قبل الشروع في كتابة هذه السطور، يستحضر الذهن عنوان مقال للناقد السينمائي المتمرِّس هوفيك حبشيان: «بغداد، كيف حالك مع السينما؟»، وهو مقال تناول فيه مهرجان بغداد السينمائي، وبغداد، والسينمائيين العراقيين. اليوم، يبدو السؤال نفسه أكثر إلحاحًا، ولكن بصيغة أوسع: كيف حال السينما العراقية مع العالم في 2025؟
بعيدًا عن الخطاب المتكرّر حول «تطوّر السينما العربية» في عدد من الدول، يمكن اعتبار هذا العام، وبقدر كبير من الثقة، عامًا سينمائيًا عراقيًا جيدًا جدًا على أكثر من مستوى. لم يكن الحضور العراقي عابرًا ولا محصورًا في هامش المهرجانات المحلّية أو الإقليمية، ولا قائمًا على المجاملة أو إتاحة «نافذة» شكلية تحت مُسمّى دعم السينما العربية. بل جاء حضورًا واضحًا ومؤثرًا عبر مشاركة أفلام عراقية في مهرجانات عالمية كبرى، من برلين وكان، إلى لوكارنو والبندقية وتورنتو وإدفا، إضافةً إلى عدد من المهرجانات العربية. حضور يؤكد أنّ لدى السينمائيين العراقيين ما يُقال وما يمكن أن يُخاطب جمهورًا عالميًا.
وترافَق هذا الحضور، ولا سيما على مستوى الاعتراف المؤسّسي والرسمي، مع إنجازات بارزة، أبرزها فوز الفيلم العراقي «كعكة الرئيس» للمخرج حسن هادي بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي، إلى جانب وصوله إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار. وهي لحظة تستحق التوقّف عندها، بوصفها مؤشرًا على حراك سينمائي عراقي لافت، يحتاج إلى قراءة نقدية فاحصة ومُشجّعة في آنٍ واحد.
مع ذلك، من المهم التأكيد أنّ هذا الطَرْح ينحصر في الأفلام العراقية التي شاركت في مهرجانات سينمائية دولية، بوصفها تجارب فنّية ومسارات إبداعية محدّدة استطاعت فرض حضورها خارج حدودها المحلّية، من دون ادّعاء تمثيل المشهد بأكمله.
في هذا السياق، نحاول الاقتراب من هذه اللحظة العراقية الخاصة عبر قراءة تفصيلية لكلّ فيلم، بوصفه جزءًا من مشهد يتشكّل، ويعيد طرح أسئلة أساسية حول موقع السينما العراقية اليوم، عربيًا وعالميًا.

«إبراهيم» – مهرجان برلين السينمائي
إخراج: علي يحيى | وثائقي قصير
كانت أولى محطات هذا الملف مع الفيلم الوثائقي القصير «تجري من تحتها الأنهار»، المعروف أيضًا بعنوان «إبراهيم»، للمخرج العراقي علي يحيى، والذي شارك ضمن برنامج «أجيال +14» في مهرجان برلين السينمائي 2025، ليكون الفيلم العراقي الوحيد المُشارك في هذه الدورة.
يقدّم علي يحيى تجربة سينمائية قصيرة وصامتة، تنطلق من الجفاف الذي يضرب مناطق الأهوار في جنوب العراق، لا بوصفه موضوعًا بيئيًا مباشرًا، بل حالة وجودية تُرى وتُحسّ عبر الصورة والإيقاع والعلاقة العضوية بين الإنسان والمكان. تدور أحداث الفيلم في منطقة مستنقعات نائية، حيث يعيش «إبراهيم» مع عائلته في عزلة شبه تامة عن العالم، مرتبطًا بالنهر والقصب والحيوانات التي يرعاها، ولا سيما جاموسته، التي تشكّل رابطته الأعمق والأكثر صدقًا مع الحياة من حوله.
مع تقدُّم الفيلم، يتحوّل المشهد الطبيعي تدريجيًا: الأنهار تجفّ والأرض تتشقَّق والضباب الذي كان يلفّ المكان يصبح نذيرًا لانهيار عالم كامل. في مواجهة هذا التحوّل القاسي، يجد إبراهيم نفسه أمام قوى تتجاوز قدرته، لا تهدّد نمط عيشه فحسب، بل تمتد إلى الكائن الوحيد الذي يشعر بأنه يفهمه حقًا.
