عقد مهرجان «كانّ» السينمائي المؤتمر الصحافي الخاص بفيلم «The Man I Love» للمخرج إيرا ساكس، وبطولة النجم الحائز على الأوسكار رامي مالك، والذي شهد عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ79.
واستعرض الحديث ملامح التجربة الإنسانية في استحضار نيويورك الثمانينات، إذ أكد صنَّاع الفيلم أنّ العمل ليس مجرّد توثيق لمرحلة الفقد والأبعاد السياسية لمرض الإيدز، بل احتفاء فلسفي بروح المقاومة، والرغبة الجارفة في الحياة والفنّ والحبّ غير المشروط حتى اللحظات الأخيرة.
وتدور أحداث العمل في نيويورك النابضة بالحياة خلال أواخر الثمانينات، فيتتبّع قصة «جيمي جورج»، وهو فنان أداء استعراضي يعيش لحظة استثنائية فارقة بين المرض الشديد والموت، في مناخ لا يزال يتّسع لكلّ أشكال الجمال والحب الممكنة.
وشهد المؤتمر حضورًا مكثفًا لصنَّاع العمل من الممثلين والفنيين والمنتجين، الذين تحدّثوا عن كواليس صناعة هذا الأثر الإنساني وتحدّيات استحضار تلك الحقبة التاريخية.

وخلاله، كشف المخرج إيرا ساكس عن الجذور العميقة لهذا المشروع، مشيرًا إلى أنه التقى بالكاتب الشريك ماوريسيو زاكارياس قبل 15 عامًا، حيث كانا يريان نفسيهما من الناجين من تلك الحقبة الزمنية، ويحملان ذكريات فريدة قد لا يشعر بها الآخرون.
وأوضح أنّ الأمر استغرق منهما 15 عامًا وستة أفلام كاملة للوصول إلى الجاهزية الفنية والنفسية لرواية هذه القصة، مؤكدًا أنّ الهدف كان استحضار مرحلة اتّسمت بالظلمة والفقد والحزن الشديد، لكنها كانت، في الوقت عينه، مفعمة بروح جماعية مليئة بالفن والبهجة والألم.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب ماوريسيو زاكارياس أنّ القصة كانت الرابط الأول الذي جمعه بالمخرج منذ لقائهما الأول، إلا أنهما أدركا غريزيًا حاجتهما إلى الوقت واكتساب منظور أعمق يتطلَّب أكثر من عقد، ممّا دفعهما إلى تأجيلها وصناعة أفلام أخرى حتى حان الوقت المناسب.
إعادة إحياء صورة الثمانينات
استعرض فريق الفيلم آليات الغوص في تلك الحقبة التاريخية وإعادة إنتاجها بصريًا، فأشار مصمّم الإنتاج تومي لوف إلى الاعتماد الكبير على أعمال الفنانين الذين عاشوا في تلك المرحلة، وتحديدًا المصور الكبير ألين فريم، الذي وثَّقتها كتبه وصوره بدقة، وشكلت مصدرًا رئيسيًا لاستيحاء الألوان النابضة بالحياة.
وأيَّدت مُصمّمة الأزياء ميغان غراي هذا التوجّه، مشيدةً بالثراء المعلوماتي والمراجع الغنية التي وفرها المخرج إيرا ساكس، موضحةً أن التنسيق المشترك ركَّز على دراسة الألوان، إذ تتناغم الشخصيات أو تبرز بأسلوب يعكس روح الثمانينات مع الحفاظ على طابع خالد وعابر للزمن.
وعقَّب مدير التصوير خوسيه ديسي مؤكدًا أنّ الحسّ الجماعي لدى المخرج ساعد في خلق تعاون وثيق بين تصميم الإنتاج والأزياء والإضاءة، مُستلهمين الحالة المزاجية العامة من مراجع السينما وفيديوهات تلك المرحلة، بدلًا من النسخ الحرفي، وذلك عبر تحضير مُكثَّف رغم قصر مدته.
استلهام شخصية جيمي جورج
بدوره، تحدَّث الفنان رامي مالك عن كواليس تجسيده للشخصية، مؤكدًا أنه انغمس بالكامل في مُشاهدة كلّ ما يتعلق بها، وكان مسحورًا برفضها المُطلق والمستمر للاستسلام.

