فاصلة

مقالات

«أسنان الكلب»… كيف تتحول اللغة إلى أداة للهيمنة؟

Reading Time: 5 minutes

يُعدّ المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس من أكثر المخرجين المعاصرين إشكالًا، فطبيعة الأفكار والمواضيع التي يتناولها في أفلامه تخرج دائمًا عن المعتاد، أو ما يمكن وصفه تحديدًا بـ«الأفكار الغرائبية». يتّضح مع كلّ فيلم أن لانثيموس يعيد رواية التاريخ بصورة مغايرة، من وجهة نظر خاصة، مستمدَّة من الفلسفة بشكل أكبر، إلى جانب علم النفس، مع تفكيك للأيديولوجيا وميل إلى التناول الرمزي أكثر من نظيره الواقعي.

تظهر تلك السمات مبكرًا وبشكل واضح في فيلم «أسنان الكلب»، الصادر عام 2009. ورغم أنه لم يكن الأول ولا حتى الثاني له، فهو يُعدّ أحد أكثر أفلامه صدامية وعنفًا، ممّا يفسّر نفور كثيرين منه لمجرّد ذكره، إلى جانب شهرته الواسعة مقارنة بأفلامه الأخرى.

أسنان الكلب
dogtooth (2009)

يرصد الفيلم الروتين اليومي لأسرة مكوَّنة من أب وأم، وابنتين مراهقتين، وشاب. ومنذ الوهلة الأولى، تتجلَّى غرائبيته وبنيته غير المعتادة بسهولة، إذ نرى الأبناء محتجزين في الحمام، يستمعون إلى بيان يُتلى عبر جهاز تسجيل تحت عنوان «الكلمات الجديدة لليوم».

المعرفة والسلطة: هيمنة رب الأسرة

من خلال المشهد الأول، يظهر الخنق المُتعمَّد للأبناء: حيّز مكاني محدود، توتّر ظاهر نتيجة الترقّب، وسلطة عليا تكافئ وتعاقب. وهو مشهد مثالي ليكون مدخلًا لمضمون الفيلم.

في البيان، نسمع رفقة الأبناء الكلمات التالية: «بحر، طريق سريع، نزهة، بندقية». نلحظ بسهولة أنّ كلّ تعريف يُقدَّم لهذه الكلمات مغاير تمامًا لمفهومها المعتاد والمتداول والمتعارف عليه. فعلى سبيل المثال، يُعرَّف البحر بأنه كرسي جلدي مع مساند خشبية للذراعين، بينما يُعرَّف الطريق السريع بأنه ريح قوية للغاية.

نلحظ تقاربًا متزايدًا، منذ بداية الفيلم وعلى امتداده، بين ما يحدث داخل هذا البيت ونظرية ميشيل فوكو عن السلطة والمعرفة. وكما يرى فوكو، فإن السلطة لا تقتصر على الحكومات أو المؤسّسات العقابية المباشرة، بل تمتد إلى المدارس والبيوت، حتى وهي تتّخذ شكلًا «نظاميًا» واضحًا. وهو ما يتجسَّد هنا في نظام الأسرة، عبر القوانين والقواعد التي يفرضها الأب والأم.

أسنان الكلب
dogtooth (2009)

يتّضح ذلك في المَشاهد الأولى، فنرى استحالة خروج الأبناء من البيت أو التواصل والتعلّم بحرّية، إذ يقتصر التعلُّم على ما يسمح به رب الأسرة. لأنه ببساطة مَن يملك السلطة، يملك المعرفة وأدواتها. ولا يشعر الأبناء بخلل في هذه المنظومة، لأنّ اقتران المعرفة بالسلطة يخلق الثقة فيها، ويضمن استمراريتها وبقاءها. وبذلك، لا يشكّ الأبناء في الخلل القائم في منظومة اللغة، لأنه صادر عن «قوة» فرضت نفسها، وهي وحدها ما يملك حق التصنيف والإدانة.

السلطة الانضباطية: آليات ضمان الخوف

في كتابه «المراقبة والمعاقبة»، صاغ فوكو مفهوم «السلطة الانضباطية»، وهي مجموعة من الأدوات والآليات التي تكتسب من خلالها السلطة شرعيتها وتضمن أمنها، إذ يصبح الفرد مقيّدًا داخل حيّزه المكاني، الخاضع لتلك السلطة.

في الفيلم، يتمثَّل هذا الحيز في البيت، المكوَّن من منزل وحديقة محاطة بأسوار عالية من جميع الجهات، وبوابة محكمة الإغلاق. ويتّضح بسهولة أنّ تصميم البيت يشبه السجون. كما تظهر تجليات السلطة الانضباطية في كاميرات المراقبة، والأسوار، وجهاز التسجيل الذي يتلقّى الأبناء منه التعليمات، ونظام المكافآت الذي يفرضه الأب، وكذلك أساليب العقاب.