نال الفيلم تنويهًا خاصًا في المهرجان، مؤكّدًا حساسية التجربة ووعيها الجمالي. وهو يقدّم علي يحيى، الذي يواصل دراسته السينمائية في بريطانيا، اسمًا واعدًا في السينما العراقية، يُنتظر منه الكثير في مسيرته المقبلة.

«إركالا – حلم كلكامش»
إخراج: محمد جبارة الدراجي | روائي طويل
من أبرز الأفلام العراقية في هذا الموسم السينمائي يأتي «إركالا – حلم كلكامش» للمخرج محمد جبارة الدراجي، أحد الأسماء التي راكمت تجربة سينمائية طويلة ومؤثّرة. ويبدو هذا العام مفصليًا في مسيرته، ليس فقط من خلال حضوره مخرجًا لهذا الفيلم، وأيضًا عبر مشاركته منتجًا لفيلم «هجرة» للمخرجة السعودية شهد أمين، الذي عُرض في مهرجان البندقية السينمائي.
يأتي «إركالا – حلم كلكامش» بعد سنوات من فيلمه «الرحلة»، الذي شارك في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي عام 2017. وقد شارك الفيلم هذا العام في مهرجان لوكارنو السينمائي ضمن قسم «الساحة الكبرى»، قبل أن يُعرض ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان تورنتو السينمائي الدولي، إضافةً إلى عرضه في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
يُقدّم الدراجي تجربة طموحة ومعقَّدة، استغرقت أكثر من 15 عامًا من التفكير والتبلور، وتقاطعت فيها الذاكرة الشخصية مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق. تتمحور القصة حول «مريم» (سمر كاظم)، امرأة فقدت زوجها وأبناءها في الحرب، وتحوّلت حافلة قديمة ومتهالكة إلى مدرسة متنقلة لأطفال الشوارع، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من طفولة مهدورة في مدينة أنهكتها الصراعات.
إلى جانب مريم، يقدّم الفيلم شخصيتَي الطفلين؛ «شم شم»، طفل شوارع يبلغ تسعة أعوام ويعاني مرض السكري، وصديقه «مودي» (13 عامًا)، اللذين يعيشان حياة قاسية في شوارع بغداد، ويكسبان قوت يومهما عبر السرقة. ومن خلال هذه الشخصيات، يبني الفيلم عالمه الواقعي القاسي، قبل أن يفتح نافذة على بُعدٍ أسطوري يتسلّل تدريجيًا إلى السرد.
من أبرز عناصر تميُّز الفيلم، استحضاره لأسطورة جلجامش؛ إذ يشاهد «شم شم» فيلم رسوم متحركة عن الملك الأسطوري ورحلته إلى عالم «إركالا»، فيتعلّق بشجاعته، ويتحوّل الخيال إلى ملاذ نفسي، ثم إلى مُحرّك درامي، حين يتخيّل جلجامش كائنًا حيًا ينتزع الجثث من النهر، ويغدو رمزًا لخلاص مُحتمل. في المقابل، يحمل «مودي» حلمًا أكثر قسوة، وهو الهجرة إلى هولندا مهما كان الثمن، فينخرط في علاقة مظلمة مع رجل ميليشيا عديم الرحمة، ويصل إلى التورّط في جريمة قتل، في مسار يعكس كيف يمكن للعنف أن يبتلع الطفولة حين يصبح الخيار الوحيد.
من منظور أشمل، يعكس «إركالا – حلم كلكامش» جوهر سينما الدراجي نفسها؛ سينما تنحاز للإنسان، وتضع الطفولة في مواجهة مباشرة مع العنف، وتستدعي الأسطورة في محاولة لفهم الواقع. هو فيلم ثقيل ومشحون بالأسئلة، ليس سهل التلقّي أو الفهم، لكنه يفرض نفسه بوصفه تجربة سينمائية جادّة.
«فلانة»
إخراج: زهراء غندور | وثائقي
يُعدُّ الفيلم الوثائقي «فلانة» للمخرجة والممثلة العراقية زهراء غندور أحد أكثر الأفلام العراقية جرأة هذا العام، وقد عُرض عرضه العالمي الأول في الدورة الخمسين من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي.
