في منتصف الشهر الماضي، حلّ المخرج المجري إيشتفان سابو، 87 عامًا، ضيفًا على مهرجان لوميير (ليون) في مناسبة استعادة لأفلامه. وكحال باقي الضيوف، أتيحت له فرصة عقد ندوة تحدّث فيها للجمهور عن تجربته كشاهد على ما مرت به أوروبا في القرن الماضي. عرض المهرجان ثلاثة من أفلامه التي أنجزها في ثلاث حقبات مختلفة (الستينات والثمانينات ومطلع الألفية)، وفي صدارتها “مفيستو”، أفلمة لقصّة كلاوس مانّ التي نال عنها «أوسكار» أفضل فيلم أجنبي.

روى سابو، متنقّلاً بين الفرنسية والمجرية، أنه منذ ولادته، عاش ستّة تغييرات سياسية في النظام الحاكم. ستّ مرات تغيرت أسماء الشوارع والأزقّة في مسقطه بودابست. هو الذي أبصر النور، مباشرةً قبل الحرب العالمية الثانية، عاش تحت الفاشية الهنغارية، النازية الألمانية، الستالينية، وغيرها. «كلّ نظام حاول محو رموز عدوه من كتاب التاريخ وفرض نفسه»، قال بحس ساخر ونظرة مَن تصالح مع أفعال الإنسان عبر العصور.
حضر سابو إلى ليون ليتحدّث عن السينما فوفى بوعده. تناولها بشغف العجوز الذي لا تزال عيناه تتلألآن بذكرى حبّ بعيد، يتجدّد كلما استعاد حكاياته. كفنّان صورة يحمل حسًّا بصريًا عاليًا – وهذا واضح منذ فيلمه الأول «أب» (1966)، – رد الاعتبار إلى السينما كفنّ يمتلك خصوصيته، بعيدًا من تأثّره بالفنون الأخرى. كان سابو تحت الـ30، عندما قدّم «أب» الذي لا يزال معاصرًا رغم السنوات التي تكدّست عليه. هذا فيلم من جواهر السينما الهنغارية، المقلّة إنتاجًا، ولكن حين تصفعك لا بد أن تشعر بالصفعة على وجهك.

«عندما بدأتُ أستشعر شغفي بالسينما، تساءلتُ ماذا يعني الفيلم. أسرني ذلك المزيج الفريد الذي تقدّمه السينما: فنّ يجمع بين الأدب والرسم والمسرح… كلّ هذه العوالم تتلاقى في فعل إبداعي واحد. ومن خلال هذا المزيج الساحر، أصبح في الإمكان التعبير عمّا تعجز عنه الفنون الأخرى. لكن، لو اقتصرت السينما على هذا المزيح الرائع لما أصبحت فنًّا. لذلك، طرحتُ على نفسي في شبابي الأول سؤالًا جوهريًا: ما الذي تستطيع السينما أن تظهره، لا يستطيع فنّ آخر تجسيده؟ فمن دون لغتها الخاصة وخصوصيتها، لأصبحت تقليدًا، لا فنًّا قائمًا في ذاته. لذلك، بحثتُ عن كلّ ما لا نستطيع رسمه ولا كتابته ولا مسرحته أو تلحينه. أخضعتُ نفسي لامتحان: إذا لم أجد شيئًا كهذا فسأعتبر السينما أبعد ما يمكن عن الفنّ. وبين الملاحظة والدراسة، أدركتُ أن جوهر تميز السينما يكمن في الوجه البشري، في تلك المشاعر التي تولد وتتغير أمام أعيننا، في التعابير التي تتحوّل بدقّة وسرعة مع انسياب الشعور. تخيلوا مثلًا شابًا وفتاة في مقهى، قلباهما يرفرفان بالحبّ، هي تنظر إليه بعينين ملؤهما الحنان. ثم يُفتَح الباب: تدخل شابة أخرى، فاتنة الجمال، تعبر الصالة. يدير الشاب رأسه نحوها، وفجأةً يتحوّل الحبّ على وجه حبيبته إلى غيرة، ثم تتشابك الغيرة بالحبّ من جديد، ويتصدّع الفرح وينزلق نحو الألم. ثم الشاب يلتفت في اتجاه الفتاة ويصارحها بحبّه. هنا، تمنحنا السينما القدرة على تتبّع هذا الطريق الخفي، على جعل ما يختلج في الروح مرئيًا، ملموسًا. ما من فنّان تشكيلي يستطيع رسم هذا التغيير على وجه الحبيبين. قد يرسم الحبّ والغيرة والشغف، ولكن لا يستطيع رسم التبدّلات على الوجه والانتقال من الحبّ إلى الغيرة ومن الغيرة إلى الحبّ، ومن الغبطة إلى الألم ومن الألم إلى الغبطة».
