في بداية السبعينات، ومع دخول جيل جديد من المخرجين إلى صناعة السينما المصرية، تجلَّى اتجاه أيديولوجي مغاير للموجة السائدة آنذاك. فعلى النقيض من أفلام مثل «أميرة حبي أنا» و«خلّي بالك من زوزو»، التي صُنعت خصيصًا لتناسي مرارة النكسة عبر خطاب صريح مفاده أنّ «الحياة بقى لونها بمبي»، ظهر اتجاه آخر يندّد بتلك النبرة الإنكارية، ويعود للتأكيد على الهزيمة والتنقيب في أسبابها.
أفلام مثل «على من نطلق الرصاص» و«المذنبون» و«زائر الفجر» اتفقت ضمنيًا على تيمة بعينها هي «البحث والتحقيق»، كما اتفقت، وربما بشكل غير واعٍ، على الإدانة بكونها نتيجة حتمية. إدانة مَن بالتحديد؟
ربما لا أحد، وربما الجميع.

وبالنسبة إلى أفلام مثل «على من نطلق الرصاص» و«المذنبون»، لم يكن صدورها مفاجئًا من جانب صُنّاعها. فكمال الشيخ، منذ بداياته في الخمسينات، كان قد تمرَّس في النوار السياسي، كما اتّضح مبكرًا هوس سعيد مرزوق بثلاثية الجريمة والجنس والسياسة. أما «زائر الفجر»، وهو الفيلم الذي سبق هذه الأعمال في الصدور، فقد كان بمثابة شهادة ميلاد مخرج جديد وواعد هو ممدوح شكري، وللمفارقة كان أيضًا السبب الرئيسي في وفاته.
مخرج جديد يتلقّى الدعم
بالنظر إلى طاقم عمل فيلم «زائر الفجر»، بداية من الممثلين شكري سرحان، وتحية كاريوكا، وزيزي مصطفى، ومديحة كامل، وماجدة الخطيب، وعزت العلايلي، ويوسف شعبان، وحلمي هلال، وسعيد صالح، ومرورًا بالكاتب والناقد رفيق الصبان، والمصوّر رمسيس مرزوق، والمونتير أحمد متولي، يتبدَّى للوهلة الأولى أنّ العمل لمخرج من الصف الأول. لكنّ المفاجأة أنّ الفيلم هو العمل الأول لمخرجه.
لم يكن ذلك مصادفة. فممدوح شكري كان ضمن الدفعة الأولى التي تخرَّجت في معهد السينما إلى جانب مدكور ثابت وناجي رياض. كما أنّ موضوع الفيلم كان محمِّسًا وجريئًا في ذلك الوقت، خصوصًا أنه لامس أحد أهم هواجس المثقفين المصريين بعد نكسة 1967.
تحمَّست ماجدة الخطيب لإنتاجه، وهي التي عُرفت لاحقًا بامتلاكها نظرة ثاقبة وعقلًا منفتحًا. فعلى سبيل المثال، دعمت أيضًا فيلم خيري بشارة الروائي الأول «العوامة 70»، الذي يُشار إليه على أنه الفيلم الذي افتتح موجة أفلام «الواقعيين الجدد». وكان حينها عملًا مختلفًا وجديدًا تمامًا، بما جعله مغامرة إنتاجية حقيقية.

الاغتيال المعنوي سببًا كافيًا لوفاة نادية شريف
يبدأ «زائر الفجر» بالبحث في أسباب وفاة الصحافية نادية شريف (ماجدة الخطيب)، التي يبدو للوهلة الأولى أنها قُتلت. لكن تحقيقات النيابة تكشف عن أنها اعتُقلت في الماضي بسبب أنشطتها السياسية. ويبدأ وكيل النيابة حسن الوكيل (عزت العلايلي) تقصّي علاقات نادية ومعارفها وزملائها وسياقات عملها وتاريخها، أملًا في معرفة هوية القاتل.
على مدار الفيلم تتّضح العلاقة الملتبسة لنادية مع محيطها؛ علاقات متوترة، ووصم اجتماعي واضح، وتواطؤ يثير الدهشة. ومع التدقيق في أسباب التشكيك في سمعة نادية، يتبيَّن أنّ الأمر مرتبط ارتباطًا وثيقًا باعتقالها السابق. وهنا يلمّح ممدوح شكري إلى طبيعة مجتمع يتواطأ بطبعه ضدّ الضحية.

