فاصلة

مقالات

السينما العربية في برليناله 76: أسئلة الهوية بألف صيغة

Reading Time: 7 minutes

عامٌ جديدٌ للبرليناله، هو السادس والسبعون في عمر المهرجان الألماني العريق، واحدٌ من أقدم المهرجانات السينمائية العالمية، وواحدٌ من أكبر ثلاثة مهرجاناتٍ سينمائيةٍ في العالم، حتى إن اختلف عن منافسيه كان وفينيسيا في حجم الأفلام وتغطيتها العالمية، إلا أنه يظل ربما المنصة السينمائية الأكثر سياسيةً في العالم ومنصةً لنقاش القضايا التي تشغلنا، في مدينةٍ باردةٍ في بداية العام، قبل أن ينشغل العالم بأفلام السعفة الذهبية والأفلام الأمريكية الكبيرة.

يمثل هذا العام الثاني تحت قيادة تريشيا تاتل، القادمة لتحديث صورة المهرجان وإعادة المهرجان الكبير للمنافسة مع كان وفينيسيا، بعد إدارة كارلو شاتريان ومارييت ريزنبيك التي توجهت في اختياراتها إلى أفلامٍ أكثر استقلالًا. لكن هل يتحقق ذلك أم لا؟ لا يمكن القول بوجود أفلامٍ كبيرةٍ من نوعية تلك المتواجدة في كان أو فينيسيا، لكن لنسأل السؤال الأهم لنا في المنطقة: كيف تبدو المشاركة السينمائية العربية هذا العام؟

خريطة المشاركة العربية: اتساعٌ واستمراريةٌ

مشاركة هذا العام العربية تبدو ربما الأكثر امتدادًا على أقسام المهرجان، بحضورٍ يبني على نجاحات السينما العربية في الأعوام الماضية ومشاركاتها المتعددة في العديد من الأقسام، بما يؤكد أنه حتى مع اختلاف إدارة المهرجان، فإن التعددية الجغرافية وظهور الأفلام العربية لا يزالان جزءًا محوريًا من سياسة المهرجان، كما في السنوات الماضية وربما بشكلٍ أكثر توسعًا.

برلين السينمائي
بيت الحس (2026)

في المسابقة الرسمية نجد فيلم المخرجة التونسية ليلى بوزيد «بيت الحس» من بطولة هيام عباس، التي لها نصيبٌ آخر من المشاركة في فيلمٍ آخر سنتحدث عنه لاحقًا. بوزيد قدمت من قبل فيلمين هما «على حلة عيني» و«مجنون فرح». وبينما دار الأول في تونس قبل ثورات الربيع العربي عن قصة فرح التي تحاول نشر موسيقاها المختلفة، دارت أحداث الثاني في فرنسا وحملت شخصيته اسم فرح أيضًا، الفتاة التونسية التي تقابل شابًا جزائريًا فرنسيًا، فبدا الفيلم الثاني نوعًا ما امتدادًا للفيلم الأول، بأسئلة شباب الربيع العربي في جيلين متلاحقين.

في «بيت الحس» تبدو الأسئلة نفسها حاضرة، وفق الملخص المنشور على موقع المهرجان، لكن الفيلم يبدو أكثر جرأةً: ليليا تعود إلى تونس لحضور جنازة عمها، وتلتقي من جديد بعائلةٍ لا تعرف شيئًا عن حياتها في باريس، وبالأخص عن حياتها العاطفية. وبينما تتجمع العائلة وتظهر صداقاتٌ قديمةٌ تستدعي ذكريات الماضي، تصر ليليا على مواجهة أسرار العائلة، فتتذكر الأسباب التي دفعتها إلى مغادرة تونس منذ البداية، وتنطلق لكشف غموض الوفاة المفاجئة لعمها.

