الأعوام الأخيرة كما فعل الفيلم القصير «أحلى من الأرض» للمخرج شريف البنداري، والذي نال مؤخرًا جائزة التانيت الفضي لأيام قرطاج السينمائية.
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«الدّنيا حفلة».. الجنون طريقًا للتصالح مع الذّات

ينطلق «الدنيا حفلة»، الفيلم القصير للمخرج السعودي رائد السماري، الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «صن دانس» Sundance، بإيقاع سريع وحكي مختزل وكأنّه يسابق الزمن ليضع دنيا، شخصيته الرئيسية، في مأزق يعصف بتوازنها ويدفعها لمساءلة وجودية لاختياراتها في الحياة.
بعد مقدمة قصيرة، تُظهر الخادمة ماريا وهي تهرع لإخبار عبدو، المنهمك بالحفر خارج فيلاـ مزرعة تقع في ضواحي الرياض، بأن عليه الفرار معهم فورًا لأن «سيّدتهم فقدت صوابها». يستقلّ الخدم جميعهم شاحنة ويفرّون وكأن الموت يطاردهم.
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«إبراهيم»… يوم لا تجري من تحته الأنهار

يحمل الفيلم العراقي القصير «إبراهيم» الحاصل على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة أجيال بمهرجان برلين خلال الدورة ال 75- عنوان ملفت وجذاب باللغة الأنجليزية Beneath Which Rivers Flow وترجمته (تجري من تحتها الأنهار) وهي آيه قرآنية معروفة عن محاولة تقريب صورة مادية للجنة كما ترد في التصور الإسلامي.
ربما كان من الصعب في اطار الحساسية الدينية الحالية، خصوصًا عقب سنوات داعش وما شابهها أن يستعير مخرج عربي من النص القرآني عنوانًا لفيلمه. كان يمكن لهذا الاختيار أن يوضع في إطار التلقي المتوازن والواعي قبل أربعة عقود من اشتعال الشرق الأوسط بنيران «الصحوات» و«الجهاد» و«الدواعش»، على سبيل المثال فهناك أكثر من فيلم ضمن قوائم إنتاجات السينما المصرية تحمل عناوين مأخوذة من آيات قرآنية، تحولت مع الوقت إلى حكمة يومية تجري على ألسنة الناس في حديثهم اليومي، مثل: إن «كيدهن عظيم» من بطولة حسين فهمي وعفاف شعيب و«بالوالدين إحسانا» من بطولة فريد شوقي.
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«إن شالله الدنيا تتهد».. عن واقع تحكمه الأقنعة ومنظومة استهلاكية تبتلع الجميع

لا تحظى الأفلام القصيرة عادةً بالاهتمام الجماهيري الكافي، إذ غالبًا ما تُحصر داخل إطار ضيق يُعرف بـ«أفلام المهرجانات»، تلك التي يُنظر إليها على أنها نخبوية، موجهة لنقّاد وصنّاع أفلام يتهامسون داخل أروقة مغلقة، بلغة سينمائية يصعب على المشاهد العادي الانخراط فيها. جمهور المنصات عادةً يبحث عن السريع، المفهوم، والمباشر، ولهذا نادرًا ما يجد فيلم قصير طريقه إلى شاشته، إلا في حالات قليلة: أن يكون مثيرًا للجدل، أو متجاوزًا لقيود الرقابة، ما يمنحه فرصة استثنائية للعرض عبر إحدى منصات البث التدفقي.
لكن، ماذا لو كُسرت هذه الصورة النمطية؟ ماذا لو خرج فيلم قصير من قاعة المهرجانات إلى شاشة المشاهد في بيته؟ هل سيلقى الاهتمام نفسه؟
هي مغامرة جريئة قرر المخرج كريم شعبان خوضها، حين أعلن في منشور على حساباته الرسمية، بتاريخ 1 يوليو، عن إتاحة فيلمه القصير «إن شالله الدنيا تتهد» على منصة يوتيوب مجانًا. خطوة لاقت دهشة وفرح جمهور الأفلام القصيرة، خصوصًا أن من النادر إتاحة فيلم «مهرجاناتي»، على حد وصفهم، على أي منصة مفتوحة، فكيف إذا كانت مجانية مثل يوتيوب؟
لقراءة المراجعة كاملة من هنا
«آخر المعجزات»… حين يختلق الإنسان إيمانه لينجو

فيلم «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، الذي عُرض ضمن الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2025، لا يمكن التعامل معه بوصفه فيلمًا قصيرًا بالمعنى التقليدي للزمن أو الحكاية، بل بوصفه حالة سينمائية مكتملة، أقرب إلى تجربة روحية منها إلى سرد درامي مغلق. هو فيلم لا يستعجل الوصول، ولا يلهث خلف حبكة، بل يترك المشاهد يتوه عمدًا، كأنّ التوهان نفسه جزء من المعنى، أو شرط أساسي لاكتمال الرحلة.
يضعنا عبد الوهاب شوقي داخل حالة ملتبسة بين الفانتازيا والواقعية؛ حانة تبدو كأنها مركز الكون، وكأنّ الحياة بكلّ دورانها وتناقضاتها تحدث هنا فقط. المكان يُقدَّم بوصفه نقطة انتماء للشخصية، مساحة مألوفة توحي بالاستقرار، بل بنوع من الألفة الزائفة التي تجعلنا نصدّق أنّ هذه هي حياة البطل الحقيقية. لكن مع تقدّم الزمن السينمائي، يتكشَّف هذا الوهم تدريجيًا؛ فالشخصية لا تنتمي إلى المكان بقدر ما تختبئ داخله، وكأنّ الحانة ليست موطنًا بل محطة مؤقّتة وقناع يُخفي اغترابًا أعمق. هذا الالتباس المقصود بين الحقيقي والمتخيَّل لا يعمل فقط على مستوى الصورة، بل يؤسِّس منذ البداية لفكرة الفيلم الأساسية، وهي أنّ ما نراه واقعًا قد لا يكون سوى إسقاط لرغبة في الثبات، بينما الحقيقة أبعد، وأكثر هشاشة، وأقرب إلى التيه الذي ستقودنا إليه الرحلة لاحقًا.
لقراءة المراجعة كاملة من هنا