لا تحظى الأفلام القصيرة عادةً بالاهتمام الجماهيري الكافي، إذ غالبًا ما تُحصر داخل إطار ضيق يُعرف بـ«أفلام المهرجانات»، تلك التي يُنظر إليها على أنها نخبوية، موجهة لنقّاد وصنّاع أفلام يتهامسون داخل أروقة مغلقة، بلغة سينمائية يصعب على المشاهد العادي الانخراط فيها. جمهور المنصات عادةً يبحث عن السريع، المفهوم، والمباشر، ولهذا نادرًا ما يجد فيلم قصير طريقه إلى شاشته، إلا في حالات قليلة: أن يكون مثيرًا للجدل، أو متجاوزًا لقيود الرقابة، ما يمنحه فرصة استثنائية للعرض عبر إحدى منصات البث التدفقي.
لكن، ماذا لو كُسرت هذه الصورة النمطية؟ ماذا لو خرج فيلم قصير من قاعة المهرجانات إلى شاشة المشاهد في بيته؟ هل سيلقى الاهتمام نفسه؟
هي مغامرة جريئة قرر المخرج كريم شعبان خوضها، حين أعلن في منشور على حساباته الرسمية، بتاريخ 1 يوليو، عن إتاحة فيلمه القصير «إن شالله الدنيا تتهد» على منصة يوتيوب مجانًا. خطوة لاقت دهشة وفرح جمهور الأفلام القصيرة، خصوصًا أن من النادر إتاحة فيلم «مهرجاناتي»، على حد وصفهم، على أي منصة مفتوحة، فكيف إذا كانت مجانية مثل يوتيوب؟
«إن شالله الدنيا تتهد»، الذي طُرح العام الماضي، عُرض في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية المهمة، من بينها مهرجان بالم سبرينغ ومهرجان دبلن. وهو ثمرة التعاون الثالث بين المخرج كريم شعبان والسيناريست وائل حمدي، بعد الفيلم القصير «شفت مسائي» (2020)، الذي مثّل انطلاقة الممثل عصام عمر، والفيلم الروائي الطويل «6 أيام» الذي صدر هذا العام ونال استحسان الجمهور والنقّاد.
يرصد الفيلم يومًا واحدًا في حياة المنتجة الفنية الشابة لبنى (تجسدها سلمى أبو ضيف)، يبدأ من لحظة خروجها من بيتها، مرورًا بموقع التصوير، وصولًا إلى عودتها لمنزل أسرتها. لكن هذا اليوم العادي ينقلب رأسًا على عقب حين يتلقى الممثل العجوز فاروق (عماد رشاد) خبر وفاة أعز أصدقائه، ويُعلن رغبته في مغادرة التصوير للمشاركة في جنازته.

هنا تبدأ أزمة لبنى. إذ يتعارض قرار فاروق مع متطلبات «منظومة العمل» داخل الاستوديو، ويهدد بإرباك جدول التصوير، ما ينعكس مباشرة على قسم الإنتاج الذي تعمل فيه لبنى. في هذا السياق تتجلى أولى معضلات الفيلم الأخلاقية، أو ما يُعرف بـ«ديلاما» البطل.
ديلاما البطل: بين المادي والإنساني
الـ(Dilemma) أو المعضلة الأخلاقية، بتعريفها الاصطلاحي، هي وجود خيارين أمام البطل، كلاهما سيئ، ما يجعل الاختيار بينهما صعبًا. وكلما كانت تلك الخيارات أكثر تعقيدًا، زادت من حيرة البطل وعمق مشكلته، كما تعمق من تورط الجمهور أيضًا، وهو ما يحدث هنا بالضبط.
المعضلة هنا نراها متمثلة في جميع شخصيات الفيلم بنسب متفاوتة، بدءًا من شخصيات ليس لها حق في الاختيار، مثل مخرج الإعلان الذي يجسده أمير صلاح الدين، وصولًا إلى مدير الإنتاج (عماد الطيب) الذي يختار مصلحته على الفور، ثم إلى شخصيات تتمثل المعضلة فيهم بوضوح.