فيلم ماء العين
ماء العين (2024)

إذا نظرنا إلى الأفلام العربية التي شاركت سابقًا في مسابقة برلين منذ 2021 وحتى اليوم، وهي «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج، و«ماء العين» لمريم جعيبر، و«يونان» لأمير فخر الدين، وأخيرًا «بيت الحس» لليلى بوزيد، سنجد أنه رغم اختلاف الأنواع الفيلمية، فإنها تحمل بشكلٍ ما القضايا نفسها: الهوية العربية ما بعد ثورات الربيع العربي، وتكوين هوياتٍ جديدةٍ هجينةٍ بفعل الهجرة والنزوح. نجد ذلك سواء في الهجرة اللبنانية إلى كندا في «دفاتر مايا» وفتح الابنة لصندوق ذكريات الأم لاكتشاف تاريخ العائلة وسط الحرب الأهلية، أو في هجرة الأبناء في «ماء العين» للانضمام إلى الجماعات الإرهابية وما تلا ذلك من تجارب مؤلمةٍ لأهاليهم في تونس، أو بشكلٍ أكثر تجريدًا في «يونان» عبر هجرة الكاتب السوري إلى جزيرةٍ معزولةٍ في الشمال ومقابلته لصاحبة الفندق الألمانية، وربما يمكن القول إن هذا السؤال هو الأكثر جاذبيةً لحضور الأفلام العربية في مسابقة برلين على مدار أكثر من ست سنوات.

وقائع زمن الحصار (2026)
وقائع زمن الحصار (2026)

السياسة تسيطر على الرواية البرلينية للعالم العربي

إذا ما نظرنا إلى الأفلام المشاركة في المسابقات والأقسام الأخرى في المهرجان – في ما عدا قسم الكلاسيكيات – سنجد بشكلٍ ما أن القضايا السياسية، سواء الحديثة أو القديمة، هي المهيمنة على الأفلام. ففي المسابقة المستحدثة «وجهات نظر» (المعنونة سابقًا بمسابقة «لقاءات»)، نجد فيلم عبد الله الخطيب «وقائع زمن الحصار»، وهو فيلمه الروائي الطويل الأول بعد الوثائقي «فلسطين الصغرى» والفيلم القصير «سوكرانيا 59». يحكي الملخص عن مدينةٍ لا يُذكر اسمها – لكن يمكن أن نتخيل أنها مدينةٌ فلسطينيةٌ أو مخيمٌ فلسطينيٌ – تقع تحت الحصار، وتنقلب حياة سكانها رأسًا على عقب، ويواجه كلٌ منهم خياراتٍ مستحيلةً للبقاء. وفي وسط كل ذلك، تواجه مجموعةٌ من عشاق السينما معضلةً: احتموا داخل متجر فيديو، وأصبح أمامهم خيارُ أن يحرقوا الأفلام التي أحبوها ليتدفؤوا بها. من هذا الملخص، ومن اللقطات المرفقة، يمكن رؤية حبكاتٍ متعددةٍ لقصصٍ فلسطينيةٍ متنوعةٍ في نبراتها الدرامية، وهو ما ظهر بشكلٍ ما في فيلم المخرج القصير. لكن المؤكد أن برلين لا يزال مهرجانًا ذا طابعٍ سياسي، لذا يبدو ظهور أفلامٍ تتحدث عن القضية الفلسطينية أمرًا متوقعًا، حتى إن لم تكن بالحدة نفسها التي نراها أحيانًا في مهرجاناتٍ أخرى.

لمن يجرؤ
لمن يجرؤ (2026)

في قسم البانوراما، المعروف بأفلامه الأقل تجريبًا والأكثر التزامًا بالأشكال الروائية، نجد هذا العام مشاركاتٍ عديدةً، بدايةً من فيلم دانيال عربيد «لمن يجرؤ» اللبناني، من بطولة أمين رشيد وهيام عباس، والذي يفتتح القسم هذا العام. يدور الفيلم حول علاقة حبٍ بين عثمان، الشاب السوداني الذي لا يحمل أوراقًا، وسوزان، الأرملة الفلسطينية التي تكبره بأكثر من ضعف عمره في بيروت المعاصرة. قصةٌ تنتمي هي الأخرى إلى قضايا الهوية العربية ما بعد الهجرة والشتات.

