فاصلة

مقالات

أسماء لا تُنسى في ذاكرة السينما السعودية

Reading Time: 7 minutes

لا تزال النهضة التي تشهدها السينما السعودية تثير الدهشة لما تحققه من قفزات واسعة تبدو لغير العارفين بتاريخ الفن السعودي “مفاجئة”. لكن تاريخ الفن السعودي ينبض بوجوه عبّدت الطريق نحو ما وصلت إليه فنون العرض في المملكة. كانت شجاعتهم وجرأتهم على التجربة والمغامرة في وقت لم تحظ فيه السينما بالاهتمام الحالي، هي الأسس التي بُني عليها ما تواصله السينما السعودية اليوم من نجاحات محلية وإقليمية ودولية.

هؤلاء الرواد، رسم كل منهم ملامح المرحلة الأولى، وأسهموا في بناء لغة بصرية وثقافية لا تزال تتردّد أصداؤها حتى اليوم. فمنهم المخرج الذي فتح عيون جيله على أسرار الصورة، والممثل الذي سبق زمانه ليظهر على شاشة هوليوود، والطبيب الذي جسّد أول الأدوار السينمائية المحلية، والمنتج الذي حوّل الترفيه إلى صناعة راسخة. حكاياتهم جميعها تتشابك لتصنع الإرث الذي تقف عليه السينما السعودية المعاصرة.

فيما يلي، نتوقف عند بعض هذه الأسماء البارزة التي شكّلت لبنات أساسية في تاريخ الفن والسينما بالمملكة:

أسماء لا تنسى في ذاكرة السينما السعودية
المخرج سعد الفريح

سعد الفريح

وُلد سعد الفريح عام 1940 في قرية السبعان بحائل. بدأ حياته موظفًا في شركة أرامكو، التي برزت موهبته فيها وهو في السابعة عشرة من عمره، ليعمل في تلفزيون أرامكو بالظهران سنة 1957. حينها استعان به مسؤولو الشركة لتصوير برامج طبية وثقافية.

اكتشف الفريح نفسه في عالم الصورة، فابتُعث عام 1964 إلى الولايات المتحدة ضمن الدفعة الأولى للتلفزيون السعودي لدراسة الإنتاج والإخراج المسرحي والتلفزيوني، ليصبح من أوائل الكوادر السعودية المتخصصة في هذا المجال.

وفي سنة 1965، كان الفريح من الرعيل الأول الذي وضع لبنة التلفزيون السعودي، وارتبط اسمه بالبرامج الثقافية والتوعوية التي قدمها ومنها: «حصتك»، و«السلامة تبدأ بك»، و«زاوية الكتاب»، و«المباراة الثقافية»، و«فنجان شاي». كما أخرج التمثيليات القصيرة (السكتشات) السعودية الأولى مثل «المجنون» و«العيادة»، وأخرج أول مسرحية تلفزيونية بعنوان «أنا أخوك أمين» من تأليف طلال مداح. وله أيضًا فيلم قصير بعنوان «تأنيب الضمير» الذي صوره بكاميرا 16 مم، ويُعد من أوائل التجارب السينمائية في المملكة. كما كان له السبق في إخراج أول “فيديو كليب” للفنان محمد عبده عام 1966 لأغنية «حبيبي مرني في جدة»، وأول مسرحية مونودراما للفنان ناصر القصبي بعنوان «حلم الحياة» عام 1984. ومن برامجه الثقافية البارزة «الكلمة تدق ساعة»، الذي نال جائزة من تلفزيون الخليج عام 1979، وهو من إعداد وتقديم الأديب محمد رضا نصر الله.

لم يتوقف عطاء الفريح عند حدود الإنتاج الفني، بل ساهم في تدريب وتوجيه أجيال من الكوادر الفنية السعودية، فساهم في إبراز أسماء لامعة مثل: سعد خضر، محمد العلي، عبدالله السدحان، بكر الشدي، وعلي الهويريني. كما درّب جيلًا من المخرجين الذين صاروا أعمدة التلفزيون السعودي لاحقًا، مثل: شلهوب الشلهوب، عامر الحمود، خالد الطخيم، محمد العتيبي، وناصر الصقيه.

