فاصلة

أخبار وتقارير

إلديكو إنيدي: ليس المهم الإطراء على الفيلم أو نقده… المهم فهمه

Reading Time: 3 minutes

من بين التكريمات البارزة التي يشهدها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ46، يبرز الاحتفاء بالمخرجة والكاتبة إلديكو إنيدي، التي لطالما أتقنت تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة من الضوء والدهشة. فهذه السينمائية المتفرّدة، التي ترسّخت مكانتها منذ عقود على خارطة السينما الأوروبية كواحدة من أكثر الأصوات ابتكارًا ورهافة، تحضر هذا العام لينالها المهرجان «الهرم الذهبي التقديري لإنجاز العمر»، اعترافًا بمسيرة صنعت فيها لغة شاعرية دقيقة تمزج بين الواقع والخيال، وتلتقط هشاشة البشر وعمق الروابط التي تشكّل لحظاتهم العابرة.

من «My Twentieth Century» الذي حصلت به على كاميرا كان الذهبية عام 1989، مرورًا بـ«On Body and Soul» الفائز بالدب الذهبي والمرشح للأوسكار، وصولًا إلى «Silent Friend» آخر أعمالها الذي حملته إلى فينيسيا هذا العام، تواصل إنيدي كتابة سجل بصري نابض بالدهشة، لا يكفّ عن طرح الأسئلة الكبرى بجرأة الفنان ورهافة الشاعر.

تكريم المخرجة العالمية إلديكو إنيدي
تكريم المخرجة العالمية إلديكو إنيدي

وخلال تسلّمها جائزة فيبريسي على هامش فعاليات المهرجان، ألقت إنيدي خطابًا مؤثرًا أمام حضور احتفالية تكريمها، استهلّته بقولها: «يا ابن عيد الميلاد العزيز، يا فيبريسي العزيز… أعزائي الصحفيين حول العالم، الذين اختاروا مهنتهم أن يكونوا حاضرين في أكثر لحظات عملنا إثارةً وحساسيةً – عندما، بعد سنوات من الجهد والشك والصراعات والجهد، وبعد لحظات صعبة ومتوترة ويائسة، ولكنها أيضًا مُرضية وجميلة وعاطفية، نُطلق فيلمنا من أيدينا ونختبره أمام الجمهور. بعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، نخرج للتو من نفق صناعة الأفلام الطويل عندما بدا العالم من حولنا مجرد ضباب بعيد. نزيل الوحل عن أحذيتنا ونخطو على السجادة الحمراء، ونحن نُحدق قليلاً في الضوء الساطع – ونلتقي بكم.»

تابعت حديثها قائلة: «نلتقي بكم في هذه اللحظة الحاسمة من حياتنا، وننتظركم بفارغ الصبر في قاعة العرض. نعلم أن الصحفي الحقيقي هو في المقام الأول مُشاهد حقيقي، يُدرك أن التواجد في قاعة سينما مُظلمة تجربةٌ جسديةٌ كاملة. بفضول طفل، لكن بحواس مدربة وراقية تدع العمل كاملا يعبر خلالك. ما تقوله وتكتبه في هذه اللحظات بالغ الأهمية بالنسبة لنا – إنه مثل زميل موسيقي يستمع إلى حفل موسيقي، ويدرك أكثر بكثير من أي زائر عادي.»

تابعت: «إنه عمل شاق ودقيق للغاية أن تحافظ على هذا التوازن بين الحكم المهني والفضول الحقيقي في داخلك. الصحفي المنهك ليس صحفيًا. اهتمامك الصادق هو أداتك الأساسية في العمل، مثل ساقي راقصة باليه قويتين وصحيتين. أنت تلتقي بنا جميعًا في هذه اللحظات الحاسمة، مع اقتراب العرض الأول لأفلامنا. في المهرجانات، تعيش يوميًا ثلاث أو أربع أو خمس لحظات حاسمة، أو حتى أكثر، في حياة المؤلف، أو الفريق. لا أعرف كيف تفعلون ذلك، لكني أكنّ له احترامًا كبيرًا.»

وأشارت المخرجة المجرية إلى اهتمامها بما يكتب من نقد عن أعمالها: «مقالاتك تُرشدنا – أقرأها بانتظام عن زملائي من صانعي الأفلام، إنها نقاط مرجعية مهمة بالنسبة لي. وبالطبع، أقرأها عندما تكتب عن أعمالي. ليست الجمل الإيجابية أو السلبية هي الأهم، بل الشعور بأن يُفهم المرء أو لا يُفهم. الشعور بالفهم شعورٌ جنونيٌّ مُبهجٌ دائمًا – يعني أنني أنتمي، وأن لي مكانًا على وجه الأرض. للحظة، لستُ وحدي. وعندما لا يحدث ذلك، يكون شعورًا مُوجعًا. قبل سنواتٍ عديدة، خلال التسعينيات، صنعتُ فيلمًا ارتكبتُ فيه بعض الأخطاء الأولية، ثم عملت بجدٍّ لمدة عام لتصحيحها، ومحوها من الفيلم. لكن، في أعماق العيوب، كانت هناك ندوب. وأنتم، أيها النقاد، شعرتم بذلك بطريقةٍ ما. مهما بدا الأمر غريبًا، فقد طمأنني. شعرتُ أننا نتحدث اللغة نفسها، وأنك ترى ما وراء السطح، وأننا نتشارك العالم نفسه. كنتُ ممتنًا حقًا للمراجعات الأقل حماسًا.»

واستطردت قائلة: «ثم هناك لقاءاتنا، خلال المقابلات. إنها لحظةٌ استثنائيةٌ في الحياة اليومية أن يجلس غريبان وجهًا لوجه، وينظران في عيني بعضهما البعض لفترةٍ طويلةٍ للغاية، ويتواصلان بكثافة. يقول علماء النفس إن النظر في عينيّ شخص آخر، ولو لثلاث دقائق، يفتح لك آفاقًا جديدة غير متوقعة. قد تكون جولات الترويج مُرهقة. أنا شخص أناني، وأريد الاستفادة من هذه اللقاءات، وأن تكون هذه الأيام ذات معنى، وأن أكتشف شخصًا ما، وأن أحمل معي شيئًا من هذه المناسبات. كل نظرة، وكل مصافحة تُقرّبني من إنسان آخر، من عالمه الذي يلتقي سريعًا بعالمي. حتى لو كنتُ أنا من يتكلّم معظم الوقت، إلا أنني أشعر بفضول حقيقي تجاهك. هذه ليست مُقابلات شخصية بالنسبة لي، بل هي لقاءات إنسانية فريدة ومميزة تُشبعني. حتى لو التقينا لنصف ساعة فقط، ستصبح جزءًا من حياتي.»

واختتمت حديثها قائلة: «فتخيلوا كم هو عظيم فرحي وشرف لي أن أتلقى جائزة منك! وفوق كل هذا، هذه الجائزة الفخرية الرائعة بمناسبة الذكرى المئوية! إن لم تكونوا تعلمون، فأخبركم الآن – جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي) لها مكانة خاصة وعزيزة في قلب كل صانع أفلام. شكرًا لاهتمامكم الجاد بعملنا. شكرًا لكم على دعمكم الصادق لنا حتى عند الإشارة إلى نقاط ضعفنا. شكرًا لكم على إدارة هذا التوازن شبه المستحيل بين المعرفة الراسخة والعميقة بصناعة الفن، وفننا، وحضوركم الصادق والنشط في قاعات العرض. شكرًا لوجودكم – على الأقل لمئة عام قادمة!»

 

شارك هذا المنشور