خروج آمن
خروج آمن (2026)

وفي القسم نفسه، نشهد الفيلم المصري الوحيد المشارك هذا العام: «خروج آمن» لمحمد حماد، الذي قدم سابقًا أفلامًا قصيرةً مميزةً، بينها «سنترال» و«أحمر باهت»، وفيلمًا روائيًا طويلًا هو «أخضر يابس». في فيلمه الثاني يبدو حماد معتمدًا على عالمٍ مختلفٍ عن فيلمه الطويل الأول، إذ يقدم هذه المرة فيلم تشويقٍ نفسيٍ عن سمعان، حارس الأمن الشاب، الذي فقد أهله جراء العنف الديني، وأورثه ذلك صدمةً لا يزال يحاول التعامل معها. في المقطع الترويجي نرى مروان وليد، الممثل الشاب في أول ظهورٍ سينمائيٍ له بعد عدة مسلسلاتٍ دراميةٍ أتى أداؤه فيها صادقًا وقريبًا من القلب، وربما يعدنا حماد باكتشاف موهبته هذه المرة عبر شاشة السينما. إلى جانب ذلك، نلمح نوعًا من التشويق متمثلًا في الصمت: خلال الثلاثين ثانية المتاحة عبر موقع المهرجان، نراه يحتل مساحةً صغيرةً في الكادر، مختنقةً بشكلٍ ما، ثم يخرج وكأنه يستقصي شيئًا مريبًا في وردية حراسته الليلية. لكنه لا يخرج بقوة حارسٍ شجاع، بل بحذرٍ وتخوف. أيامٌ قليلةٌ تفصلنا عن مشاهدة العمل ومعرفة تفاصيل أكثر عن الفيلم الذي وسمه برلين بوسم الحرب والنزوح، وهو أمرٌ غريبٌ بعض الشيء، لكن يمكن مناقشة ذلك بالتفصيل بعد مشاهدة الفيلم.

برلين 2026
الجانب الآخر من الشمس (2026)

أما في قسم البانوراما الوثائقية، فيشارك فيلم «الجانب الآخر من الشمس» للمخرج توفيق صابوني، والذي يعيد فيه المخرج خمسة ناجين إلى أماكن تعذيبهم لإعادة تمثيل تجارب اعتقالهم في سجن صيدنايا. يمكن تخيل مضمون الفيلم من هذا الوصف، لكن الحكم النهائي سيعتمد على ما يقدمه من لغةٍ سينمائيةٍ، إذ إن هذا الشكل صار مألوفًا في السنوات الأخيرة في السينما العربية، وحتى في أفلامٍ شاركت في المهرجان نفسه، مثل «خرطوم» و«أعنف حب»، وكلاهما نجح في خلق وثائقياتٍ إبداعيةٍ لها لغتها السينمائية والفكرية الخاصة، حتى وإن كانت حكاياتها مألوفةً.

برلين السينمائي
يومًا ما ولد (2026)

في مسابقة الأفلام القصيرة، نرى مشاركةً لبنانيةً متمثلةً في فيلم «يوما ما ولد» لمخرجته ماري روز أسطا. من المقطع الدعائي، نرى طفلًا صغيرًا بوجهٍ بريءٍ، يخبره خاله بشيءٍ محبطٍ عن الحلم والواقع، في لحظةٍ تُقصف فيها قريتهم، غالبًا في سياق الحرب الأهلية أيضًا. لكن هذا الولد يمتلك بشكلٍ ما قوى استثنائيةً تجعله يتحكم في الأشياء بعقله، وفي ليلةٍ ما، وبينما ينزعج من صوت الطائرات، يتسبب بالخطأ في سقوطها. قصةٌ مشوقةٌ بالتأكيد لمخرجةٍ قدمت العديد من الأفلام القصيرة في السنوات الأخيرة.

يوم الغضب: حكايات من طرابلس
يوم الغضب: حكايات من طرابلس (2026)

أما في قسم المنتدى، المعروف بتجريبيته وطليعيته ودمجه السينما بالأشكال الفنية الأخرى، فنرى فيلم «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» لرانيا رفاعي، وهو فيلمٌ وثائقيٌ يتناول تاريخ مدينة طرابلس بحروبها وانتفاضاتها، انطلاقًا من احتجاجات الطلاب التي مهدت للاستقلال عن فرنسا عام 1943. يربط الفيلم بين الشخصي والسياسي والجماعي، وتمزج فيه المخرجة بين رسالةٍ سينمائيةٍ إلى والدها الراحل، وحكاياتٍ عائليةٍ، ومواد أرشيفية. وتنظر إلى المدينة عبر محطاتٍ تاريخيةٍ مهمةٍ لتحكي تاريخ ثاني أكبر مدينةٍ في لبنان على مدار أكثر من سبعة عقود.

