قال الناقد المصري أحمد شوقي، رئيس الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبريسي) إن النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي الدولي في الرياض تمثل نقطة تحول مهمة في مسار المؤتمرات السينمائية العربية، مشيرًا إلى أنها المرة الأولى التي يُنظم فيها حدث بهذا الحجم والتنوع، يُخصَّص بالكامل للنقاد باعتبارهم «نجوم المؤتمر» وضيوفه الرئيسيين.
وأوضح شوقي أن مؤتمرات النقد السينمائي في العالم عادةً ما تكون محدودة المشاركة وتقتصر على من يقدمون أوراقًا بحثية صغيرة أو دراسات أكاديمية، لكن هذا المؤتمر تجاوز ذلك الإطار الأكاديمي الضيق إلى صيغة شاملة تجمع بين الحوار، والتفاعل، والعروض، والنقاشات المفتوحة، مضيفًا أن هذا ما جعله أقرب إلى مهرجان مصغّر، لكن بأفق فكري وثقافي واسع.
وأضاف أن «فيبريسي» كان حاضرًا منذ النسخة الأولى للمؤتمر، أولًا كضيف ومشارك، ثم كشريك رسمي بعد توقيع اتفاقية تعاون العام الماضي مع هيئة الأفلام، موضحًا أن الشراكة سمحت بإطلاق دعوة لأعضاء الاتحاد – الذين يبلغ عددهم حاليًا نحو 1500 عضو من أكثر من 80 دولة – لتقديم مقترحاتهم للمشاركة عبر ندوات أو محاضرات أو عروض تقديمية، بل وحتى في الموضوعات البينية التي تتقاطع فيها السينما مع حقول أخرى مثل الفلسفة أو العمارة أو علم الاجتماع.
وأشار شوقي إلى أن اللجنة العلمية للمؤتمر، بالتعاون مع الاتحاد، تلقت أكثر من مئة مقترح من مختلف دول العالم، واختارت منها عدداً من الأوراق والمداخلات التي عُرضت هذا العام، مؤكداً أن النسخة الثالثة تميزت بارتفاع ملحوظ في جودة المشاركات، سواء على مستوى الموضوعات المتخصصة أو مستوى الضيوف والمتحدثين الرئيسيين.

ولفت إلى أن البرنامج شهد حضور أسماء عالمية بارزة، من بينها المخرج الإيطالي الكبير ماركو بيلوكيو الذي افتتح المؤتمر، والمبرمج والناقد الشهير مارك بيرانسون، إلى جانب الناقد والأكاديمي الأميركي ريتشارد بينا من نيويورك، أحد أبرز الأسماء في تاريخ البرمجة السينمائية العالمية، والذي أدار مركز لينكولن ومهرجان نيويورك السينمائي لأكثر من 25 عامًا. كما شارك في الجلسات متحدثون من السعودية وإيطاليا وفرنسا ومصر والمكسيك وكازاخستان وجنوب أفريقيا وجورجيا وغيرها، ليصل عدد الدول المشاركة إلى 22 دولة خلال ثلاثة أيام من النقاشات المكثفة.
وأكد رئيس الاتحاد الدولي للنقاد أن هذه المشاركة الواسعة، إلى جانب امتلاء القاعات بالحضور من نقاد وباحثين وطلاب ومهتمين، تعكس المكانة التي بدأ المؤتمر يكتسبها على الساحة السينمائية العالمية.
وقال: «في النسخة الأولى كان كثير من المدعوين لا يعرفون حجم الحدث ولا طبيعته، أما الآن فقد أصبح المؤتمر اسمًا معروفًا، وأصبح من الصعب تلبية جميع طلبات المشاركة بسبب الإقبال الكبير من النقاد والباحثين والمبرمجين حول العالم».
وأشار إلى أن هذا الثراء في التنوع جعل من عملية اختيار المشاركين تحديًا حقيقيًا، لكنه في المقابل أضفى على المؤتمر طابعًا فكريًا أكثر عمقًا وغنى، مؤكدًا أن النسخة الحالية تتميز بمحتوى أكثر تخصصًا واتساعًا من حيث الموضوعات والاتجاهات الفكرية التي تتناولها.
وتحدث شوقي عن التطور النوعي في هيكلة المؤتمر ومحتواه خلال دوراته الثلاث، قائلًا إن النسخة الأولى كانت بمثابة تجربة تأسيسية حملت شعار «ما وراء الإطار»، وركزت على العلاقة بين الصورة والحدود الجمالية. أما النسخة الثانية، فكانت تيمتها «الصوت في السينما»، وناقشت التحولات التقنية والجمالية في استخدام الصوت بوصفه جزءًا من السرد البصري. وأضاف أن النسخة الحالية تُقام تحت عنوان «السينما فن المكان»، وهي تيمة واسعة تُتيح مقاربات متعددة للمكان، سواء باعتباره فضاءً جغرافيًا أو نفسيًا أو رمزيًا.
وأوضح أن مفهوم المكان في السينما لا يقتصر على الموقع الجغرافي للتصوير، بل يمتد إلى مستويات أكثر عمقًا، إذ يمكن أن يعني الوطن أو الذاكرة أو الإحساس بالانتماء، بل حتى الاغتراب الداخلي للشخصيات، مؤكدًا أن المؤتمر يسعى من خلال هذه التيمة إلى فتح أفق جديد في التفكير النقدي العربي، عبر قراءة العلاقة بين الإنسان والمكان في السينما من زوايا فلسفية وتاريخية وثقافية، والمناقشات التي شهدتها الجلسات منذ اليوم الأول أثبتت أن هناك وعيًا متناميًا لدى النقاد العرب بأهمية التفكير في السينما كفن للمعنى وليس فقط كصناعة.
وتابع قائلًا إن هيئة الأفلام السعودية نجحت في تحويل المؤتمر إلى منصة عالمية للحوار السينمائي الحقيقي، تجمع بين الأكاديميين والممارسين والنقاد وصنّاع الأفلام في فضاء واحد، بما يُعيد للنقد دوره كجسر بين النظرية والتطبيق، وبين الجمهور والفيلم.
اقرأ أيضا: ريتشارد بينيا: غياب المقالات النقدية الطويلة أضعف الحوار السينمائي الحديث