لطالما شكّل انطلاق «موسترا» البندقية السينمائي بالنسبة إليّ إعلانًا صريحًا لنهاية الصيف وبداية موسم العمل والانخراط في الجدية مجددًا. قد تكون هذه نظرة شخصية، لكنها لا تختلف كثيراً عن السائد: فهذه الفترة من السنة تتزامن مع اختتام العطل وتراجع الزخم السياحي، وإن كانت البندقية لا تعرف موسمًا خاليًا من الزوار. شهران من الحياة البوهيمية يجدان خاتمتهما في جزيرة الليدو، حيث نمضي أسبوعين من العمل في مشهد طبيعي أخّاذ، قد يحسدنا عليه كثيرون، رغم ان قلّة تدرك أن مجرّد تنظيم جدول مشاهداتنا يشكّل تحدياً لا يُستهان به، أشبه بلعبة شطرنج ذهنية معقّدة، خصوصاً هذا العام، حيث ستُعرض باقة من أكثر الأفلام المنتظرة منذ الأيام الأولى للمهرجان. كم يتمنّى الواحد منّا لو امتدّ اليوم إلى 48 ساعة بدلًا من 24. تخيّل أن يومك الأول في الـ«موسترا» سيبدأ مع باولو سورنتينو، ثم تمضي إلى لازلو نمش، وتختمه مع فرنر هرتزوغ.

بعد أن افتُتِحت دورة العام قبل الماضي بفيلم «الكومندانتي»، ها هو فيلم إيطالي آخر يتصدّر افتتاح الحدث السينمائي الأبرز (27 أغسطس – 6 سبتمبر) في بلاد فيلليني: «النعمة»، الذي نأمل أن يكون اسمه على مسمّاه، في الدورة الثانية والثمانين من «موسترا» البندقية. الفيلم هو أحدث أعمال المخرج النابوليتاني باولو سورنتينو (55 عامًا)، الذي بدأ مسيرته في البندقية مطلع الألفية، من خلال باكورته «الرجل الزائد» الذي عُرض في أحد أقسام المهرجان. لكن بعد ذلك، اختار سورنتينو كانّ لعرض أفلامه الستة اللاحقة، قبل أن يعود إلى تظاهرة بلاده بـ«كانت يد الله»، وها هو يعود اليوم إلى البندقية مجددًا مع «النعمة». مثل مواطنه ناني موريتي، يُعدّ سورنتينو من أولئك السينمائيين الإيطاليين الذين منحهم كانّ منصّة انطلاق مثالية إلى العالمية. فمن خلال دزينة من الأفلام، استطاع أن يفرض أسلوبًا بصريًا يجمع بين التباهي الجمالي والمبالغة والتفخيم، ما أكسبه معجبين مخلصين كما خصومًا شرسين، وكان محط سجال مستمر حول ما إذا كان «نصّابًا» أو فنّانًا أصيلًا يمتلك رؤية سينمائية، ولا تزال تأثيرات هذا الجدال فاعلة حتى اليوم.
في «النعمة»، يعود سورنتينو للتعاون مع ممثّله الأثير توني سرفيللو، الذي رافقه منذ فيلمه الأول، في عمل يدور حول الأيام الأخيرة لرئيس إيطالي متخيّل. ويبدو أن فكرة إنجاز فيلم عن الحبّ من بطولة سرفيللو كانت حلمًا قديمًا يراود مخرج «الجمال العظيم». وها هو هذا الحلم يرى النور في عمل يُركّز على الرقّة والعاطفة، من دون أن يتخلّى عن ذلك الغموض المبطّن الذي أصبح من سماته المميزة. فيلم نأمل منه أن يرفع مستوى افتتاحيات المهرجانات السينمائية الكبرى، وهو عادةً موضع تذمّر مشروع من جانب النقّاد والمتابعين. الفيلم يُعرض ضمن المسابقة التي تضم 21 فيلمًا يُفترض أن تمثّل «زبدة» الإنتاج العالمي في الموسم الحالي.

