فاصلة

حوارات

آن ماري جاسر: السينما حارس الذاكرة الفلسطينية

Reading Time: 5 minutes

في فيلمها الجديد «فلسطين 36»، تستعيد المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر ملامح فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، معيدةً إحياء صورة القرى الجميلة النابضة التي اندثرت تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. يستحضر الفيلم تفاصيل الحياة اليومية التي تلاشت مع الزمن، وينطلق في رحلة بحث بين صفحات التاريخ عن الجذور الأولى للنكبة، متتبعًا الدور الذي لعبه الانتداب البريطاني في ترسيخ بنية الاحتلال وتمهيد الطريق لتوسعه.

«فلسطين 36» هو امتداد لتجربة آن ماري جاسر السينمائية وأعمالها التي تستكشف موضوعات الهوية، والذاكرة، والشتات الفلسطيني، مستعينة بالسرد السينمائي للربط بين ما هو شخصي وما هو جماعي، بين الاغتراب والعودة، بين الحنين والواقع، بداية من أفلامها القصيرة والوثائقية ومرورًا بفيلمها الروائي الطويل الأول «ملح هذا البحر» في 2008، ومن بعده «لما شفتك» في 2012.

فلسطين 36
فلسطين 36 (2025)

حظي الفيلم بعرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، وتم استقباله بشكل جيد ليشارك بعدها في عدد من المهرجانات العالمية، من بينها مهرجان لندن السينمائي ومهرجان طوكيو الذي حصل فيه على الجائزة الكبرى لأفضل فيلم في المهرجان، وكذلك جائزة الجمهور من مهرجان ساو باولو السينمائي الدولي. كما حظي بعرض خاص محدود للنقاد في مهرجان الدوحة السينمائي الدولي باعتبار مؤسسة الدوحة للأفلام من الداعمين لإنتاج الفيلم، قبل أن يصل أخيرًا إلى مهرجان البحر الأحمر السينمائي حيث يشارك في قسم الروائع العربية، بينما يستعد لافتتاح مهرجان أيام قرطاج السينمائية في تونس خلال أيام. وهو المرشح الرسمي لتمثيل فلسطين في المنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي.

مستعينة بالأرشيف البريطاني، ترصد آن ماري جاسر في فيلمها الأحداث التاريخية التي أدت إلى الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني في 1936 وأشهر إضراب عرفه التاريخ في هذه الفترة، وما قام به الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت تنفيذًا لوعد بلفور، متتبعة عددًا من الشخصيات المتنوعة تعيش ما بين عالم المدينة والقرية. وقامت باستخدام مشاهد أصلية من الأرشيف بعد تلوينها ودمجها مع لقطات ومشاهد يُعاد تجسيدها على الشاشة في إطار اللغة السردية للفيلم.

فلسطين 36 (2025)
فلسطين 36 (2025)

تقول آن ماري جاسر في حوارها مع فاصلة إن رحلة العمل على الفيلم بدأت منذ أكثر من 10 سنوات: «كنت دائمًا أسمع من أهلي عن ثورة 1936، كنا نسمع فقط عن الأشياء الجيدة، كيف شارك فيها كل أجدادنا الفلسطينيين، وكذلك في الإضراب، أطول إضراب بالعالم في ذلك الوقت. كما نسمع عن فترة الاحتلال الإنجليزي وعن الثورة، أول انتفاضة فلسطينية، هي فترة مهمة جدًا، وكنت أريد أن أعرف عنها أكثر، لذا بدأت عملية البحث، ولاحظت خلال الكثير من الأشياء وفهمت تفاصيل أكثر إلى أي مدى كانت هذه الفترة عنيفة، والعنف الذي استخدمه الجيش الإنجليزي وقتها، وتأثيرها على الفلسطينيين».

وتضيف أنه ليس فيلمًا عن الأشياء الكبيرة، لكنه فيلم عن البشر العاديين وما حدث لهم في هذه الفترة، وتقول: «هذه الأحداث سبقت النكبة بأكثر من عشر سنوات، لكننا كعرب وفلسطينيين لا نتحدث عما حدث فيها كثيرًا، نتحدث عن الثورة والإضراب، لكننا لا نتحدث عن الصدمة والمجازر التي وقعت، لذا بدأت أفكر في كتابة هذا السيناريو، عن الناس، وكيف كانت حياة هؤلاء الأشخاص، عدة شخصيات وليس شخصية واحدة لأعبر عن الشعب بتنوع فئاته في هذه الفترة وكيف عاشوا». وتؤكد أنها ركزت على هذه الأشياء البسيطة والعلاقات الإنسانية مثل الحب بين الأم وابنتها، الجد والجدة، العامل الذي يتحول إلى ثائر، الصحفية التي تكتب باسم رجل، السياسي الغامض، القس المسالم، والشاب الهادئ الذي يعيش بين عالمي القرية والمدينة.

فلسطين 36 (2025) آن ماري جاسر
فلسطين 36 (2025)

لا تظهر في الفيلم أيّة شخصيات إسرائيلية أو يهودية، بل يركّز بشكل أساسي على الاحتلال البريطاني والجيش الإنجليزي وأساليبه في قمع الفلسطينيين خلال فترة الثلاثينيات، التي شهدت توافد اليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة والشروع في بناء المستوطنات تحت إشراف السلطة البريطانية وحمايتها، وانتزاع ملكية الأراضي من الفلسطينيين بالعنف والتهديد. ترى جاسر أن أساليب الاحتلال البريطاني هذه أسست نموذجًا أوليًا لما أصبح لاحقًا الاحتلال الإسرائيلي، فتقول:

«كأن بريطانيا أسست بهذا القمع ضد الفلسطينيين لكل شيء، إسرائيل اليوم وعلى مدار السنوات الطويلة الماضية تطبق كل شيء على نفس المنوال، فهم ليسوا حتى مبدعين في أساليب الاحتلال، أخذوا كل شيء عن الإنجليز حرفيًا، by the book، وكأنه blueprint للاحتلال، من تفجير للمنازل وتعذيب وقتل، وحتى فكرة الجدار العازل كانت بريطانية، كان هناك جدار وقتها بين فلسطين ولبنان موثق في الأرشيف، كل أساليب القمع أرساها الإنجليز. خربوا الدنيا في أنحاء العالم، ولكن في فلسطين بشكل خاص كان الأمر أسوأ».