أسنان الكلب
dogtooth (2009)

ويمتدّ الأمر إلى وجود موظّفة خاصة تُلقّن الأبناء دروسًا محدَّدة، وضعها الأب مسبقًا. وهذه الموظفة هي رابطهم الوحيد بالعالم الخارجي. ورغم تطرُّف كلّ ذلك، فإنه يُقدَّم بصورة طبيعية، بل يمكن تفسيره على أنه حماية للأبناء من أخطار العالم الخارجي.

يتجلَّى ذلك في حكاية الأب عن أخ رابع فُقد خارج أسوار البيت نتيجة تهوّره. بهذه الحكاية، يضمن الأب خوف الأبناء، كما تضمن السلطة ولاء الأفراد عبر تخويفهم من خطر خارجي، يمنحها الشرعية لممارسة أي سلوك تعسّفي.

dogtooth (2009)
dogtooth (2009)

يتجلّى هذا الخطاب أيضًا في مشهد دخول قطة إلى الحديقة، حيث يدّعي الأب أنها هاجمته وقتلت أخاهم، ويصفها بأنها أخطر مخلوقات الأرض. بذلك، يعزّز خوف الأبناء من العالم الخارجي، ويضمن بقاءهم داخل المنزل.

كل ذلك يحدث من دون تهديد مباشر أو عنف جسدي صريح، وهو ما يمنح الأبناء شعورًا زائفًا بالأمان، ويمنع ظهور أي رغبة في التمرّد. في المقابل، يظهر التمرّد بشكل داخلي وبطيء وساذج، عبر أفعال صغيرة وكذبات بسيطة، تمنح الأبناء شعورًا مؤقتًا بالتحرّر.

يقودنا هذا إلى مفهوم العنف الرمزي عند بيير بورديو.

العنف الرمزي: الهيمنة عبر اللغة

يعرّف بورديو العنف الرمزي بأنه عنف «ناعم»، لا يعتمد على القمع الجسدي المباشر، بل يُمارَس عبر أدوات معرفية وثقافية تجعل الضحية تتقبّله، لأنها لا تدركه على هيئة عنف.

dogtooth (2009)
dogtooth (2009)

في الفيلم، يظهر هذا العنف بوضوح. فالبيت، وهو المؤسّسة التربوية، يتحوّل إلى فضاء يفرض فيه الأب منظومته الخاصة. أما الأداة الأساسية فهي اللغة، إذ يخلق الأب منظومة لغوية خاصة، تصبح حاجزًا يفصل الأبناء عن العالم الخارجي.

هنا تتحوّل اللغة إلى أداة للهيمنة، ويتحوّل البيت إلى مؤسّسة عقابية، تبدو في ظاهرها طبيعية، لكنها تخفي عنفًا بنيويًا.

dogtooth (2009)
dogtooth (2009)

يتجلَّى ذلك في لحظة تحوّل مفصلية، عندما يقتل الأب الموظفة التي بدأت تؤثّر على الأبناء. يكشف هذا المشهد الوجه الحقيقي للسلطة، واستعدادها لاستخدام العنف المباشر عند الحاجة، حفاظًا على استمراريتها.

كما تتكشَّف هشاشة هذه السلطة عندما يتخلّى الأب عن منظومته الأخلاقية، ويسمح بعلاقات غير مقبولة بين الأبناء، فقط لضمان استمرار سيطرته.

اللغة… سجن

«حدود لغتي هي حدود عالمي». هذه العبارة للفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين تختزل فكرة أساسية: اللغة تحدّد إدراك الإنسان للعالم.

يتجلّى ذلك بوضوح في مشهد مائدة الطعام، حين يسأل الأب أبناءه عن السنّ التي يمكنهم عندها مغادرة المنزل، فيجيبون: «عندما تسقط أسنان الكلب».

في المشهد نفسه، تطلب إحدى الفتيات الهاتف، فتعطيها الأم علبة توابل. وتسأل الأخرى عن معنى كلمة «المهبل»، فتجيب الأم بأنه «المصباح».

تُظهر هذه الأمثلة كيف تتحوّل اللغة إلى أداة لعزل الأبناء، ومنعهم من إدراك الواقع.

الكلمات المرتبطة بالعالم الخارجي، مثل البحر والطريق والنزهة، تصبح محرَّمة. وهكذا، تصبح الحرّية نفسها «تابو»، يُعاد تعريفه لمنع الوصول إليه.

dogtooth (2009)
dogtooth (2009)

في ذروة الفيلم، تكسر إحدى الفتيات أسنانها عمدًا، لأنها تعتقد أن ذلك هو الشرط الوحيد لمغادرة المنزل. ثم تختبئ في صندوق السيارة، معتقدة أنها تحرّرت. لكن النهاية تتركها داخل الصندوق، معلَّقة بين الوهم والحقيقة.

يشير ذلك إلى مدى تغلغل السلطة، إذ لم تكتفِ بالسيطرة على الجسد، بل امتدّت إلى السيطرة على الإدراك نفسه. وحتى فعل الهرب، حُدِّدت شروطه مسبقًا.

وهكذا، يتحوّل الهروب نفسه إلى امتداد للسلطة، لا إلى تحرّر منها.

اقرأ أيضا: دانيال عربيد… جغرافيا جديدة للعاطفة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق