بعد الجدل الذي أثاره بفيلمه «The Teachers’ Lounge» («غرفة المعلمين»، 2023)، الحائز جائزة في مهرجان برلين السينمائي الدولي والمرشّح إلى الأوسكار، عاد المخرج الألماني التركي إلكر تشاتاك بفيلمه الجديد «Yellow Letters» («رسائل صفراء») ليحصد جائزة «الدب الذهبي» في المهرجان نفسه، مواصلاً اشتباكه مع الأسئلة الكبرى، لكن من زاوية أكثر خصوصية وقسوة.
وقال تشاتاك لـ«فاصلة» إنّ «رسائل صفراء» وُلد من شعور شخصي بالقلق، يتعلَّق بمصير الفنان حين تتحوَّل السلطة إلى رقيب دائم، مشيرًا إلى أنّ نجاح «غرفة المعلمين» لم يدفعه إلى الاطمئنان، وإنما إلى البحث عن موضوع أكثر حساسية، لأنّ ما يشغله اليوم هو فكرة الإقصاء الصامت الذي لا يضع الإنسان خلف القضبان، لكنه يُضيّق عليه الحياة تدريجيًا.

وأوضح أنّ عنوان الفيلم ليس تفصيلاً شكليًا، فهو مفتاح القراءة، لأنّ «الرسالة الصفراء» في الثقافة الألمانية تشير إلى خطاب رسمي من جهة قانونية يحمل غالبًا إنذارًا أو قرارًا حاسمًا، وأنّ مجرّد استلامه يزرع الخوف. واعتبر أنّ الظرف الأصفر يمثّل استعارة لسلطة حديثة لا تحتاج إلى الصراخ، لأنها تتحدَّث عبر أوراق مختومة قادرة على تغيير المصير.
وأشار إلى أنّ الفيلم يتتبَّع حياة دريا وعزيز، وهما زوجان يعملان في المجال الفنّي، قبل أن تنقلب حياتهما بسبب مواقفهما السياسية. فدريا تُعاقَب لمشاركتها في عمل مسرحي ينتقد السلطة، بينما يُستهدَف عزيز لدعمه احتجاجًا سلميًا. وما يحدث لهما لا يُقدَّم على أنه حالة استثنائية، بل صورة لواقع يتكرَّر حين يُطلب من الفنّ أن يصمت.

وأكد أنّ التركيز على العائلة كان خيارًا دراميًا، لإظهار كيف يمتدّ أثر القرار السياسي إلى تفاصيل الحياة اليومية، داخل البيت والعلاقات والطفولة. وأضاف أنّ وجود ابنة مراهقة في القصة يُعمّق الإحساس بالخسارة، لأنّ السؤال لا يعود متعلقًا بالعمل فقط، بل بالمستقبل.
وعن البنية المزدوجة للعمل، قال إنّ الفيلم صُوّر في ألمانيا لكنه يتخفّى في صورة تركيا، موضحًا أنّ هذا الالتباس مقصود، لأنه لا يريد حصر القصة في جغرافيا محدَّدة، فالأحداث يمكن أن تقع في أي مكان تضيق فيه مساحة الاختلاف. ولفت إلى اهتمامه بفكرة التحوّل البطيء، حين تتغيَّر القواعد تدريجيًا من دون أن ينتبه الناس.

وأشار إلى أنّ الفيلم لا يتضمَّن مَشاهد قمع مباشر، لأنّ تركيزه انصب على الضغط النفسي والاقتصادي، ذلك الذي يدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه يوميًا، معتبرًا أنّ أخطر ما في هذا النوع من القمع أنه يجعل الضحية تشكّ في ذاتها، وكأنّ الخطأ في رأيها لا في السلطة.
وأضاف أنّ التعاون مجددًا مع فريق التوزيع الذي عمل معه في «غرفة المعلمين» منح الفيلم دفعة قوية، وأسهم في انتشاره دوليًا قبل عرضه العالمي، لافتًا إلى أنّ هذا الاهتمام يعكس عالمية موضوعه.
وعن عرضه في برلين، قال إنّ اللحظة كانت مشحونة، لكنه لمس تفاعلًا مع الطبقات الخفية في العمل، خصوصًا ما يتعلق بالعلاقة بين الفنّ والسلطة. وأكد أنّ النقاش الذي تلا العرض كان الأهم بالنسبة إليه، لأنّ الفيلم لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يفتح جرحًا ويتركه أمام المتفرِّج.
وختم تشاتاك حديثه إلى «فاصلة» بالتأكيد على أنّ «رسائل صفراء» ليس فيلمًا عن اليأس، بل عن الثمن، موضحًا أنّ السؤال الذي أراد طرحه بسيط لكنه موجع، وهو ماذا يبقى للفنان حين يُسلب صوته؟ وهل يمكن للكرامة أن تصمد حين تتحوَّل الحياة إلى رسالة إنذار؟
اقرأ أيضا: هيام عباس لـ«فاصلة»: إسكات الأصوات ليس حلًّا