في اليوم الثاني من فعاليات مؤتمر النقد السينمائي الدولي بالرياض، انطلقت جلسة بعنوان «السينما والمكان» قدمها الباحث والناقد عبيد التميمي، وضمّت ثلاثة عروض تقديمية تناولت دور المكان في السينما من منظور نقدي عالمي. شارك في الجلسة الباحث الكازاخي باوبك نوجربك، والناقد البرتغالي باولو بورتغال، ومخرجة الرسوم المتحركة ولاء سندي، في مداخلات تباينت من حيث المنهج والرؤية لكنها اتفقت على نقطة جوهرية واحدة: أن المكان في السينما لم يعد مجرد خلفية للحكاية، بل أصبح عنصرًا مفاهيميًا وجماليًا وثقافيًا، يحمل ذاكرة ويعيد تشكيل الهوية.
افتتح التميمي الجلسة بالتأكيد على أن التفكير في المكان هو التفكير في طبيعة الصورة نفسها، قائلًا إن «المكان ليس مجرد فضاء تتحرك فيه الشخصيات، بل هو كائن سردي حي يشارك في بناء المعنى». مشيرًا إلى أن السينما المعاصرة تعاملت مع المكان بوصفه وثيقة تاريخية، مساحة للحنين، رمزاً للهوية، أو حتى فضاءً رقميًا جديدًا. وأضاف: «العلاقة بين الإنسان والمكان تتجاوز الجغرافيا لتصبح وجدانية ونفسية وسياسية في آن واحد».
في مداخلته، قدم نوجربك السينما الكازاخية كأرشيف بصري للذاكرة المكانية، مستعرضًا تحولات السينما بعد استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفياتي، وكيف ساعدت الصورة على إعادة كتابة التاريخ الوطني الغائب. وأوضح أن المخرجين الكازاخ يستخدمون الريف والصحراء كرمز للهوية والذاكرة الجماعية، بينما تمثل المدينة الحداثة. وأكد: «حين نصور المكان، نحن لا نحفظ ملامحه فقط، بل نحفظ الطريقة التي نظر بها الناس إليه، وهذا هو جوهر الذاكرة البصرية».

أما باولو بورتغال فقدم رؤية مختلفة، مع التركيز على المكان من منظور المهرجانات السينمائية، موضحًا أنها أصبحت فضاءات ثقافية تُعيد تشكيل ذاكرة جماعية للسينما، موضحًا: «كل مهرجان هو مكان رمزي يعيد تعريف علاقة الجمهور بالصورة. المدن التي تحتضن السينما لم تعد تُعرف بجغرافيتها فقط، بل بالصورة التي تتركها في ذاكرة الجمهور العالمي».
فيما قدمت ولاء سندي رؤية فنية من خلال الرسوم المتحركة، حيث اعتبرت أن الفضاءات المرسومة تتحول إلى كيانات رمزية تعبّر عن ثقافة الشعوب وذاكرتها الجمعية، حيث قالت: «الرسوم المتحركة تمنح المخرج حرية خلق عالمه الخاص، حيث يصبح المكان عنصرًا دراميًا فاعلًا، لا مجرد خلفية».
كما استعرضت أمثلة لأفلام مثل Spirited Away وThe Lion King وInside Out، موضحة كيف يمكن للمكان أن يحوّل الذاكرة والمشاعر إلى فضاء سردي حي، وأشارت إلى أن المستقبل التقني للسينما المتحركة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، سيحوّل العلاقة بين المكان والمشاهد إلى علاقة تفاعلية جديدة، حيث يصبح المشاهد جزءًا من الفضاء السينمائي.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن المكان السينمائي لم يعد ثابتًا، بل أصبح كيانًا حيًّا ومتغيرًا، يستجيب للحركة البشرية والخيارات اللحظية، ما يفرض على النقد إعادة تعريف مفاهيم المشهد والديكور والزمن في السينما الحديثة.