«لماذا غاس فان سانت خارج المسابقة؟». هذا السؤال كان من أكثر الأسئلة تداولًا خلال «موسترا» البندقية هذا العام. صحيح أن عالم المهرجانات السينمائية لا يخلو عادةً من الغموض في الاختيارات، بمعنى انها تبقى مبهمة ومحاطة بالتكهّنات، لكن استبعاد فيلم المخرج الأميركي الكبير، «السلك القاتل»، من سباق «الأسد الذهبي»، وإلحاقه بأحد الأقسام الجانبية، بدا أقرب الى الفضيحة. خاصةً أن المسابقة كانت في حاجة ماسة إلى اسم كبير يرفع من سقف التنافس.
مع ذلك، ما بدا في البداية خللًا أو نقصًا، تحوّل إلى ميزة غير متوقّعة، ذلك أن «دعاية» الاستبعاد أضحت حديث الناس وجاءت بطيف إيجابي أعاد الإضاءة على الفيلم والمخرج. شخصيًا، رغم أني كنت قد استبعدته من حساباتي بسبب التضارب في مواعيد المشاهدة، وجدتُ نفسي أسير في اتجاه صالة «بالابيينالي» التي غصت بالجمهور بشكل لم أرَ مثله في أي من عروض المهرجان الأخرى.
في هذا الموضع من المقال، قد يُخيّل إلى القارئ أن استنكاري لعدم إدراج فيلم فان سانت في المسابقة الرسمية يعني أننا أمام تحفة سينمائية لا تُفوَّت، وهذا في الحقيقة ليس بعيدًا من الواقع. وإن لم تكن «تحفة» بالمعنى المطلق، فإننا أمام عمل مشغول ببراعة يعيد مخرج «فيل» الحاصل على «السعفة الذهبية» في مهرجان كانّ، إلى دائرة الضوء، بعد غياب امتد لثماني سنوات لم يقدّم خلالها شيئًا. بل إن المنصف يرى أن فان سانت، حتى قبل هذا الانقطاع، ما كان في أفضل حالاته، إذ إن مجمل ما أنجزه خلال العقد الأخير لم يرقَ إلى المستوى المأمول، وكانت ثلاثة من أفلامه مخيّبة.
يأتي فيلم «السلك القاتل» ليذكّرنا بأن بعض السينمائيين، لا سيما الأميركيون، على غرار شيخهم كلينت إيستوود، ممّن يعملون داخل منظومة إنتاجية تتيح لهم توسيع أفق تطلّعاتهم، يحتفظون بصفاء رؤيتهم ونضارة أدواتهم الفنية رغم تقدّمهم في السنّ. غاس فان سانت، وقد بلغ الثالثة والسبعين، يقدّم هنا فيلمًا يصلح أن يكون درسًا في صناعة السينما، أكان من حيث التصوير أو الإخراج أو الكتابة أو إدارة الممثّلين. وقد بلغت الصنعة حدًّا من الإتقان جعلني، في لحظات كثيرة، أجد نفسي مأخوذًا بالحرفة إلى حدّ أني أنشغل بها عن مضمون العمل، فأحاول التوفيق بين التعمّق في التفاصيل التقنية ومتابعة تسلسل الأحداث.

في فبراير من عام 1977، أقدم أنتوني جورج كيريتسيس، من مدينة إنديانابوليس، على اختطاف سمسار الرهن العقاري ريتشارد هول، بعد أن رفض الأخير منحه مهلة إضافية لسداد دين مستحق. ثبّت كيريتسيس مسدّسًا إلى رأس هول بطريقة تُعرف بـ«السلك القاتل»، وهي آلية تضمن أن أي تدخّل من الشرطة سيؤدّي إلى إطلاق النار الفوري على الرهينة، كما أن مجرد محاولة هول للفرار كفيلة بقتله.
دامت عملية الاحتجاز 63 ساعة، تخللتها تغطية إعلامية مباشرة ومكثّفة، تفاعل معها الرأي العام الأميركي، في بلد يعرف كيف يحوّل المآسي إلى عروض شوبيز. وفي نهاية المطاف، أُفرج عن هول بعد توقيعه وثيقة يتعهد فيها بتعويض كيريتسيس وعدم اتخاذ أي إجراءات قانونية ضده. وقد اعتبرت المحكمة أن كيريتسيس غير مسؤول جنائيًا بسبب «جنونه الموقّت».
لم يكن مفاجئًا، وسط كلّ هذا الضجيج، أن تثير القضية اهتمامًا وطنيًا واسعًا، حتى أن صورة شهيرة التُقِطت للخاطف والمخطوف حازت لاحقاً جائزة «بوليتزر». بطريقة أو بأخرى، تحوّل كيريتسيس إلى بطل شعبي في أعين البعض.
نحن إذًا أمام رجل شعر أن المؤسسة المالية التي منحها ثقته قد طعنته. رأى في رفض التمديد استغلالًا لضعفه في لحظة عجز، فقرر أن ينتفض في مواجهة ما اعتبره خيانة. لجأ إلى فعل راديكالي، عنيف ويائس، لمحاولة استعادة شيء من السيطرة على حياته وإعادة الإمساك بزمام مصيره.
مَن يعرف سينما فان سانت حقّ المعرفة، ويعي انشغاله المستمر بالمهمّشين والمنبوذين، لن يستغرب اختياره هذه القصّة. بين يدي سينمائي بحجمه، تتحوّل واقعة كيريتسيس إلى نوع من مانيفستو بصري، تتردّد أصداؤه في حاضرنا، رغم مرور ما يقارب نصف قرن على الحدث. الفنّانون الكبار يمتلكون هذه القدرة النادرة على اختزال الزمن، وردم الهوة بين الحقب، واضعين الإصبع على التشابه البنيوي بين ما كان وما هو كائن.
حتى أكثر الشخصيات اضطرابًا وتعقيدًا، لطالما منحها فان سانت مساحات من الفهم والتعاطف، وهو ما يفعله هنا في خاتمة الفيلم، حين يُعاد تقديم الخاطف في صورة البطل. بل يمكن القول إن اختيار فان سانت لهذه القضية لم يكن بريئًا من جاذبية تلك «الخاتمة الهوليوودية السعيدة»، حيث ان «عملية إرهابية» تنتهي بانتصار رمزي للمعتدي، بل وتجد تعاطفًا شعبيًا معها. لا ننسى أننا في السبعينات، عندما كانت النظرة إلى مفاهيم العنف والسلطة والتمرد مختلفة تمامًا، بل خصبة لتوليد مثل هذا البطل المضاد.
في الملف الصحافي المرفق بالفيلم، يروي فان سانت أنه بدأ تصوير الفيلم في تشرين الثاني من العام الماضي: «بينما كان العالم من حولنا يتغيّر بسرعة مذهلة، بدأنا نلحظ صدى مقلقًا لقصّتنا يتردد في الواقع من حولنا. هذا ما منح المشروع طابعًا معاصرًا، لكنه في الوقت ذاته بعث فينا شعورًا بالقلق والاضطراب. آمل ألا يتسبب الفيلم بالكثير من الضيق للمشاهدين، رغم إدراكي أننا نعيش في أزمنة شديدة الاضطراب، وربما يصبح بعض الانزعاج أمرًا لا مفر منه».
لا يقع جوهر الفيلم في رسائل خارجية أو خطاب تعليمي يُلقَى على المُشاهد. العبرة السينمائية كلها تنبع من تفاصيل القصّة نفسها. السر يكمن في المقاربة، في البُعد النفسي للشخصيات، في النبرة الباردة، في استخدام خفيف وذكي للكوميديا السوداء، وفي تجريد الأحداث من أي انفعال عاطفي مباشر، مما يخلق حالة من الالتباس المقصود.

