الطريق من دار الأوبرا المصرية، حيث مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إلى ميدان طلعت حرب، حيث مكتبة مدبولي، تحرسه أربعة أسود. أمّا السير على قدميك في شوارع القاهرة فلا يشبه سيرًا عرفته من قبل؛ هو مزيج من الدربة والمهارة ولطف الأقدار. لن تحظى بمعاملة خاصة كونك على قدميك؛ الكل في هذا الزحام الهادر سواء، وكل ما تتمناه أن تسرق صورة لهذا المسرح الشعبي السائل، وهذه الوجوه المعجونة بألوان لا تنتهي من التعبير الإنساني.
كنت أُمنّي النفس بمصادفة المخرج التركي نوري بيلغي جيلان، الذي يرأس لجنة تحكيم المسابقة الدولية في النسخة 46 للمهرجان، حاملًا كاميرته في شوارع وسط البلد أو في زوايا بولاق. عيناه لا تخطئان الوجوه المعبرة، ورهافته تدرك أهمية التفاصيل الصغيرة في اللقطات الواسعة، وهنا ألف موضوع للواقعية الجديدة أو القديمة!

ستصل مكتبة مدبولي تائهًا في أفكارك، وتدخل من بابها الصغير الذي ينفتح على كهف من العناوين. تستقبلك صورة الحاج الراحل مدبولي، وهو يطل من أعلى على أرفف الكتب، بإصداراتها الجديدة وتلك التي تصالحت مع الغبار. كما يرحب بك «أبو عمر»، الذي يحفظ المكتبة عن ظهر قلب، ويشعرك أنك التقيته في أحد فصول ألبرتو مانغويل. لن تعثر على إصدارات نوعية أو ترجمات معاصرة عن السينما في مدبولي، ولا في مكتبات العالم العربي، إلا النزر اليسير. تعاني العناوين السينمائية الوحدة والوحشة وسط أرفف مجاورة لا تشاطرها الود. لكن ليس من ذوق المكتبات أن تخرج منها خالي الوفاض؛ للكتب أرواح تعرف خطوات القاصدين.

كان جيلان يبوح بأفكاره ورؤاه السينمائية بنبرة لا تعطيها أهمية كبرى، خلال حواره مع الناقد أحمد شوقي بعنوان «انعكاسات سينمائية: رحلة في عوالم نوري بيلغي جيلان». لم تتسلل المرارة إلى حديثه، ولا الزهو الذي يصيب غيره من قليلي البضاعة، بل كان يصف كيف تصالح مع واقعه المبكر بقوله: «رافقتني الوحدة طيلة حياتي، ولم أستطع التخلص منها مهما فعلت». هذه الرفقة المبكرة مع الوحدة دفعته إلى تعلم التصوير الفوتوغرافي امتثالًا لها، ورغبةً في التعبير الفني غير المرتبط بأحد سواه، وصبغت أسلوبه المتأني المتأمل للروح البشرية المتذبذبة بين الخير والشر، كما أثرت في تكوينه البصري المستلهم من فسحة وبلاغة التعبير الفني التشكيلي. إلا أن رفقته مع الوحدة طالت، حتى بات سعيه منصبًّا على «التخلص منها أو فهمها» من خلال أعماله وأفكاره.
لا ينفي جيلان انتماءه إلى نادي «الآرت هاوس». هو أحد فتيان غلاف هذا النادي، الذي ربما يشعر أفراده بالوحدة والاغتراب في بحر الجماهير العريضة. صحيح أن المهرجانات والتظاهرات السينمائية تحيطهم بالاحتفاء، ويشعرهم جمهورها بالتقدير والاحترام المستحقين، وحالة كهذه يمكن أن تمتد في روزنامة طويلة في مدن العالم، لتعطي للنجاح طعمًا مختلفًا. لكن فيلم «الآرت هاوس» ما زال يشكل حالة ارتباك وحيرة وخصام في عموم العالم العربي، بمجرد مغادرته سور المهرجان. تشعر أنه يبدأ رحلة مريرة لتقديم الدفوع وتلوّي الحجج لتخفيف حدة وصمة «فيلم المهرجان» التي تلاحقه. لكن جيلان في راحة من كل ذلك؛ هو أحد الأصوات «الشرقية» التي تعلي يافطة «الآرت هاوس» بثقة، حتى وإن بدا وحيدًا خارجها.

حتى المدينة العربية، في أيام مهرجاناتها السينمائية، تعزز هذا الشعور بالوحدة؛ فلا تشعر أنها مهتمة بما يدور داخل قلعة المهرجان المحصنة، بالرغم من أن كثيرًا من القصص المعروضة طيلة أيام المهرجان تدور في مدن عربية وقرى نائية تشبه القرى التي يؤطرها جيلان في أفلامه. هذا التفاعل مع المدينة والقرية هو ما ألهم الفنانين دائمًا إعادة الاعتبار إلى القصص المنسية. بل يمكن الذهاب إلى ما ذهب إليه نزار الصياد في كتابه المترجم حديثًا «مدن سينمائية: تأريخ للحداثة الغربية من الشاشة إلى الواقع»، إذ يرى أن الصور هي التي تقوم «بتشكيل فهمنا للعالم الذي نعيش فيه، وبتشكيل ردود أفعالنا تجاهه»، وليس الواقع، مستشهدًا بعبارة للفيلسوف الفرنسي جان بودريار تقول: «إن المجتمعات المعاصرة تتعرف على نفسها بشكل انعكاسي فقط من خلال الصور المتدفقة التي تعكسها عيون الكاميرا».

في فيلم جيلان الأخير «فوق الأعشاب الجافة» (2023)، وفي أحد المشاهد الحوارية الطويلة الصاخبة، يخرج مدرس الرسم في القرية البعيدة، بطل الفيلم سيميت (دينيز سليلوغلو)، من صالة المنزل، ويسير بكل هدوء متجاوزًا المساحات الخلفية لموقع التصوير الفعلي، وصولًا إلى دورة المياه، في لحظة مزج فيها جيلان الواقعي بالروائي بأسلوب بديع. وكأنه، من شدة اتقانه وانغماسه في الواقعية، أراد اختبار حقيقة الحواجز الفاصلة بين الواقع والخيال؛ إذ إن السينما، في نهاية المطاف، ليست إلا محاولة لاختراق الواقع على جناح الخيال والضوء. أو، بحسب عبارة أخرى لبودريار ينقلها الصياد: «وكما تفعل لعبة المرايا التي تعكس بعضها بعضًا إلى ما لا نهاية، سنجد أن الفن يقلد الحياة، والحياة تقلد الفن، والفن يقلد الفن، والحياة تقلد الحياة، وهلم جرا».
في مشروع جيلان السينمائي ثِقل الأدب، وتشريح لنوازع النفس البشرية؛ لذلك ليس غريبًا انتماء جيلان المعلن لأدب شاعر الوحدة أنطون تشيخوف، الأديب الكبير الراقد في أرفف المكتبات بطبعاته القديمة التي غلفها الغبار، وأخرى حديثة يعيد اكتشافها قارئ جديد في كل ساعة. إلا أن تشيخوف، على كل حال، حيٌّ يُرزق في سينما نوري بيلغي جيلان.
اقرأ أيضا: 10 دروس سينمائية لنوري بيلغي جيلان