اشتهر الفريح بدقته وإصراره على الجودة، فكان نموذجًا للمثابرة والالتزام، وترك أثرًا واضحًا في تطوير أدوات الإنتاج والإخراج في مرحلة التأسيس، حتى رحيله عام 2006. كُرّم بعد عقد من وفاته في مهرجان أفلام السعودية عام 2016 تقديرًا لمكانته كأحد أعمدة الإخراج والتلفزيون الذين دعموا صناعة الفن منذ بداياتها.

أسماء لا تنسى في ذاكرة السينما السعودية
إبراهيم القاضي

إبراهيم القاضي

من المقاعد المواجهة لخشبة المسرح بدأت تجربة الرائد السعودي إبراهيم القاضي، الذي حوّل شغفه بالتوثيق وصناعة الأرشيف إلى واحدة من أهم التجارب الثقافية السعودية.

يُعدّ القاضي (1925 – 2020) أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني في الهند والعالم العربي. رغم شهرته الواسعة في المسرح، فإن أثره امتد إلى السينما عبر رؤيته البصرية ومؤسساته الثقافية.

ولد القاضي في الهند لأٍسرة سعودية، وبدأ مسيرته بدراسة الفن في كلية سان زيفيير بمدينة مومباي (بومباي سابقًا) عام 1941، قبل أن يؤسس عام 1954 فرقة «وحدة المسرح» التي قدّمت أعمالًا كلاسيكية كبرى.

إبراهيم القاضي خلال حفل توزيع جوائز بادما 2010
إبراهيم القاضي خلال حفل توزيع جوائز بادما 2010

تولى إدارة المدرسة الوطنية للدراما في نيودلهي (1962 – 1977)، وخرّج أجيالًا صاروا لاحقًا من أبرز وجوه السينما مثل: نصير الدين شاه وأوم بوري، وهو ما يربط مباشرة بين تجربته المسرحية وبزوغ طاقات سينمائية جديدة.

إلى جانب الإخراج، أسس مع زوجته روشان بادامبسي «معرض التراث الفني» وجمع ما يقارب 90 ألف صورة ووثيقة، شكلت أكبر أرشيف بصري معاصر في الهند، ومرجعًا لصنّاع السينما والباحثين.

أخرج القاضي أكثر من 50 مسرحية، لكنه اعتبر أن جوهر عمله هو “بناء صورة حية تحفظ الذاكرة”، وهو المبدأ الذي ألهم التجارب السينمائية الحديثة، بما فيها المحاولات السعودية التي تستلهم التاريخ والتراث في لغة بصرية معاصرة.

نال القاضي تقديرًا واسعًا داخل الهند وخارجها، إذ حصل على وسام بادما شري عام 1991، ثم وسام بادما بوشان عام 2002، تكريمًا لدوره في تطوير المسرح والسينما وحفظ التراث البصري. كما حظي بتكريم مؤسسات فنية عديدة، تقديرًا لجهوده في تنشئة جيل جديد من المبدعين الذين حملوا خبرته إلى السينما العالمية والعربية، ومنها السعودية التي وجدت في إرثه إلهامًا لنهضتها الثقافية الحديثة.

خليل الرواف
خليل الرواف

خليل الرواف

يُعتبر خليل إبراهيم الرواف (1895 – 2000) أول سعودي، بل وأول عربي، يظهر في أحد أفلام هوليوود، سابقًا المصري عمر الشريف واللبناني جورج نادر.

ولد الرواف في بريدة بالقصيم، ويحكي في مذكراته المنشورة أن رحلته مع الفن بدأت بمحض المصادفة، حينما قاده عمله في التجارة إلى الإقامة في أحد فنادق بغداد. وهناك، قاده الشغف إلى عالم السينما والفنون في الولايات المتحدة، ليصبح أول وجه عربي في هوليوود عندما شارك سنة 1937 بدور الحارس البدوي في فيلم «كنت مراسلًا حربيًا I Cover the War» أمام النجم الأمريكي جون واين. وكان لإجادته اللغة الإنجليزية دورًا مهمًا في اختياره.