هذا الالتباس لا يلبث أن ينتقل إلى المُشاهد، الذي لا يجد بسهولة موقعًا ثابتًا يقف فيه بين الشخصيات. نحن لا نُمنَح بوصلة أخلاقية واضحة؛ لا نعرف بالضبط مع مَن يجب أن نتعاطف أو ضد مَن نتّخذ موقفًا. هذا التوتّر الداخلي يولّد صراعًا داخل المتفرج، وهو أمر لا يمكن الوصول إليه إلا بكتابة بارعة، وجرأة أسلوبية لا يُستهان بها. يُضاف إلى ذلك أن الفيلم مشدود الإيقاع، يحمل تصعيدًا مستمرًا يذكّر بـ«بعد ظهر يوم قائظ» لسيدني لاميت، أحد أبرز أفلام الرهائن في تاريخ السينما.
يصعب الحديث عن هذا العمل من دون الإشادة بالأداء التمثيلي اللافت، لا سيما بيل سكارسغارد، الذي يجسّد شخصية كيريتسيس بكثافة نفسية مذهلة، مستندًا (ربما) إلى إرث عائلي غني (فهو نجل الممثّل السويدي الكبير ستيلان سكارسغارد). وإلى جانبه، يقدّم داكريه مونتغوميري أداءً متماسكًا في دور الرهينة هول، في ثنائية تمثيلية تساهم بشكل كبير في خلق هذا الإحساس بالواقعية التي يتقنها الأميركيون كما لا أحد سواهم.
أما آل باتشينو، فيطل في دور ثانوي، تجسيدًا لشخصية والد الرهينة. حضوره لا يخلو من رمزية، كغمزة سينيفيلية واضحة إلى دوره الأشهر في «بعد ظهر يوم قائظ»، حين جسّد شخصية سوني. لكن هذه المرة من الجهة المقابلة تماماً: الأب المصدوم بدل المسلّح الثائر.
من هذه الزاوية، نبلغ موضوع الإعلام، الذي يشغل حيزًا واضحًا في الفيلم، ويستدعي إلى الذهن «ميلك» لفان سانت، الذي تناول فيه سيرة هارفي ميلك، المناضل من أجل حقوق المثليين في الولايات المتحدة. في كلا الفيلمين، يتعامل المخرج مع وسائل الإعلام بوصفها طرفًا فاعلًا في تشكيل الواقع، لا مجرد مرآة تعكسه، إذ لا تكتفي بنقل الأحداث، إنما تعيد تأويلها، وتضخّم عناصرها، وتضفي عليها سمات استقطابية، وقد تفرغها من جوهرها الحقيقي.
بيد أن هناك فرقًا جوهريًا بين الفيلمين: في «ميلك»، كانت الكاميرات والصحف وسيلة تحرر، وأداة لتشكيل وعي جمعي، مكّنت هارفي ميلك من إيصال رسالته وتسييس قضيته وتوحيد جمهور متفرق حول مطالب واضحة. أما هنا، فالإعلام يتحوّل إلى ساحة عرض مضطربة، إلى وسيلة ضغط وتضليل في يد رجل مأزوم يعيش انهيارًا داخليًا. هذا الاستخدام للإعلام يمكن إسقاطه بسهولة على وسائط التواصل الحديثة، التي باتت تصنع الرأي العام وتعيد صوغ السرديات وفقًا لمن يملك زمام الخطاب.
وربما لأن فان سانت لم يعد مضطرًا لإثبات شيء، يأتي هذا الفيلم ليجسّد نضجًا كبيرًا في تعامله مع صناعة السينما، نضجًا يسمح له بالتحرر من إملاءات الشكل الهوليوودي التقليدي. فبينما كانت هوليوود الكلاسيكية ستقارب هذه الدراما كفرصة لمطاردات مشوّقة ودراما نفسية متوتّرة، يأخذنا فان سانت في رحلة زمنية إلى السبعينات، حيث الأفكار والأجواء والموسيقى (الاختيارات الموسيقية مذهلة بحق) تنسج معًا استعادة بصرية آسرة لزمن كان يؤمن بالكرامة والعدالة، وهما قيمتان تبدوان اليوم، في عالم مأزوم، أبعد ما تكونان عن التحقّق.
اقرأ أيضا: فينيسيا 82: الملف الشامل للتفاصيل والمقالات والحوارات