أولهم هو الممثل فاروق، الذي يبدو أنه لم ينل نصيبه من الشهرة، ما يجعل هذا الإعلان بمثابة تقدير لموهبته، إذ يُشار إلى أنه «بكى» عند معرفته بأنه قد اختير للدور. وتتمثل معضلته في الاختيار بين ما يعتبره فرصة العمر، وبين عزاء صديق عمره. في الخيار الأول، يضطر فاروق إلى نسيان ما هو إنساني لصالح المجد، وفي الثاني، يختار القيم الإنسانية على حساب حلم طال انتظاره.
لا يستغرق فاروق في التفكير كثيرًا، إذ نراه يميل للذهاب إلى عزاء صديقه، ضاربًا بالفرصة عرض الحائط، في إشارة إلى غلبة الجانب الإنساني لديه.
وهنا تتجلى معضلة أخرى، متمثلة في لبنى. فمن ضمن مهامها «احتواء الموقف»، فنراها عاجزة بعد أن يثور مدير الإنتاج ويقسم: «مش هيخرج حد من الاستوديو غير لما الإعلان يخلص، إن شالله الدنيا تتهد».

أمام لبنى خياران: الأول هو إخلاء مسؤولية مدير الإنتاج والسماح لفاروق بالذهاب إلى العزاء، وهو حلّ تطرحه على مدير الإنتاج وتُظهر سهولة تنفيذه. والثاني هو إقناع فاروق باستكمال التصوير، حفاظًا على المصلحة العامة والشخصية. ويتبدى لنا ميل لبنى لما هو إنساني، من خلال ردود أفعالها وتعاطفها مع فاروق.
«إن شالله الدنيا تتهد»: منظومة استهلاكية تبتلع الجميع
يدخل فاروق لغرفة استراحته تتبعه لبنى، نرى لبنى تفصح بتعاطفها معه، فيما تحكي له حكاية عن تعرضها لنفس الموقف حين وفاة أبيها، وعن عدم قدرتها الذهاب لدفنه، فيما تخبره أيضًا أنها لا تعرف إن كانت قد اختارت الصواب أو الخطأ، فهي حينها لم تملك رفاهية الاختيار.
ينقل لنا هذا المشهد، بواقعية إنسانية عالية، قسوة صناعة الميديا، وكيف أنها تجبر كل عامليها على نسيان ما هو إنساني، مضطرين في البداية، ثم معتادين لاحقًا.

وتزداد المفارقة قسوة حين نعلم أن الإعلان ليس لمنتج مصيري، بل مجرد إعلان «آيس كريم»، يظهر فيه فاروق وهو يضحك ويرقص مع فتاة صغيرة. وهو ما يُعد قياسًا بأشياء أخرى قد تكون مهمة «تافهًا»، بالتالي يضعنا كريم شعبان هنا في معضلة صعبة كمشاهدين.
ولكن الأمر غير مقتصر على اختيار ما هو تافه فقط، بل من وجهة نظر أخرى، فما هو تافه خاضع لمنظومة كاملة، احترافية، تلزم الانضباط وتنبذ كل ما هو عاطفي وإنساني. وهو، من منطق ما، يصبح «شيئًا معقولًا» إن أحلناه إلى مفهوم «الالتزام»، والالتزام هو صفة نمارسها يوميًا في جميع مناحي الحياة، وإن كان شيئًا مستحبًا في البدء، فهو بالتبعية، ومع الاعتياد، يجعل من الإنسان روبوتًا، محكومًا بقواعد ميكانيكية، تجعل منتهجها في النهاية مجرد آلة منزوعة من العواطف.
لذا، لا عجب في تكرار عبارة «إن شالله الدنيا تتهد» على لسان لبنى حين تحكي عن والدها، وهي الجملة التي تتكرر دومًا في سياق الإنساني المخنوق، وكأن الفعل الإنساني في هذا العالم الآلي هو النهاية ذاتها، أو على الأقل، خيانة لقوانينه.

