في الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، «برليناله»، تحضر السينما العربية بوزنٍ لافت، لا لجهة عدد الأعمال المشاركة فحسب، وأيضًا لجهة تنوّع الأقسام التي تتوزّع عليها، والموضوعات التي تشتبك مع أسئلة الذاكرة، والهوية، والسياسة، والعاطفة، وتحولات المجتمعات العربية عبر العقود.
يأتي هذا الحضور في لحظة عالمية مضطربة، تتقاطع فيها السينما مع الواقع بوصفها أداة مساءلة وتوثيق وتخيّل بديل. فالأفلام العربية المشاركة هذا العام لا تكتفي بسرد حكايات فردية، إذ تنفتح على تجارب جماعية، ومساحات جغرافية متوترة، من المخيمات المُحاصَرة إلى المدن المثقلة بالأزمات، وصولًا إلى استعادة أرشيف سينمائي منسيّ.
وتتوزّع هذه الأعمال على أقسام رئيسية مثل المسابقة الرسمية، و«بانوراما»، و«المنتدى»، و«المنتدى المستمر»، وبرنامج «الكلاسيكيات»، إضافةً إلى مسابقة الأفلام القصيرة، بما يعكس تعددية الأشكال والأساليب، من الروائي الطويل والوثائقي، إلى التجريبي والقصير، وإعادة تقديم أفلام كلاسيكية بوصفها جزءًا من الذاكرة السينمائية العالمية.
وفي الآتي، العناوين العربية المؤكَّدة حتى الآن من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجميعها تشهد عروضها العالمية الأولى في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026، مع تقديم تفصيلي لكلّ فيلم وفق المعلومات المُعلنة.

«بيت الحس» (In a Whisper)
يشارك الفيلم التونسي «بيت الحس» للمخرجة ليلى بوزيد ضمن المسابقة الرسمية للدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي، في حضور يؤكّد استمرار السينما التونسية على الساحة الدولية. الفيلم من بطولة آية بوترعة، هيام عباس، ماريون باربو، وفريال شمّاري.
تدور أحداثه حول ليلى، التي تعود إلى تونس لحضور جنازة عمّها، لتصطدم بعائلة تجهل حياتها في باريس وتفاصيل علاقتها العاطفية. ومع مواجهة الصمت العائلي والأسئلة المؤجّلة، تنخرط ليلى في رحلة لكشف لغز الوفاة المفاجئة، إذ يتقاطع الحداد مع البحث عن الحقيقة والذات، في عمل يتناول العلاقات العائلية والهويات الممزقة بين الداخل والخارج.

«الخلاص» (Salvation)
يشارك فيلم «الخلاص» للمخرج التركي أمين ألبير ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي. العمل تركي، لكنه إنتاج مشترك لدول عدّة، من بينها المملكة العربية السعودية، عبر دعم مؤسسة البحر الأحمر السينمائي.
تدور الأحداث في قرية نائية مع عودة عشيرة منفية إلى أرضها، مما يعيد إشعال نزاع قديم على الملكية يمتدّ لعقود. وبين رؤى إلهية تستولي عليه، يتحدّى مسعود قيادة شقيقه، ساعيًا إلى إنقاذ قومه، في مسار يفتح أسئلة حول معنى الخلاص، وهل يقود إلى النجاة أم إلى المأساة؟ البطولة لجانير جيندوروك، بيركاي أتيش، فياز دومان، ناز غوكتان، وأوزلم تاش. وهو إنتاج مشترك بين تركيا، فرنسا، هولندا، اليونان، السويد، والمملكة العربية السعودية.

«لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)
يفتتح فيلم «لمن يجرؤ» للمخرجة دانيال عربيد قسم «بانوراما» ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي 2026، حيث يشهد عرضه العالمي الأول. الفيلم من بطولة هيام عباس إلى جانب أمين بن رشيد، وهو إنتاج مشترك بين فرنسا ولبنان وقطر.
تدور الأحداث في بيروت المثقلة بالأزمات، حيث تنشأ علاقة حبّ غير متوقَّعة بين عثمان، شاب سوداني بلا أوراق رسمية يسعى إلى مستقبل أفضل، وسوزان، أرملة من أصول فلسطينية تكبره بأكثر من ضعف عمره. من خلال هذه العلاقة، يستكشف الفيلم قضايا الهوية والمنفى والحبّ في مواجهة واقع قاسٍ، ويمزج بين السياسة وحكاية شخصية تتشكّل على هامش المدينة.

