فاصلة

مقالات

رأفت الميهي: فن التعامل مع «قرف» الحياة

Reading Time: 4 minutes

«الحياة مقرفة جدًا يا عبد الجبار، والغريبة إنك لو رفضتها عشان مقرفة، هتبقى مقرفة أكتر.»

يمكن النظر إلى هذه الجملة الحوارية من فيلم «الأفوكاتو» (1984) باعتبارها مدخلًا لفهم تجربة المخرج والمؤلف المصري الراحل رأفت الميهي.

ترك الميهي إرثًا مهمًا من الأفلام التي شكّلت محطة أساسية في تاريخ السينما المصرية؛ إذ حجزت أربعة من أفلامه الكوميدية (الأفوكاتو، السادة الرجال، سيداتي أنساتي، سمك لبن تمر هندي) مواقع متقدمة في قائمة أهم الأفلام الكوميدية المصرية التي أُعلن عنها في مهرجان الإسكندرية عام 2022، فيما نالت ثلاثة من أعماله الجادة (للحب قصة أخيرة مخرجًا ومؤلفًا، على من نطلق الرصاص مؤلفًا، والأفوكاتو) مواقع بارزة في قائمة أهم مئة فيلم مصري، التي أعلنها مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996 في مئوية السينما المصرية.

السينما كخلاص فردي… قراءة في تجربة رأفت الميهي
فيلم الأفوكاتو (1984)

كثيرة هي التحليلات والمقالات التي تناولت هذه القدرة التي امتلكها الميهي في الانتقال من أقصى الجدية إلى الهزل الصارخ. ما نحاول الإشارة إليه هنا ليس تكرار ذلك، بل التوقف أمام نزعة العدمية التي ميّزت سينماه: كيف ظهرت؟ وكيف يمكن إعادة قراءتها اليوم؟

جماعة السينما الجديدة

في عام 1968 نشبت مظاهرات طلابية اجتاحت العالم بحثًا عن الحرية ورفضًا لحرب فيتنام، وازدادت الأصوات اليسارية قوة في شتى بقاع الأرض وقتئذ، فخرجت حركة سينمائية فرنسية قادها فرانسوا تروفو وجون لوك جودار، أفضت إلى توقف فعاليات مهرجان كانّ السينمائي، أما في مصر فدشّن مجموعة من صناع السينما والنقاد بيانًا تأسيسيًا لجماعة السينما الجديدة.

ضمّت كلًّا من: رأفت الميهي، وعلي بدرخان، ومحمد راضي، وإبراهيم الموجي، وسامي السلاموني، وسمير فريد وآخرين. وسيطر أيضًا الهوى اليساري على هذه الجماعة، ليصنعوا فيلمهم الأول أغنية على الممر عام 1972.

لم تكن تلك الجماعة مهتمة بالثورة على السينما المصرية التقليدية وما أسموه بـ«نظام النجوم» فقط، لكنهم كانوا متأثرين بلا شك بنكسة 1967، فكانوا غاضبين من النظام ومن السينما، ويريدون صناعة أفلام تُغيّر النظام والمجتمع وربما العالم كله. لم تستمر مغامرة جماعة السينما الجديدة طويلًا، لكنها تصلح دون شك للتعرف على خلفية الميهي وأفكاره خلال فترة الشباب، حيث لم يكن قد تجاوز الـ28 عامًا حينها.

السينما كخلاص فردي… قراءة في تجربة رأفت الميهي
غروب وشروق (1970)

الحل الفردي

في السبعينات بدأ الميهي تعاونه الأهم كمؤلف مع مخرج من جيل مختلف تمامًا، نقصد هنا بالطبع كمال الشيخ. صنع معه أفلامًا بوليسية سياسية مليئة بالجريمة والتشويق، مثل «غروب وشروق» و«شيء في صدري»، وأخيرًا «على من نطلق الرصاص».

في «على من نطلق الرصاص» يظهر بداية افتتان الميهي بالحل الفردي: لم ننجح في تغيير النظام والمجتمع والعالم، لا مكان للعدالة، لذا هيا لنطبقها بأيدينا. هكذا يظهر بطل الحكاية في هذا الفيلم.