كالعادة، تشكّل المسابقة الرسمية مساحة لقاء متجدّد بين سينمائيين مخضرمين اعتادوا المرور من هنا، وآخرين يخطون أولى خطواتهم على سجادة البندقية. هي مساحة تلاقٍ لثقافات وأساليب وسينمات من شتى أنحاء العالم. المخرج المكسيكي غييرمو دل تورو، الفائز السابق بـ«الأسد الذهب»، يعود هذا العام مع فيلمه المنتظر «فرنكنشتاين»، حيث يُعيد تقديم الشخصية الأيقونية انطلاقًا من عشقه القديم للمخلوقات الغريبة والوحوش التي تشبه البشر أكثر ممّا نعتقد. وفي الوقت نفسه، يُطلّ علينا المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس – هو أيضًا سبق أن فاز بـ«الأسد» – بـ«بوغونيا»، جزء جديد من تعاونه المتكرر مع الممثّلة إيما ستون. الفيلم يتناول قصّة شابين مهووسين بنظريات المؤامرة، يختطفان مديرة تنفيذية لإحدى الشركات العملاقة، ظنّاً منهما أنها كائن فضائي يخطط لتدمير الأرض!

مخرجٌ ثالث سبق له نيل «الأسد الذهب» أيضًا، هو الإيطالي جيانفرانكو روزي، أحد أبرز أعلام السينما الوثائقية المعاصرة. في فيلمه الجديد «تحت الغيوم»، يأخذنا في رحلة إلى قلب نابولي، حيث تتقاطع الحياة اليومية مع التاريخ المدفون. يُنصت روزي إلى السكّان والعلماء والسيّاح، واضعًا كاميراه في خدمتهم لرواية قصّة مكان تهزّه الزلازل وتغمره الآثار في آن واحد.
جيم جارموش، المخرج الأميركي الذي ارتبط اسمه طويلًا بمهرجان كانّ، يفاجئنا هذا العام بحضوره في مسابقة البندقية بفيلمه الجديد «أب أم أخت شقيق». يتألّف الفيلم من ثلاث حكايات تدور حول العلاقات العائلية وتجري أحداثها في ثلاث دول مختلفة. يقدّم العمل، بحسب وصف المهرجان، «بأسلوب هادئ وتأمّلي يمزج بين الكوميديا والحزن». لكننا، بصراحة، نأمل أن يرتقي الفيلم إلى ما هو أبعد من وعود المهرجان، وأن يكون خطوة إلى الأمام بعد سلسلة من الأعمال الأخيرة التي لم ترقَ إلى مستوى جارموش المعروف.

التحدّي الأكبر في مسابقة هذا العام، يبدو أنه في عهدة المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون، الذي يخوض مغامرة سينمائية جريئة: اقتباس رواية ألبر كامو الأيقونية «الغريب» في نسخة جديدة، بالأبيض والأسود. المشروع أثار فضولًا واسعًا منذ إعلانه، لا سيما أن هناك مَن سبق وسعى إلى أفلمة هذه الرواية، وفي مقدّمهم لوكينو فيسكونتي. بعض مَن سُنحت لهم فرصة مشاهدته مبكرًا، تحدّثوا عن عمل بالغ الأهمية.
من بين أكثر الأفلام ترقّبًا في هذه الدورة: «يتيم» للمخرج المجري لازلو نمش، الذي يعود بعد غياب أعقب فيلمه السابق «غروب» (2017)، العمل البديع الذي لم يُنصَف كما ينبغي رغم قيمته الفنية الكبيرة. في «يتيم»، يعود نمش إلى بودابست، وهذه المرة إلى الخمسينات، ليروي حكاية فتى تهتزّ حياته بالكامل عقب الثورة ضد النظام الشيوعي، عندما يظهر فجأةً رجل قاسٍ يدّعي أنه والده، مهدّدًا الصورة المثالية التي كوّنتها له والدته طوال حياته. مواطنته المخرجة المخضرمة إيلديكو إنييدي، تسعى إلى استعادة بريقها بفيلم جديد في عنوان «صديق صامت»، بعد تعثر تجربتها السابقة. تدور أحداث الفيلم في حديقة جامعية ألمانية، حيث تنمو شجرة جنكو عتيقة، وتتشابك حيوات ثلاث شخصيات من عصور مختلفة عبر قرن من الزمن، لتكشف كيف يمكن الطبيعة أن تمسّنا، وأن تمنحنا شعورًا عميقاً بالانتماء والإنسانية.

