عام 2010، قدَّم المخرج ديفيد فينشر فيلم «الشبكة الاجتماعية»، الذي دارت أحداثه حول تأسيس مارك زوكربيرغ موقع «فيسبوك»، أشهر موقع تواصل اجتماعي، وربما الموقع الذي جعل العالم يستخدم بالأساس مصطلح «تواصل اجتماعي». حصل الفيلم على تقدير واسع، خصوصًا للسيناريو الرائع الذي كتبه آرون سوركين، والذي حصل عنه على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مقتبس. النجاح الساحق للموقع صنع رغبة كبيرة في استكشاف مَن يقف وراءه ومن أين انطلق، والفيلم لم يخذل هذا الغرض على الإطلاق.

«إيجي بست»، إخراج مروان عبد المنعم وتأليف أحمد حسني، ينطلق من فكرة مشابهة؛ إذ يقدّم قصة أشهر موقع مصري لقرصنة الأفلام في السنوات الأخيرة، والشباب الذين أسَّسوه، ولكن، على عكس الفيلم الأميريكي، لم ينجح «إيجي بست» في استغلال الفكرة بالشكل الأمثل.
نصف شخصيات
منذ تتابعات البداية، نشعر أننا شاهدنا ذلك من قبل: الصديقان اللذان لا يفترقان، والحبيبة التي يهواها أحدهما منذ الطفولة. هذه التيمة مكرَّرة في السينما والتلفزيون على السواء؛ أحمد مالك نفسه قدَّمها قبل عام في التلفزيون في «ولاد الشمس»، لكن الرهان على المعالجة، وما الذي سيفعله هؤلاء الثلاثة، وما الذي يميزهم عن غيرهم من الشخصيات؟

سريعًا «يحكي» الفيلم عن شخصياته، واستخدام «يحكي» مقصود، لأننا نستمع إلى أغلب التفاصيل من خلال الراوي، وهو أحد الصديقين، محمد شوقي (أحمد مالك)، والذي يبدو مثل مَن يملأ الفراغات التي لا يستطيع السيناريو التعبير عنها، فيُخبرنا إياها بالحوار. الصديق الآخر هو صابر (مروان بابلو)، بينما الفتاة هي أنوار (سلمى أبو ضيف)، حبيبة شوقي. في فيلم مثل هذا يعتمد على وجود شخصيتين أساسيتين، يُفضَّل وجود تفاصيل حقيقية للتفرقة بينهما؛ النموذج الأبسط هو «المخ» و«العضلات»، أو الشخص الذي يفكر والآخر الذي ينفّذ. يظهر هذا بشكل طفيف في البداية: شوقي يُجيد القرصنة الإلكترونية، ومن خلالها يبيع امتحانات الجامعة للطلبة، بينما صابر، لا ندري ما الذي يميزه حقًا. لقد جاء بفكرة ذكية لتصوير الأفلام داخل قاعات السينما، وكانت هذه الفكرة الوحيدة المميزة التي أتى بها بالفعل خلال الفيلم كلّه، فكأنّ هذه الشخصيات لم يكتمل نضجها وأبعادها على الورق من الأساس.

في «الشبكة الاجتماعية»، على سبيل المثال، سنجد أنّ الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم هما مَن يحركان الأحداث بشكل كامل، وتحوّل العلاقة بينهما من صداقة إلى عداوة قرب النهاية، له تدرّج واضح وما يبرّره في جينات كلّ شخص منهما، بينما في «إيجي بست» يكتفي الفيلم بعرض ملامح بسيطة عن صابر، حتى منتصفه، عندما يقرّر أن يخبرنا فجأة بسرٍ من دون أيّ تمهيد سابق، فقط لصناعة صراع بين الشخصيتين.
ينطبق هذا بشكل أسوأ على بقية شخصيات الفيلم؛ إذ يضيفون شخصيات أخرى وفق حاجات الموقع، لكننا لن نجد فرقًا حقيقيًا في أهمية نواوي (ميشيل ميلاد)، المُبرمِج، والطفل لبة، المُبرمج والقرصان الإلكتروني أيضًا.
نصف حقيقة
الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية، ويجدر التوضيح أنّ من حق صُنّاعه تمامًا إضافة بعض الأحداث وحذفها لضرورات الدراما، لكن دون أن يضر ذلك بمنطق الأحداث. منذ البداية، يقدّم «إيجي بست» كلّ فكرة جديدة في الموقع كأنها طفرة وشيء غير مسبوق، في حين أنه في ذلك الوقت لم تكن قرصنة الأفلام شيئًا جديدًا، إذ كانت هناك مواقع شهيرة تعرض الأفلام المقرصنة، أو على الأقل تتيح تحميلها، خصوصًا عندما نتحدّث عن الأفلام الأميركية التي كانت متاحة على كثير من المنتديات المجانية. ينطبق هذا أيضًا على فكرة الترجمة التي أضافوها لأفلام الموقع، والتي قدّمها الفيلم أيضًا على أنها فكرة جديدة، في حين أنها كانت مُتاحة، وكانت ثمة أسماء شهيرة في ذلك المجال قبل ظهور «إيجي بست» بسنوات. ما قدّمه الموقع بالفعل هو أنه كان أكثر إتاحة وأسهل استخدامًا، ويجمع عددًا كبيرًا جدًا من الأفلام المصرية الكلاسيكية، إلى جانب الأفلام الحديثة المسروقة من السينما بعد عرضها الأول.