عيون لا تنام (1981)
عيون لا تنام (1981)

مع بداية الثمانينات يصنع الميهي فيلمه الأول كمخرج «عيون لا تنام»، وفيه يميل إلى فكرة الحل الفردي. يسيطر إبراهيم، الأخ الأكبر العنيف والظالم، على ورشة السيارات الخاصة بالعائلة، ويتزوج شابة صغيرة، وحينما يخبره الطبيب في النهاية أنه إما أن ينقذ حياتها أو ينقذ حياة الجنين، يفضّل إبراهيم حياة الوريث بالطبع. حينها يقرر الأخ الأصغر «إسماعيل» تطبيق العدالة مرة أخرى بيده وبشكل فردي، ويقتل الأخ الأكبر.

بغض النظر عن البعد الديني في اسمَي إبراهيم وإسماعيل، يبدو الفيلم استكمالًا لمرحلة ولع الميهي بالحل الفردي الدموي، مرحلة تعبر دون شك عن فقدان الأمل في الحل الجماعي.

وصل فيلم «عيون لا تنام» إلى دور العرض المصرية في 6 أكتوبر 1981، وفي اليوم نفسه تم قتل أخ كبير آخر، إذ اغتيل الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

السينما كخلاص فردي… قراءة في تجربة رأفت الميهي
فيلم الأفوكاتو (1984)

المقاومة الوحيدة الممكنة

«أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم أو تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد.»

كلمات ميلان كونديرا الخالدة في روايته حفلة التفاهة تبدو متطابقة مع ما يعبر عنه «حسن سبانخ» بطل فيلم «الأفوكاتو».

في فيلمه الثاني «الأفوكاتو» كمخرج مؤلف، يظهر الميهي بشكل مغاير تمامًا، يتخلى عن جديته، عن رغبته في تغيير العالم، وكذلك عن ولعه بالحل الفردي الدموي. تصبح المقاومة الوحيدة هي عدم أخذ هذا العالم على محمل الجد، والسخرية منه بدلًا من ذلك.

يعبر سبانخ عن عدمية شديدة على المستوى الفكري، يخبرنا أن الحلول العلمية لا معنى لها في مجتمع غير علمي، والحلول الأخلاقية لن تجلب شيئًا في عالم غير أخلاقي. فكريًا يدرك سبانخ أن العالم مكان سيئ وفاسد، لكن على المستوى السلوكي فهو مؤمن تمامًا بالفلسفة الوجودية، يريد أن يحيا حياته الطبيعية وأن يستمتع بكل شيء.

السينما كخلاص فردي… قراءة في تجربة رأفت الميهي
سمك لبن تمر هندي (1988)

تستمر مقاومة الميهي الساخرة في الثلاثية التي صنعها رفقة محمود عبد العزيز: (السادة الرجال، سيداتي أنساتي، وسمك لبن تمر هندي).

في «سمك لبن تمر هندي» نرى مشهدًا أيقونيًا لبطل الحكاية، أحمد سبانخ مع أبيه. يعرض سبانخ الصغير على أبيه شهادته الابتدائية، ثم الإعدادية، فيخبره الأب بأنه حصل على درجات جيدة، يمكن الآن الانتقال إلى المرحلة التالية. هنا نرى أحمد سبانخ وهو يجري في مكانه، تتسارع أنفاسه، يسأله الأب: ماذا تفعل؟ فيجيب بأنه يذاكر في الثانوية حتى يصل إلى الجامعة، ويذاكر في الجامعة حتى يجد وظيفة جيدة، ويجتهد في الوظيفة حتى يتمكن من الترقي، ويبحث عن عمل ثانٍ بعد الظهر حتى يمكنه إيجاد مسكن والزواج. ثم حينما تتسارع أنفاسه تمامًا يكرر: «تعبت يا أبي، ومفيش فايدة، مفيش حاجة بتحصل.»

خلف السخرية العبثية اللاهية داخل «سمك لبن تمر هندي»  يسائل الميهي حياتنا كبشر: ماذا يفيد كل هذا اللهاث وراء التعليم والوظيفة والمال؟ ماذا نريد؟ وماذا يفيد كل هذا؟

حينما ننظر إلى عالم الميهي السينمائي بعد كل هذه السنين، ندرك أن سخريته لم تكن فقط من فقدان الأمل في التغيير السياسي والاجتماعي، ولكنها أيضًا نتيجة حزن عميق مرتبط بماهيتنا كبشر.

اقرأ أيضا: يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب

شارك هذا المنشور