أفلام الحقبة، على غرار «يتيم»، تحضر بقوة هذا العام، إذ نجد ضمن المسابقة «وصية آن لي» للمخرجة النروجية مونا فاتسفولد، التي تعيدنا إلى القرن الثامن عشر، لتروي سيرة آن لي، المرأة التي أسّست حركة دينية مثيرة للجدال. وإذا كان الدين لا يزال مادة سينمائية دسمة، فالسياسة بدورها تواصل استقطاب السينمائيين، كما يتجلّى في فيلمين بارزين: الأول هو «منزل ديناميت» للمخرجة الأميركية القديرة كاثرين بيغلو، الذي ينطلق من حادثة إطلاق صاروخ نحو الولايات المتحدة، الأمر الذي يثير سباقًا محمومًا لتحديد هوية المسؤول، وكيفية الردّ على الهجوم. أما الفيلم الثاني، فهو «ساحر الكرملين» للمخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، الذي اشتغل السيناريو بالتعاون مع الكاتب إيمانويل كارير، مقتبسين رواية جوليانو دا إمبولي بالعنوان نفسه. يتناول الفيلم صعود فاديم بارانوف (يؤدي دوره بول دانو)، من فنان مغمور إلى مهندس دعاية، ثم العقل المدبّر وراء صعود بوتين، قبل أن يبدأ في كشف أسرار النظام الذي ساهم في بنائه. أساياس ليس الفرنسي الوحيد في مسابقة هذا العام، إذ هناك أحدث أعمال المخرجة فاليريا دونزيللي بعنوان «خلال العمل»، يروي قصّة مصوّر ناجح يتخلّى عن كلّ شيء ليتفرّغ للكتابة، مكتشفًا الفقر في رحلة جريئة نحو الحرية.

السينما الأميركية حاضرة بقوة، ليس فقط من خلال كوكبة النجوم المتوقّع أن يتوالوا على السجّادة الحمراء، إنما أيضًا عبر مواضيعها الشائكة. فإلى جانب جيم جارموش وكاثرين بيغلو، يُعرض أيضًا أحدث أفلام بني صَفْدي «آلة التحطيم»، الذي يتناول سيرة نجم الفنون القتالية مارك كَر، بينما يقدّم نوا بومباك «جاي كيلي»، الذي يتتبّع قصّة ممثّل شهير ومديره المخلص خلال رحلة عبر أوروبا، يتأملان فيها قرارات الماضي وعلاقاتهما المعقّدة، ويتصارعان مع إرث شخصي سيتركانه وراءهما. فيلم بومباك بطولة جورج كلوني الذي سبق أن شارك في أكثر من عشر دورات من «الموسترا»، وهو معروف بعشقه لإيطاليا التي يصفها ببيته الثاني.
السينما الإيطالية، كالعادة، لها حضورها اللافت في المسابقة، هذه المرة من خلال أربعة أفلام نأمل أن تكون على قدر التطّلعات. إلى جانب جيانفرانكو روزي، نجد «إليزا» للمخرج ليوناردو دي كوستانزو. هذا الفيلم عن امرأة تبدأ باستعادة ذكريات جريمة ارتكبتها في مواجهة مؤلمة مع الذنب، وذلك بعد عشر سنوات قضتها في السجن بتهمة قتل شقيقتها. الفيلم الإيطالي الثالث، «دوزيه»، يحمل توقيع بييترو مارتشيللو، مخرج «مارتن إيدن»، ويقدّم فيه سيرة الممثّلة إليونورا دوز وعودتها المتأخّرة إلى المسرح لمواجهة قسوة الزمن، مسلحةً فقط بفنّها، في عمل تأملي عن الهوية والعزيمة، يؤكّد أن الإنسان قد يتخلّى عن الحياة، لكن لا عن جوهره. أما الإيطالي الرابع فهو «فيلم مصنوع بإتقان» لفرنكو ماريسكو، وتدور حبكته حول اختفاء مفاجئ للمخرج بعد توقّف تصوير فيلمه عن كارميلو بيني، بفعل مشاكل إنتاجية، لتتحوّل القصّة إلى رحلة تحقيق يجريها صديقه، يجمع فيها شهادات لاستكشاف شخصية ماريسكو الحقيقية.