وأوضح أنه ركز على هذا الرفض العنيد للاختفاء والزوال لديها، مشيرًا إلى أنه، رغم حضور نبرة الموت في خلفية الفيلم، فإنه يتحدّث، في جوهره، عن الحياة بفيضها وحميميتها الإنسانية وعلاقاتها، معتبرًا أن الالتزام بالإبداع شكل من أشكال البقاء المُطلق.
وأضاف مالك أنّ التجربة كانت محاكاة للفنّ، ولحياة ماضية تتدفَّق بالجمال والعفوية.
الربط بين الماضي والحاضر
وتطرَّق المؤتمر إلى الأبعاد السياسية والروابط بين الماضي والحاضر، وتحديدًا بين حقبة الثمانينات، عندما تخلَّت الحكومة الأميركية إلى حد كبير عن مرضى الإيدز، والوضع السياسي والتشريعي الحالي في الولايات المتحدة. وعلَّق ساكس بأنه كان عضوًا ناشطًا في تحالف «ACT UP» (ائتلاف السيطرة على الإيدز)، مستشهدًا بشعارهم التاريخي: «الصمت يساوي الموت».
وأوضح أن رواية مثل هذه القصص وإيجاد مساحة لها يُعدَّان معركة، مؤكدًا أن الغضب حاضر في تفاصيل الفيلم، ولا سيما في أداء رامي مالك لأغنية داخل العمل، مليئة بطبقات من الفقد والجمال، وأيضًا الغضب المشترك بين الماضي والحاضر.
مفهوم الحبّ والدعم الإنساني في الفيلم
وفي ما يتعلق بطبيعة شخصية «دنيس»، التي تُمثّل نموذجًا للحبّ غير المشروط، أشار الممثل توم ستوريدج إلى أنه تفهم خيارات الشخصية تمامًا، إذ يستعرض الفيلم جانبًا غير مطروق كثيرًا في السينما، وهو العلاقة بين الفنان وغير الفنان، والحبّ الذي يتطلب إبداعًا هائلًا وخيالًا واسعًا لرعاية بيئة تسمح للشخص الذي تحبه بالتعبير عن نفسه، وأن يكون النسخة الأكمل من ذاته، معتبرًا ذلك رسالة ملهمة تستحق التفاني.

من جانبه، أوضح الكاتب ماوريسيو زاكارياس أنّ الشراكة الممتدة لـ15 عامًا مع إيرا ساكس تقوم على المتعة والحديث عن الحياة والناس قبل بدء أي مشروع. وأشار إلى أنّ النية منذ البداية في هذا الفيلم كانت كتابة شخصية تعيش يومها بكلّ تفاصيله بدلًا من القلق المستمر بشأن المستقبل القريب، وهو ما يُمثّل الرغبة الجارفة في الحياة.
ووصف الفنان لوتير فورد المخرج إيرا ساكس بأنه كان حبل النجاة والمكتبة السينمائية الحية له طوال مرحلة التصوير، نظرًا إلى ثقافته الواسعة وتجربته الذاتية، اللتين تمنحانه ذكاءً وتعاطفًا، ممّا جعل لكلّ مرجع يقدّمه تأثيرًا عميقًا.
وأكد ستوريدج عفوية وسلاسة العملية الإبداعية، حيث كان المخرج يشاركهم تدريجيًا مواد سينمائية وأدبية مميزة، مثل كتاب «Borrowed Time» لبول مونيت، وأفلام شانتال أكرمان، وجون كاسافيتس، وموريس بيالا، لمنحهم فهمًا أعمق للغة السينمائية والوصول إلى الحقيقة الإنسانية.
وعقَّب ساكس موضحًا أنّ الهدف كان صناعة فيلم صادق مع الماضي، لكنه، في الوقت نفسه، يُشعر طاقم العمل والمشاهد بأنه يُصنع في الحاضر، مؤكدًا استمرارية الرابط بين نيويورك في الماضي
واليوم، وهو رابط يشمل فقدان أشخاص مثل نيلسون سوليفان، وبول مونيت، وبيتر حجار.
وأضاف أنّ الحقبة الزمنية بالنسبة إليه كانت مجرّد اتجاه ومسار، ولم تكن يومًا قفصًا يُقيّد العمل.
اقتباس مسرحية ميشيل تريمبلي
وفي ختام المؤتمر، سُلَّط الضوء على استعانة المخرج بمسرحية الكاتب الكندي ميشيل تريمبلي، والفيلم الذي أخرجه أندريه براسار عام 1974 والمستوحى منها.
وأضاف ساكس أنه، عندما واجه فجوة في كتابة النص تتعلّق بطبيعة العمل الفنّي الذي تؤدّيه الفرقة المسرحية داخل الفيلم، تذكر هذا العمل وصورة شخصية «كارمن»، ووجد فيه رابطًا غير تقليدي ينسجم مع روح الفرقة التجريبية في الفيلم.
وأعرب عن سعادته بثقة طاقم العمل والممثلين، الذين وافقوا على هذه الفكرة الجنونية المتمثّلة في إعادة إحياء أجزاء من فيلم أُنتج عام 1974 ولم يسمع به كثيرون، ليصبح حكاية رمزية جميلة تعكس عمق الثقة والتعاون الفنّي في هذا المشروع السينمائي المميّز لعام 2026.