آن ماري جاسر
فلسطين 36 (2025)

وأضافت: «يجب أن نتحدث عن هذا الآن، لأن تاريخنا كان ولا يزال دائمًا يتكرر ولا يزال مستمرًا حتى الآن على المنوال نفسه منذ سنوات طويلة وحتى الآن. ولا مرة توقفنا، وعد بلفور، والنكبة والنكسة 1967 كلها أحداث تلت بعضها البعض، وسيناريوهات متكررة من القمع والقتل والانتفاضات والحروب، الأشياء نفسها تحدث. هذا الفيلم من الممكن أن يكون اليوم أو في عام 1936 لأنه ما أشبه الليلة بالبارحة».

أثر اندلاع الحرب والمجازر في غزة منذ أكتوبر 2023، وقبل أيام من بداية تصوير الفيلم، على كتابة السيناريو وإنتاج الفيلم: «الحرب تغير الأشياء، كان هناك شيء أخف وطأة في سيناريو الفيلم في البداية، ولكن بعد وقوع المجازر في غزة لم يعد هناك محل لأية نبرة مهادنة».

فلسطين 36 (2025)
فلسطين 36 (2025)

أجبرت الحرب طاقم العمل على إعادة ترتيب مواقع التصوير والانتقال إلى الأردن بحثًا عن مواقع جديدة لإكمال العمل، وأُعيد تصوير أجزاء بعينها في الأردن بعد فقدان مواقع ميدانية في فلسطين، حيث يدور جزء كبير من أحداث الفيلم في قرية البسمة التي تقع بالقرب من مدينة القدس، وهي قرية خيالية أشارت جاسر إلى أنها مزجت فيها بين صورة قريتين في الواقع: قرية فرخة الفلسطينية الزراعية الواقعة في شمال الضفة الغربية، وقرية البصة التي وقعت فيها مجزرة مروعة عام 1938 خلال الثورة العربية، حيث أجبرت القوات البريطانية رجال القرية على ركوب حافلة، ثم فجرتها بواسطة لغم أرضي كإجراء عقابي انتقامي، وهي جزء من حملة القمع البريطانية للثورة الفلسطينية.

تقول جاسر: «عندما فقدنا الموقع الرئيسي، وهو القرية التي كنا ننوي التصوير فيها بسبب الحرب، اضطررنا لتغيير كل الخطط اللوجستية وانتقلنا إلى الأردن لإعادة بناء الموقع واستكمال التصوير. كان علينا البدء من جديد وبناء القرية بالكامل بتصميمها الرائع الذي يعيد صورة القرى الفلسطينية الجميلة التي أصبحت في مخيلتنا واختفت من أرض الواقع الآن، واخترنا موقعًا في شمال الأردن قرب الحدود السورية واللبنانية، يشبه ما نريده إلى حد ما».

فلسطين 36 (2025)
فلسطين 36 (2025)

«العمل على القرية الجديدة تطلب جهودًا كبيرة، مع إعادة بناء المنازل وفق الطرق التقليدية، وزراعة المحاصيل التي كانت تُزرع في فلسطين في الثلاثينيات ولم تعد موجودة مثل القطن مثلًا. كل هذا كان صعبًا ولكنه ممتع من الناحية الإبداعية، كل هذه الظروف أضافت بعدًا عمليًا وعاطفيًا للفيلم، حيث شعرنا أننا نصور فلسطين بطريقة نكاد نراها تنهار أمام أعيننا».

«أثناء التصوير في القدس، شعرنا أننا قد لا نتمكن من العودة مرة أخرى، وكنا نواجه شعورًا دائمًا بأن الموت أو التهجير قد يسلب منا كل شيء في أي لحظة. فبعد 7 أكتوبر، أصبحت المخاوف أكبر، وأصبح لدينا شعور داخلي بأن كل شيء هش، وأنه علينا أن نكمل مهما كانت الظروف».

العديد من السينمائيين حاولوا الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية وصورة الحياة التي اندثرت الآن من خلال السينما، ومن أهم هذه الأعمال فيلم «باب الشمس» للمخرج يسري نصر الله. وترى آن ماري جاسر أن فيلمها يدخل في السجل الطويل للأعمال التي تعيد تشكيل هذه الذاكرة الجمعية. وتقول جاسر عن التشابه بين فيلمها وهذه الأعمال التي شكلت الوعي السينمائي الفلسطيني: «فيلم «باب الشمس» مهم جدًا، وكذلك غيره من الأفلام التي تناولت النكبة، منها «الزمن الباقي» لأيليا سليمان، وفيلم «فرحة» للمخرجة دارين سلام. أنا دائمًا أريد البحث فيما حدث في السابق، ما سبق النكبة من أحداث، حتى فيلم «لما شفتك» يعود إلى عام 1967 في الأردن ولكن إلى ما قبل سبتمبر الأسود، لأن جمهور اليوم يعرف النكبة وما حدث فيها، وبعدها للفلسطينيين، ولكن الفترة التي سبقتها لا يعرفها الكثيرون ومن المهم أن نتحدث عنها».

اقرأ أيضا: «فلسطين 36»… تفكيك خيوط النكبة

شارك هذا المنشور