ينطلق الفيلم من حكاية شخصية تتمثّل في اختفاء صديقة طفولة تُدعى «نور»، تحوّلت مع الزمن إلى رمز لعشرات النساء المجهولات اللواتي مُسحت أسماؤهن ومصائرهن. «فلانة» هنا ليست اسمًا، بل توصيف اجتماعي لنساء لا يُراد لقصصهن أن تُروى.

من خلال حوارات مع خالتها «حياة»، القابلة التي شهدت ولادات كثيرة داخل العائلة، يكشف الفيلم عن طبقات عميقة من العنف الصامت والتواطؤ الاجتماعي مع نظام أبوي يكافئ الذكور ويعاقب الإناث. ويصل العمل إلى إحدى أكثر لحظاته قسوة بكشفه عن «مقابر المنبوذات» في ضواحي بغداد، حيث تُدفن فتيات مجهولات الهوية بلا أسماء ولا زيارات.
أسلوبيًا، يعتمد «فلانة» على سرد هادئ ومتأمّل، يخلو من الخطاب المباشر، لكنه يترك أثرًا ثقيلًا. هو فيلم عن الغياب ومحاولة استعادة الأسماء عبر السينما، لا بوصفها خلاصًا، وإنما فعل مقاومة رمزي ضد النسيان.
«كعكة الرئيس»
إخراج: حسن هادي
شكّل فيلم «كعكة الرئيس»، المعروف عالميًا بعنوان President’s Cake، إحدى أبرز مفاجآت هذا العام السينمائي العراقي. ويحمل الفيلم في نسخته العربية عنوانًا آخر هو «مملكة القصب»؛ وهو اختيار لم يكن اعتباطيًا، إذ يُشير القصب، وفق المخرج حسن هادي، إلى صلابة ظاهرية تخفي فراغًا داخليًا، في استعارة مباشرة لحال العراق في حقبة حكم صدام حسين.
شارك الفيلم ضمن قسم «أسبوع المخرجين» (Directors’ Fortnight) في الدورة الـ78 من مهرجان كان السينمائي عام 2025 وحصل منه على جائزة «اختيار الجمهور»، وهو القسم المعروف بتقديم الأصوات الجديدة والتجارب الأولى الواعدة، وحقَّق حضورًا لافتًا على مستوى التلقّي الجماهيري، في إنجاز يُعزّز موقع السينما العراقية على الخريطة الدولية.

يتميَّز الفيلم باختياره الكوميديا مدخلًا لمعالجة فكرة شديدة القسوة: إجبار طلاب مدرسة على العمل جماعيًا للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس. ورغم قتامة الفكرة، لا يتعامل معها بوصفها مأساة مباشرة، بل يمرّرها عبر تفاصيل يومية دقيقة تصنع مفارقة مؤلمة ومربكة.
من اشتراط المعلّم نوع الكعكة ونكهتها «المناسبة»، إلى الرحلة الصغيرة التي تخوضها الطفلة «لميعة» لتأمينها، تتشكّل صورة دقيقة للحياة اليومية العراقية في تسعينات القرن الماضي. «لميعة» ليست بطلة تقليدية، بل طفلة عادية وجدت نفسها داخل منظومة أكبر منها، تحاول النجاة من العقاب، ومن الخوف من تقرير قد يُكتب عنها أو عن عائلتها.
تكمن قوة «كعكة الرئيس» في قدرته على تحويل الطغيان من خطاب سياسي مباشر إلى تجربة شعورية تُعاش من مستوى الطفولة، حيث يصبح الخوف جزءًا من الروتين اليومي، وتتحوّل الطاعة إلى سلوك مفروض. كوميديا الفيلم واقعية، لا تسعى إلى الإضحاك بقدر ما تفضح عبث السلطة حين تتسلَّل إلى أبسط تفاصيل الحياة.
بهذا الفيلم، يُقدّم حسن هادي عملًا مفصليًا في السينما العراقية المعاصرة، ويؤكّد حضوره اسمًا سينمائيًا واعدًا، يمتلك حسًا سرديًا ناضجًا، وقدرة على توظيف لغة سينمائية ذكية ومؤلمة بقدر ما هي ساخرة.
اقرأ أيضا: السينما الفلسطينية في 2025… عام استثنائي وحضور ملفت