يؤمن سابو بأن المُشاهد يرتاد السينما ليطّلع على الوجوه. وجوه ممثّلين وممثّلات يرتسم على ملامحهم الضحك والبكاء وغيرهما من التفاصيل. يذكر وجوها تركت فيه أثرًا: كاترين دونوف، مونيكا فيتّي، ميريل ستريب… يصر أن تاريخ السينما مبني على هذه الوجوه، وما يدهشه أن كلّ حقبة لها وجوهها الخاصة: وجوه تجسّد عظمتها وانحطاطها. هذه وجوه يتماهى معها المُشاهد أو أقلّه يرغب في ذلك.

ثم بنبرة أكثر جدية، وبأفكار مبعثرة يصعب أحيانًا إيجاد رابط بينها، يتساءل: لماذا، في منتصف الثلاثينات، انجذب العالم إلى سيدة سويدية اسمها غريتا غاربو؟ «كان هذا في زمن صعود هتلر. وهذه كانت أيضًا حقبة ستالين وفرانكو، عصر الديكتاتوريات. راح الناس يختبئون خلف البدلات التي ارتدوها. ومع ذلك، كانت في هوليوود سيدة، تشعّ كرامة لا تتزعزع، امرأة وفية لنفسها، لا تُفسدها الرغبات، دائمًا صادقة في نزاهتها. كانت تذكّرنا بأن هناك بشرًا لا يُمكن المساومة عليهم، ويجب أن ننظر إليهم باحترام. ثم بدأنا نرقص فوق البركان. بعد الحرب، تغيّر العالم. فهم الناس أن قطعة حديد واحدة يمكن أن تنهي حياتهم في أي لحظة. فكان لا بد أن يعيشوا الحياة بكلّ ما فيها: أن يحبّوا، أن يتلذّذوا بكلّ وجبة طعام، أن يشعروا بقوة أجسادهم، أن يلمسوا بعضهم البعض، أن يحتفلوا بالوجود. كان من الضروري تذوّق اللحظة، كما لو كانت يتيمة، كما لو كانت آخر لحظة على الأرض. ثم عادت التوتّرات: كوريا، فيتنام… وفي الوقت نفسه، بدأت النساء يطالبن بحقوقهن. رفعن راية الحرية والسلام، وبمرور الوقت اخترقن ميدان السياسة ووصلن إلى أعلى المناصب. ويمكن تتبّع مسار تاريخي مماثل بالنسبة الى الرجال. خذوا طريق روبرت تايلور، وهو يتسلّق إلى القمم، وصولًا إلى جيمس دين. بعض الوجوه السينمائية أصبحت أيقونية، مثل وجه أنتوني بركينز في مرحلة كان دخل فيها المثقّفون السياسة. وبجانب الشخصيات العامة مثل مارتن لوثر كينغ أو روبرت كينيدي، ظهر رجال عاديون لكنهم عازمون، من أساتذة وعلماء رياضيات يكافحون بطاقة مُلاكم. أطلّ علينا ممثّلون يحملون أسماء مثل داستن هوفمان وآل باتشينو».