على صعيدٍ آخر، وفي قسم المنتدى الممتد، الذي يُعد مساحةً للفنون البصرية، نرى عملًا لبنانيًا آخر منتميًا إلى عالم فن الفيديو: «مقابلات أداء من أجل فيلم: يوميات إحسان». يوثق العمل تجارب الأداء للأدوار الرئيسية في فيلم لمياء جريج الروائي «القدس: يوميات إحسان ترجمان»، الذي يستكشف نضال إحسان اليومي خلال الحرب العالمية الثانية بين المجاعة والأوبئة والاضطراب السياسي ومستقبل فلسطين المجهول آنذاك. في بيروت، يؤدي ممثلون فلسطينيون ولبنانيون تجارب أداءٍ لأدوار إحسان وسوريا ومحيي الدين. يقدمون المشاهد بتفسيراتٍ مختلفةٍ، ثم يتوقفون للنقاش حول الشخصيات والتمثيل وكيفية تجسيد القدس التي لا يستطيعون الوصول إليها. ومن خلال التأمل في صراعات المنطقة اليوم، يستكشفون الحنين والهوية والذاكرة، ليصلوا بين الماضي والحاضر والمستقبل. وفي الخلفية، يتكشف تدريجيًا رسمٌ متحركٌ للقدس. عملٌ يوحي بتداخلاتٍ طموحةٍ بين لغة فن الفيديو والسينما، وبين تاريخ فلسطين ومستقبلها.

الكلاسيكيات: استعادة السبعينيات عربيًا

أخيرًا، تأتي ثلاث مشاركاتٍ عربيةٍ في قسم الكلاسيكيات، بثلاثة أفلامٍ تنتمي جميعها إلى حقبة السبعينيات وتتناول قضايا مختلفة.

سراب (1979)
السراب (1979)

أولها الفيلم المغربي «السراب» للمخرج أحمد بوعناني، وهو فيلمٌ روائيٌ طويلٌ تدور أحداثه في المغرب زمن الاستعمار، حيث يعثر قرويٌ فقيرٌ على رزمة أوراقٍ نقديةٍ داخل كيس دقيق، فيقنع زوجته بترك عملها خادمةً لدى عائلةٍ فرنسيةٍ والانتقال معه إلى المدينة. يريد أن يصرف العملة، لكنه يخشى البنك، فيتجول بحثًا عن صرافٍ ويلتقي أناسًا كثيرين يبحثون عن حياةٍ أفضل، بينهم المغني والممثل علي بن علي بطابعه القريب من المهرج وزوار المطاعم الخيرية.

أغنية توحة الحزينة (1972)
أغنية توحة الحزينة (1972)

إلى جانب ذلك، يأتي عرض فيلمين من مصر والسودان، رممهما مركز سيماتك بالقاهرة: «أغنية توحة الحزينة»، وهو فيلمٌ قصيرٌ من الأعمال الأولى للمخرجة التسجيلية عطيات الأبنودي، يقدم صورةً لفناني الشارع في القاهرة عبر كاميرا محايدةٍ بمصاحبة سردٍ للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، إذ يصور آكلي النيران ولاعبي الأكروبات وغيرهم من الفنانين المتنقلين في شوارع المدينة الكبيرة. الفيلم الثاني، الذي تعاون سيماتك في ترميمه مع سودان فيلم فاكتوري، هو «انتزاع الكهرمان» للمخرج والفنان السوداني حسين شريف، ويدور في مدينة سواكن، الميناء السوداني الذي صار أطلالًا بعد تاريخٍ طويلٍ من الحضارة والازدهار. يتأمل الفيلم الإرث الاستعماري، ويبدو كمرثيةٍ بصريةٍ للمدينة التي يتعامل معها كأرشيفٍ حي.

إجمالًا، يمكن القول إن عام 2026 يبشر بموسمٍ سينمائيٍ عربيٍ واسع المدى والحضور، يمتد عبر معظم أقسام المهرجان (تقريبًا كلها، باستثناء قسم جينريشن/أجيال). وحتى إن تكررت بعض الموضوعات والحكايات، وهو أمرٌ يبدو طبيعيًا في جزءٍ كبيرٍ من السينما العالمية اليوم، فإن هذه الأفلام، بتنوع أصوات صناعها، قد تبشر بأعمالٍ تبقى في الذاكرة، أو هكذا نأمل.

اقرأ أيضا: كل ما تريد معرفته عن مسابقة برليناله 76

شارك هذا المنشور

أضف تعليق