ثلاثة أفلام تحضر من آسيا هذا العام، تتصدّرها عودة أحد أبرز أعلام السينما الكورية: بارك تشان ووك، بفيلمه الجديد «لا خيار آخر». تدور القصّة حول مان سو، الرجل الذي يجد نفسه مطرودًا من عمله بعد 25 عامًا من الخدمة، فيواجه تحديًا وجوديًا للعثور على وظيفة جديدة. لكن، بدلًا من الاستسلام، يقرر أن يخلق لنفسه فرصة عندما توصد الأبواب أمامه. الفيلم الآسيوي الثاني هو «الشمس تشرق علينا جميعًا» للمخرج الصيني كاي شانغجون، الذي لا نعرف عنه الكثير، سوى ما ورد في الملخّص الرسمي للفيلم: رجل يضحّي بحياته من أجل الحبّ، ويتحمّل مسؤولية جريمة لم يرتكبها. الفيلم الآسيوي الثالث والأخير هو «فتاة»، أولى تجارب الممثّلة التايوانية شو كي في الإخراج. تحكي القصّة عن شابة تجد في صديقتها التي تشاركها الاسم نفسه، ملاذاً لأحلامها المكبوتة، قبل أن يعيدها ماضي والدتها إلى دوامة من الألم والصراع الداخلي.

على مستوى السينما العربية، يشارك فيلم وحيد في المسابقة هو «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. يستند الفيلم إلى واقعة مؤلمة حقيقية جرت في شباط 2024، عندما تلقّى متطوعو الهلال الأحمر نداءً من طفلة تبلغ ست سنوات، محاصَرة داخل سيارة تتعرّض للقصف الإسرائيلي في غزة. تتوسّل الطفلة النجدة عبر الهاتف، في وقت يحاول المسعفون إبقاءها على الخط وإرسال المساعدة. كانت تُدعى هند رجب (2018 – 2024). مجموعة من الأفلام العربية الأخرى تشارك في أقسام موازية: «نجوم الأمل والألم» للبناني سيريل عريس، «هجرة» للسعودية شهد أمين، «رقية» للجزائري يانيس كوسيم، و«بابا والقذافي» لليبية جيهان ك.

يحتفي المهرجان هذا العام بالمخرج الألماني الاسطورة فرنر هرتزوغ والمخرجة النيوزيلاندية جاين كامبيون والممثّلة الأميركية الهيتشكوكية كيم نوفاك، إلى جانب منح جوائز تكريمية لكلّ من الأميركيين جوليان شنايبل وغاس فان سانت، تقديرًا لمسيرتهما السينمائية الطويلة والغنية. هذا كله وسيترأس لجنة التحكيم المخرج الأميركي ألكسندر باين، الذي سيكون هو وأعضاء لجنته على موعد مع اختيار فيلم يفوز بـ«الأسد الذهب»، خلفًا للفائز في الدورة السابقة، «الغرفة المجاورة» لبدرو ألمودوفار. باختصار، وعودٌ كثيرة تزهو بالدهشة السينمائية… فكم منها سيرى النور حقّاً؟ الجواب بعد 11 يومًا.
اقرأ أيضا: 12 فيلمًا من دعم «الدوحة للأفلام» يشارك في فينيسيا 82