I Cover the War! (1937)
I Cover the War! (1937)

رغم بساطة الدور، فإن هذه الخطوة منحته مكانة ريادية، بوصفه أول وجه سعودي يطلّ على الشاشة العالمية في مرحلة مبكرة جدًا. كما أن حضوره لم يقتصر على التمثيل، فقد ساهم أثناء وجوده في الولايات المتحدة في تعريف المجتمع الغربي بالثقافة العربية والإسلامية من خلال عمله في تعليم اللغة العربية، جامعًا بين الفن والثقافة كوسيلتين للتعريف بالهوية.

ظل اسمه حاضرًا في الذاكرة السينمائية السعودية بوصفه رمزًا للبدايات، حيث جرى تكريمه في مهرجان أفلام السعودية بدورته الثامنة عام 2022 تقديرًا لريادته كأول سعودي يطرق أبواب الفن السابع عالميًا.

عبدالله المحيسن 
المخرج عبدالله المحيسن

عبدالله المحيسن

يُعد عبدالله المحيسن الاسم الأبرز في المرحلة الأولى من تاريخ السينما السعودية. إذ حمل المحيسن على عاتقه مهمة التأسيس وحده، ليشكل – عبر عدد قليل من الأفلام – بصمة لا تزال آثارها منتقلة إلى الأجيال الحالية، كما أنها البصمة ذاتها التي شكلت صورة المملكة وثقافتها الفريدة من خلال مشاركة أفلامه في العديد من المهرجانات العربية والدولية.

بدأ المحيسن مسيرته بشريط وثائقي بعنوان «تطوير مدينة الرياض» سنة 1975، ثم تبعه في العام التالي بتقديم أول فيلم سعودي قصير يحمل كافة مواصفات العمل السينمائي، وهو فيلم «اغتيال مدينة» الذي تناول الحرب الأهلية اللبنانية، ليصبح بذلك أول مخرج سينمائي سعودي.

في عام 1982، أخرج المحيسن فيلمه الشهير «الإسلام جسر المستقبل»، الذي تناول تاريخ الصراع العربي والإسلامي منذ الغزوات التتارية حتى بروز القوتين العظميين، ونال الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة السينمائي السادس.

واصل المحيسن مسيرته بفيلم «الصدمة» عام 1991، الذي وثّق أحداث غزو الكويت وتحريرها. ثم عاد عام 2006 ليقدّم نفسه كأول من ينجز فيلمًا روائيًا سعوديًا طويلًا بعنوان «ظلال الصمت»، مثبتًا ريادته في مرحلتين متتاليتين من تاريخ السينما المحلية.

وبذلك يبقى عبدالله المحيسن رمزًا لبدايات السينما السعودية وأحد أبرز وجوهها المؤسسة.

حسن الغانم 
حسن الغانم

حسن الغانم

يُعد الدكتور حسن علي الغانم من أوائل رواد السينما في المملكة. وُلد في القطيف، وقضى طفولته خارج البلاد. بفضل فرص التعليم التي وفّرتها له شركة أرامكو، حصل على دكتوراه في الطب الوقائي، وماجستير في التثقيف الصحي، وبكالوريوس في العلوم الاجتماعية.

قادته الصدفة إلى عالم التمثيل حين اختير للمشاركة في فيلم «الذباب» لإجادته الإنجليزية وقدرته على التواصل مع فريق التصوير الأمريكي. أُنتج الفيلم بأمر من الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – للتوعية بمخاطر الذباب والأمراض المعدية. استغرق تصويره شهرين ونصف بين القطيف والأحساء. جمع الفيلم بين الدراما والوثائقي، وتمت ترجمته إلى ثماني لغات، ليُصبح أول فيلم سعودي يُعرض داخل المملكة وخارجها.