«خروج آمن» (Safe Exit)
يشهد فيلم «خروج آمن» عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «بانوراما» في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026. يُعدّ العمل ثاني الأفلام الروائية الطويلة للمخرج المصري محمد حمّاد بعد فيلمه «أخضر يابس»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان لوكارنو السينمائي، ونال عنه جائزة أفضل مخرج في مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2016.
الفيلم من بطولة مروان وليد، نهى فؤاد، وحازم عصام، وهو إنتاج مشترك بين مصر، ليبيا، تونس، قطر، وألمانيا. ينتمي «خروج آمن» إلى فئة التشويق النفسي، ويتناول قصة «سمعان»، حارس أمن شاب في القاهرة، تطارده ذكرى مقتل والديه في أحداث عنف ديني وعرقي وقعت قبل عشرة أعوام. عبر بنية إثارية متوترة، يستكشف محمد حمّاد صدمة الأجيال والظلال الطويلة لصراعات لم تُحلّ، واضعًا بطله في مواجهة ماضٍ لا يكفّ عن العودة.

«يومًا ما ولد» (Someday a Child)
يشارك الفيلم اللبناني القصير «يومًا ما ولد» في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026، مسجّلًا عرضه العالمي الأول. الفيلم من إخراج ماري روز أسطا، وبمشاركة خالد حسن وأنطوان ضاهر، وهو إنتاج مشترك بين فرنسا، رومانيا، ولبنان.
تدور أحداثه حول طفل يمتلك قوى استثنائية ويعيش مع خاله في قرية لبنانية تتعرّض لهجمات جوية متواصلة، حيث يتحوّل هدير الطائرات الحربية إلى جزء من المشهد اليومي. وبين محاولة الخال تطويعه داخل قالب «الطبيعي» وتصاعد قدرات الطفل على نحو يستحيل احتواؤه، يبني الفيلم سردية تمزج الخيال بالواقع السياسي، مختبرًا معنى الاختلاف والقدرة في سياق مضطرب.

«وقائع زمن الحصار» (Chronicles from the Siege)
يشهد الفيلم الجزائري–الفلسطيني «وقائع زمن الحصار» عرضه العالمي الأول ضمن الاختيار الرسمي لمهرجان برلين السينمائي الدولي «برليناله»، في مسابقة وجهات نظر «Perspectives». الفيلم من إخراج السينمائي الفلسطيني عبد الله الخطيب، وبطولة عماد عزمي، سجى كيلاني، إيدير بن عيبوش، حياة أبو سمرة، حمزة محادين، وأحمد زيتوني.
تدور الأحداث داخل مخيم لاجئين فلسطينيين تحت الحصار، حيث تنقلب تفاصيل الحياة اليومية في ظل العزلة وندرة الموارد، وتُفرض على الشخصيات اختيارات قاسية تتقاطع فيها ضرورات البقاء مع القيم الإنسانية. عبر عمل جماعي يتتبع مصائر أناس عاديين، يرصد الخطيب حدود الانهيار الأخلاقي والعاطفي، ويحوّل الحصار إلى تجربة وجودية يصبح فيها البقاء مسألة إيمان بقدر ما هو مسألة صمود.

«الجانب الآخر من الشمس» (The Other Side of the Sun)
يشارك فيلم «الجانب الآخر من الشمس» للمخرج توفيق صابوني ضمن اختيارات برنامج «بانوراما» في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026، حيث يشهد عرضه العالمي الأول. الفيلم عمل وثائقي مدعوم من صندوق البحر الأحمر.
يستعيد الفيلم شهادات خمسة ناجين يعودون إلى سجن صيدنايا، أحد أكثر السجون السورية قسوة، لإعادة تمثيل تجارب اعتقالهم. في أول أفلامه الوثائقية، يعيد المخرج البلجيكي–السوري توفيق صابوني الناجين إلى مكان التعذيب بعد سقوط حكومة بشار الأسد، محوّلًا الشهادة إلى فعل سينمائي، والمكان إلى مساحة للذاكرة والمساءلة، نيابةً عمّن غُيّبوا أو أُسكتوا.

«عندما تستمع إلى هذه الأغنية» (When You Listen to This Song)
في عرض خاص ضمن قسم «المنتدى»، تعيد المخرجة منى أشاش والكاتبة لولا لافون تخيّل شخصية آن فرانك من خلال مونتاج جريء يتجاوز الكليشيهات. يقدّم العمل قراءة جديدة وغير تقليدية لإرث آن فرانك وسيرتها، متحرّرًا من الصور النمطية، ومقاربًا الذاكرة بوصفها مادة حيّة قابلة لإعادة التفكيك والتأويل.

«سراب» (Mirage)
بعد عثوره على رزمة من المال، يتوجّه قروي فقير إلى المدينة حيث يلتقي بآخرين يطاردون حلم حياة أفضل. يُعرض هذا الفيلم المغربي الكلاسيكي للمخرج أحمد بوعناني ضمن برنامج «Berlinale Classics» في مهرجان برلين السينمائي، في إعادة تقديم لعمل يُعدّ من العلامات البارزة في تاريخ السينما المغربية.

«انتزاع الكهرمان» (The Dislocation of Amber)
يعرض مهرجان برلين السينمائي، ضمن برنامج المنتدى المستمر «Forum Expanded» في دورة 2026، الفيلم السوداني الكلاسيكي «انتزاع الكهرمان» (1975) للمخرج الراحل حسين شريف. صُوّر الفيلم في مدينة سواكن الساحلية شرقي السودان، التي كانت يومًا مركزًا تجاريًا نابضًا بالحياة قبل أن تتحوّل إلى أطلال.
يعتمد العمل على نسيج بصري كثيف يمزج بين الشعرية والرمز والتجريد، متكئًا على الصوت الغنائي للمطرب السوداني الراحل عبد العزيز داود، في تجربة تتجاوز السرد التقليدي نحو تأملات في الزمن والمكان والهوية، واستعادة لذاكرة مدينة منسيّة.

«أغنية توحة الحزينة» (Sad Song of Touha)
تحضر السينما المصرية في قسم المنتدى المستمر «Forum Expanded» من مهرجان برلين السينمائي عبر عرض الفيلم القصير «أغنية توحة الحزينة»، أحد الأعمال المبكرة والمفصلية في مسيرة رائدة السينما التسجيلية عطيات الأبنودي.
يقترب الفيلم من عالم فناني الشارع في القاهرة بعدسة هادئة تكتفي بالمراقبة والتقاط التفاصيل اليومية، ويصاحب الصورة صوت الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي. يعرض العمل مَشاهد لآكلي النار، ولاعبي الأكروبات من الأطفال، وأشخاص يفترشون شارعًا صغيرًا بعروضهم اليومية، وقد نال جائزة النقاد السينمائيين الفرنسيين في مهرجان جيريونيل عام 1973.

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (The Day of Wrath: Tales from Tripoli)
اختار مهرجان برلين السينمائي الدولي فيلم «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» للمخرجة اللبنانية رانيا الرافعي ضمن أفلام دورة 2026، ويشارك في قسم «Forum» بدعم من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي.
الفيلم وثائقي تجريبي يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها مدينة طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، ويمزج بين الذاكرة الشخصية والجماعية، متتبعًا تحوّلات المدينة من زمن التحرّر من الاستعمار، مرورًا بحلم القومية العربية، وصولًا إلى خيبات ما بعد الربيع العربي. تقدّم رانيا الرافعي طرابلس بوصفها نموذجًا مكثّفًا لتحوّلات مدن عربية عديدة، في مقاربة لأسئلة الهوية، والتغيير، وحدود الأمل في المستقبل.
اقرأ أيضا: برلين السينمائي يفتح المنافسة… هذه أفلام المسابقة الرسمية