لكن يبدو أن صُنّاع الفيلم فضّلوا ما يخدم الأحداث دراميًا على الاستعانة ببعض الحقائق التي كان من الممكن أيضًا أن تصنع فيلمًا جيدًا. يمتد هذا إلى منطق الأحداث أيضًا؛ إذ بالتأكيد يعتمد موقع مثل هذا على مترجمين عدّة لترجمة الأفلام، لكننا نشاهد واحدًا فقط يستمر معهم حتى النهاية، وكان الاهتمام الأكبر بإضفاء بعض الكوميديا من خلال شخصية مدرّس اللغة الإنجليزية الذي يعطّش حرف «G» في كلّ الكلمات، وحتى هذا لم ينجح في صناعة الكوميديا.
في ما يخص الحقائق، يمكن لمس أن صُنّاع الفيلم اهتموا بشكل أكبر بالمواقف الطريفة، مثل وجود طفل يجيد قرصنة المواقع، على حساب منطق الأحداث أو قربها من القصة الحقيقية للموقع الشهير، وهو ما يظهر بشكل أكبر في الفصل الأخير الذي يركّز على المفاجآت والمؤامرات أكثر من أيّ شيء آخر.
نصف إعلان
مع بداية الفيلم وحتى النهاية، سنجد أنماطًا مكرَّرة في المشاهد، في ما يبدو على أنه أسلوب إخراجي، لكنه لا يتراءى مناسبًا للفيلم، وإنما أقرب إلى إعلان تجاري طويل. الفيلم يضم ملامح من أنواع سينمائية داخله، أبرزها الكوميديا مع أفلام العصابات، لكنه لا ينجح في الحفاظ على أيّ منهما بشكل كامل؛ إذ يبدو النصف الأول أقرب إلى الكوميديا بشكل واضح، بينما تتراجع في النصف الثاني لمصلحة طابع أكثر جدّية، ولا يبدو هذا الانتقال سلسًا، بل كأنهما نصفان منفصلان.

بينما ما حافظ المخرج عليه هو مَشاهد «الفوتو مونتاج» التي تكرَّرت بشكل مُبالغ فيه طوال الأحداث، ولا أعتقد أنه يمكن تذكُّر أيّ منها بعد انتهائه. هذا النوع من المَشاهد يُستخدم عادة لتكثيف مرحلة زمنية ما أو اختصار عملية تستغرق وقتًا طويلًا في لقطات سريعة عدّة، بينما استخدمه الفيلم بشكل متكرّر أفقده تأثيره، وربما منح إحساسًا ما بسرعة الأحداث، لكنه لم يضف بشكل حقيقي إلى الحالة العامة للعمل.
أخيرًا، تتجلّى جماليات مدينة الملاهي، التي صارت مُستَخدمة بشكل زائد في الأفلام والمسلسلات؛ إذ يلتقي البطلان بشكل منتظم طوال الأحداث داخل مدينة ملاهٍ مهجورة، ويدخلانها بمنتهى السهولة، بل ويستخدمان إضاءتها أيضًا، وهو ما قد يبدو جيدًا بالنسبة إلى الحالة البصرية للفيلم نفسه، حتى ولو على حساب المنطق.

الجانب الأخير الذي تجدر الإشارة إليه هو أنّ الفيلم يُجسّد صُنّاع السينما كأنهم مجموعة من اللصوص؛ فالمنتج الوحيد الذي يظهر، محاولًا الاتفاق مع صابر لتأجيل طرح فيلمه على الموقع لأسبوعين، يبدو أقرب إلى زعيم عصابة كما كنا نشاهده في أفلام الأبيض والأسود، ويتأكد الأمر عندما يستعين ببعض البلطجية لاحقًا، بينما يؤكد شوقي وصابر في أكثر من مناسبة أنهما يصرّان على أن يكون موقعهما مجانيًا بالكامل للجمهور، وأنهما لن يُحصّلا النقود مثلما يفعل صُنّاع السينما. حتى وإن كان هذا غير مقصود، فإنها مفارقة عجيبة أن يُصوّر فيلمٌ سينمائي قراصنةَ الأفلام أبطالًا مقابل صُنّاع السينما، حتى وإن حاولوا تجاوز هذا بشكل عابر في مشهد النهاية.