بعد نجاح الفيلم، واصل الغانم نشاطه الإعلامي عبر تلفزيون أرامكو لمدة 14 عامًا، مقدّمًا برامج تثقيفية أبرزها «صحتك»، الذي انتقل لاحقًا إلى شاشة التلفزيون السعودي. كما استكمل دراسته في العلوم الاجتماعية إلى جانب تخصصه الطبي، جامعًا بين الفن والتوعية.

رغم العراقيل التي واجهت الفنون في زمنه، شكّلت تجربة حسن الغانم إرثًا مبكرًا للسينما السعودية. وقد جرى تكريمه في الدورة الأولى من مهرجان أفلام السعودية عام 2008 بصفته أول ممثل سعودي وأول سينمائي محلي، لتظل ريادته محفورة في ذاكرة التاريخ الفني للمملكة.

فؤاد جمجوم
فؤاد جمجوم

فؤاد جمجوم

بفضل رؤيته المبكرة التي جمعت بين الترفيه والاستثمار، بقي اسم فؤاد جمجوم حاضرًا كأحد الرواد الذين أسسوا لبدايات السينما في المملكة. بدأ نشاطه في ستينيات القرن الماضي عبر ما عُرف بـ«سينما الأحواش» في حي البغدادية بجدة، مقدمًا عروض الأفلام وتأجير أدوات العرض، قبل أن يمتد نشاطه إلى مدن أخرى بينها الرياض.

عام 1964، انطلقت عروضه الأولى بأفلام بكرات 16 ملم، ثم انتقل إلى 35 ملم. وفي عام 1969، افتتح أول صالة عرض حديثة بمواصفات تضاهي صالات «مترو غولدن ماير» في مصر، مقسمة إلى طابقين للعائلات والعزاب، لكنها تعرضت بعد عام لحريق كبير.

كما خاض تجربة الإنتاج، فقدم أكثر من ثلاثين فيلمًا جمع فيها نجوم السينما المصرية، وعلى رأسهم عادل إمام. وكان له السبق في إدخال أجهزة الفيديو إلى المملكة، وأسهم نشاطه في إثراء الحياة الثقافية والترفيهية، إذ كانت الأندية والجمعيات تستعين بأفلامه لعرضها على الجمهور بأسعار لم تتجاوز عشرة ريالات.

سعد خضر 
سعد خضر 

سعد خضر

منذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي، اختار سعد خضر أن يسلك دربًا غير مألوف في المشهد الفني السعودي. وُلد عام 1945، وعُرف بدايةً بشخصية «فرج الله» التي أدخلته إلى كل بيت سعودي، حتى غدا اسمه مقرونًا بها. لكن خضر رفض أن يحصر نفسه في شخصية واحدة، فخاض أدوارًا متنوعة رسّخت مكانته كأحد أبرز وجوه الدراما السعودية.

لم يكتفِ بالتمثيل، بل اقتحم مجالات الإنتاج والكتابة والإخراج، فكان من أوائل من صنعوا مسلسلات ومسرحيات في زمن لم تكتمل فيه أدوات الصناعة الفنية بعد. وفي عام 1980، قدّم أول فيلم سينمائي سعودي متكامل بعنوان «موعد مع المجهول»، مستخدمًا أحدث تقنيات التصوير آنذاك بما فيها الطائرات، ليؤسس بذلك لمرحلة جديدة في التجربة السينمائية المحلية.

وتقديرًا لمسيرته، كرّمه مهرجان أفلام السعودية في دورته الرابعة بمنحه «النخلة الذهبية». كما وثّقت سيرته أعمال منها الفيلم الوثائقي «عازف الكمان.. بطل الكونغ فو» وكتاب «سعد خضر.. الرائد المتعدد»، اللذان أُطلقا في افتتاح المهرجان عام 2017.

على مدى عقود، شكّل هؤلاء الرواد اللبنات الأولى للصرح الذي صار إليه الفن في المملكة، وأسهم كلٌّ منهم في وضع أساس لسينما محلية ما زالت تتطور اليوم بخطوات أوسع، مستندة إلى إرثهم، ومحافظة على حضورهم في الذاكرة.

اقرأ أيضا: قصة الفيلم السعودي خلال أربعين سنة

شارك هذا المنشور