لبنى وفن العيش بالقناع
أخيرًا، يقتنع فاروق بكلام لبنى عن القيمة المعنوية التي سيحصل عليها إن استكمل الإعلان، ونتيجة تأثره بحكايتها وتصديقه لها، يقرر استكمال التصوير. لكن، يُطلب منه أن «يبتسم أكثر» كي يكون أداؤه أكثر «صدقًا».
هنا مفارقة أخرى يضعها صناع العمل، فلكي يظهر فاروق في الإعلان أكثر صدقًا، مضطر للظهور بصورة أخرى مغايرة لحقيقته، المتمثلة في شعوره اللحظي بفقدان أعز أصدقائه، وهو ما يُعرف بـ«البيرسونا».
والبيرسونا، بتعريف عالم النفس كارل يونج، هو القناع الذي يلبسه المرء لكي يتوافق مع المجتمع والمنظومة من حوله، ولكنها في النهاية ليست حقيقته، بل هي ما يلزمه لكي يتواءم مع محيطه.

يحذر يونج من التماهي مع القناع، ويعادل ذلك التماهي اللحظة التي يكمل فيها فاروق الإعلان، فيجد نفسه وحيدًا في غرفة مبنية من ديكور سريعًا ما تتفكك، لينتهي منبوذًا لا يكلمه أو يهنئه أحد، وكأنه ليس موجودًا حتى. الصورة تبرد، ويتسلل الأزرق الباهت إلى الكادر، بديلاً عن الأصفر الدافئ الذي صاحبنا في البداية.
المفاجأة في النهاية عندما نرى لبنى بعد مغادرة الاستوديو وهي تتحدث إلى أبيها في الهاتف، في مشهد صادم تخبره فيه بأنها قادمة لتناول الغداء معهم.
هنا تظهر حقيقة مغايرة للبنى، إذًا لم تكن تلك الفتاة الوديعة، المتعاطفة مع فاروق، بل كان تعاطفها مجرد قناع لكي تستطيع «هندلة فاروق» – الهندلة مصطلح مستعرب يُستخدم للإشارة إلى السيطرة على الوضع – لنكتشف بالتبعية أن للبنى من البدء أقنعة متعددة.
ففي البيت تظهر كطفلة صغيرة، تمارس هوايتها بصنع الإكسسوارات وحيدة، وفي العمل ترتدي قناعًا آخر يمكّنها من تسيير الأمور، ووسط أسرتها هي فتاة العائلة اللطيفة.

فطوال الفيلم، تظهر إشارات بصرية وحوارية تدل على تعدد شخصياتها. حيث نراها في مشهد منقسمة في المرآة لاثنين، في دلالة على تعدد أقنعتها، وفي المشهد التالي تطلب من سائق السيارة أن يفتح الشباك قليلًا لكي لا تتأثر ملابسها برائحة الدخان.
إذن فلبنى تنسلخ عن حقيقتها في كل مرة، وتتماهى بسهولة مع كل حقيقة بحسب المحيط المتواجدة فيه، وتنتقل بين شخصياتها المختلفة: الطفلة، والعاملة، وفتاة العائلة المحببة.
وفي النهاية، نراها في مشهد ختامي تجلس على سفرة الطعام مع عائلتها، فيما توجه نظرها للجمهور وتكسر الحائط الرابع، وكأنها تشير إلى اتفاق ضمني، المبدأ فيه هو ارتداء الأقنعة لسهولة العيش، وكأن الزيف هو العامل الوحيد المشترك بين البشر، وهو الذي يحكم.
اقرأ أيضا: «المانيفستو السينيفيلي».. هكذا بدأت الحكاية