في عالم متغير باستمرار، قدّمت السينما في نظر سابو وجوهًا تتبدّل بتبدّل الزمن: وجوه لطيفة، حنونة، تفيض بحرارة الإنسان. ثم جاءت من الجهة الأخرى وجوه باردة، صلبة، كأنها وُلدت من الرخام. فإلى جوار ملامح جيرار فيليب الطيبة، المشبّعة بالرهافة والرومانسية، اندفع إلى الشاشة وجهٌ صلد كالحجر: بلموندو مع ما يحمله من نظرة تمرد وجسد يتحدّى النظام القائم. وبعده تقدّم وجه دولون ببروده الأنيق. ثم بيكولي، ذلك الوجه الذي يحمل في صمته لؤم العالم كلّه.
«ما أريد قوله ببساطة»، أوضح سابو، «أن التحوّلات التي نعيشها معا لا تغيّر حياتنا فحسب، إنما تغيّر أيضًا الوجوه التي نحتاج أن نراها على الشاشة. الوجوه التي نتعلّق بها، أو نتمرد من خلالها، أو نتماهى معها، بحثًا عن معنى لحياتنا. ثم يجب أن نفهم شيئاً أساسياً: ليس المنتجون هم مَن يختارون الممثّلين والممثّلات، ولا حتى المخرجون. دائمًا ما يكون الجمهور هو مَن يقرر، من خلال نظره ومشاعره، أي وجه سيلمسه، وذلك اعتقاداً منه بأن هذا الوجه يعبّر عنه في الحقبة التي يعيشها. يمكن لوجه أن يظهر فجأةً، يسرق الانتباه، ويظلّ محفورًا في الخيال الجمعي. كلّ وجه يمثّل حقبة معينة. والمخرجون الذين لديهم بعض الرؤية يختارون ممثّليهم بناءً على هذه الحقيقة. أما الآخرون، الأقل وعيًا وذكاءً، فيختارون صديقاتهم. هذا كلّه تعلّمته من خلال العمل مع الممثّلين».

علمنا من سابو أنه كان عليه دائمًا تعلّم اللغات. التحدّث بلغة أخرى غير لغته أثناء التصوير، لقّنه الكثير. عندما بدأ تصوير «لقاء فينوس» مع غلين كلوز، راح يديرها باللغة المجرية وكانت المترجمة تنقل كلماته بدقّة إلى الإنكليزية. تحملت كلوز هذا الوضع لفترة وجيزة، ثم قالت له: «أنظر إليّ من فضلك، وقل لي ببطء ما تريدني أن أفعل. إني أستطيع رؤية ما تريد قوله في عينيك». يروي سابو هذه الواقعة للاشارة إلى أهمية الوجه وتعابيره، سواء على الشاشة أو في الحياة.
«الممثّلون يعرفون جيدًا أهمية الكلوز أب. جيريمي أيرونز استغرب ذات يوم كيف أنني أنهيتُ يوم تصوير من دون أن ألتقط كلوز أب واحد لوجهه. في المسرح، يحدث الكثير من خلال النظرات. لكن، حتى إذا جلستَ في الصفوف الأمامية، فلن ترى دقّة النظرة. مهنة التمثيل تُبنى على هذه التبادلات الصامتة. أذكر مشهدًا مع كلاوس ماريا برانداور وممثّلة ألمانية في «كولونيل ريدل»: كانا داخل الإطار، يتبادلان النظرات. المحاولة الأولى كانت سيئة، الثانية أسوأ، والثالثة أيضًا لم ترضني. اجتمعتُ ببرانداور، فقال لي وهو مذهول إن الممثّلة لا تنظر في عينيه عندما تتحدّث وإياه، الأمر الذي يربكه. استغربتُ لأنني كنت متأكدًا أنها تنظر إليه. رد بأنها تنظر إلى فمه لا في عينيه. ثم تحدّثنا بهدوء مع الممثّلة، شخّصنا المشكلة، وأعدنا التصوير: فكان المشهد مثاليًا. التغيير الطفيف في الضوء، في النظرة، هو الذي يصنع كلّ الفرق. هذا كله يمد الفيلم بمعنى وقيمة».
اقرأ أبضا: 130 عامًا على اختراع الأخوين لوميير: السينما فنّ بلا مستقبل؟