في مثل هذا المجتمع لا تكون السلطة الغاشمة وحدها هي المدانة، بل تتسع دائرة الإدانة لتشمل المجتمع نفسه بمختلف طبقاته. يتجلّى ذلك في المعضلة التي يكشفها الفيلم في نهايته، حين يتّضح أن السبب الحقيقي لوفاة نادية كان مجرّد أزمة قلبية، وأنه لا وجود لقاتل.
هنا يصبح الجميع متواطئًا، في ما يشبه اتفاقًا ضمنيًا على اغتيال نادية شريف معنويًا. وبذلك لا تُدان السلطة وحدها، وربما تكون هذه النقطة إحدى أبرز لحظات النبوغ في الفيلم. فالسلطة، وإن كانت السبب الرئيسي في تعرُّض نادية للأذى في الماضي نتيجة اعتقالها وترسيخ الخوف داخلها، يشير الفيلم أيضًا إلى احتمال كان ممكنًا؛ أن يتقبلها المجتمع.
لكن العكس هو ما حدث. فقد تعرَّضت نادية للنبذ والوصم والتهميش المجتمعي، وهو ما كان كفيلًا بتدميرها من الداخل. نراها تموت وحيدة، باحثة عن الحب والتقبُّل، بقلب معطوب وذاكرة مثقلة بماضٍ موحش في المعتقل، حيث تغلغل الخوف داخلها. كان طبيعيًا أن ينتهي الأمر بمأساة، ليصبح الجميع مدانًا، مشاركًا في موتها… ولكن بأيادٍ بيضاء.

ولا يمكن تناول طرح ممدوح شكري في الفيلم بمعزل عن سياقه التاريخي. ففي العمل إشارة واضحة إلى أنّ الجميع كان مشاركًا في النكسة. ويتجلَّى ذلك في اللقطة الأخيرة، حين يسأل وكيل النيابة سعاد، رفيقة نادية، مستنكرًا: «مبلغتيش البوليس ليه؟»
فتجيبه: «ومين المجرم اللي أبلغ عنه؟»
ينظر سامح ووكيل النيابة بعدها إلى القاهرة، التي تظهر في لقطة عامة واسعة من أعلى، في اتهام صريح للجميع بالمشاركة في الهزيمة.

«زائر الفجر»… وأمر بالمنع المباشر
بعد تقديم الفيلم إلى الرقابة عام 1973، مُنع من العرض بأمر مباشر من الرئيس أنور السادات. ويُذكر على الهامش أنّ الرقابة لم تشاهد الفيلم أصلًا، بل اكتفت بالمنع بسبب حساسية الموضوع.
فـ«زوار الفجر» كانت تسمية شائعة لأولئك الرجال الذين كانوا ينفذون الاعتقالات التعسّفية، والتي غالبًا ما كانت تحدث قبيل الفجر وتستهدف المثقفين والمعارضين. ومن الطبيعي أن يُعدّ طرح موضوع مثل هذا غير مناسب في ذلك الوقت، لأنه لا يتماشى مع «النغمة» السائدة آنذاك.
أدّى منع الفيلم إلى إصابة المخرج ممدوح شكري باكتئاب حاد، انتهى بوفاته عام 1973. وهكذا أصبح «زائر الفجر» الفيلم الوحيد الذي اغتال صاحبه فعلًا.
ولم يُعرض الفيلم للجمهور إلا بعد ذلك بعامين، وبعد حذف عدد كبير من مَشاهده.
اقرأ أيضا: تحفة يتيمة… الفيلم الأول والأخير