فاصلة

مراجعات

«آسف، حبيبتي»… سينما ما بعد الصدمة

Reading Time: 5 minutes

تخيّل أن تصنع فيلمًا عن واحدة من أبشع التجارب التي قد يمرّ بها إنسان. فوق ذلك، عليك ألّا تقع في أي من المحاذير الآتية: ألّا تختصر شخصيتك الأساسية في تجربتها القاسية فتصبح ظلًا باهتًا من نفسها، وألّا تجعلها تقضي وقتها على الشاشة غارقة في الرثاء الذاتي، والأهم من هذا وذاك، ألّا تسمح للميلودراما بالسيطرة على الأجواء.

تبدو المهمة عسيرة، أليس كذلك؟ هذا بالضبط ما يجعل من فيلم «Sorry, Baby» عملًا استثنائيًا. 

Sorry, Baby (2025) آسف، حبيبتي
Sorry, Baby (2025)

 الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان صندانس السينمائي، ونال جائزة والدو سولت لأفضل سيناريو، كما رُشِّحت بطلته إيفا فيكتور لجائزة أفضل ممثلة عن دورها فيه ضمن الدورة الثالثة والثمانين من جوائز الغولدن غلوب، يروي قصة امرأة شابة تعيش في ظلال صدمة عنيفة، من دون أن يقع، ولو مرة واحدة، في فخ أي من الكليشيهات السابقة. وتسيطر على العمل نغمة خفيفة من دون أن تكون مُستخفّة، ما يضاعف من وطأة المشاهد التي نرى فيها البطلة تختنق أنفاسها وسط نوبات هلع.

Sorry, Baby (2025) آسف، حبيبتي
Sorry, Baby (2025)

أغنس، بطلتنا، أستاذة جامعية تُدرّس الأدب الإنجليزي في جامعة تقع على ساحل هادئ. إنها أصغر أستاذة تعمل هناك منذ زمن، كما يخبرنا الفيلم. لكن هناك ما يُفسد عليها هذا الإنجاز: مكتب أغنس في الجامعة كان يعود لأستاذها السابق ديكر، الرجل نفسه الذي اعتدى عليها جنسيًا قبل عامين، ثم فرّ هاربًا دون أي مساءلة أو حساب.

تُلقي هذه الحادثة بظلال ثقيلة على أغنس. لا تغرق فيها كليًا، لكنها تعجز عن تجاوزها. وهو ما نراه بوضوح في علاقتها بصديقتها المقرّبة ليدي، العلاقة التي تختار مخرجة وكاتبة الفيلم إيفا فيكتور، والتي تلعب أيضًا دور أغنس، أن تضعها في قلب الحدث.

Sorry, Baby (2025) آسف، حبيبتي
Sorry, Baby (2025)

من زاوية السرد، تؤدي هذه العلاقة وظيفتين: فهي تمثّل أولًا شبكة أمان عاطفي تتكئ إليها أغنس في أحلك لحظاتها؛ فليدي هي الشخص الوحيد الذي تلجأ إليه أغنس بعد الحادثة وتبوح له بما جرى. وحين تجتاح أغنس موجة عنيفة من الغضب وتفكّر في إحراق مكتب ديكر، لا تحاول ليدي تهدئتها أو ثنيها، بل تعرض أن تفعل ذلك بدلًا عنها. كما تُبرز المسارات المختلفة التي سلكتها حياة الصديقتين كيف يمكن للتروما أن تغيّر طبيعة الزمن نفسه: فبينما ينساب زمن ليدي في زخم من الإنجازات والأشخاص والأماكن، يظل زمن أغنس واقفًا عند البيت نفسه، والجامعة نفسها، والمدينة نفسها.

هذه العلاقة الملتبسة بالزمن هي ما يجعل التروما عصيّة على التجاوز. فتمكث أغنس حيثما هي في الحياة، لأن داخلها المرتعد يبحث عن الأمان أينما كان، ولا شيء يُشعرها بالأمان أكثر من كل ما هو مألوف. تعمل في الجامعة نفسها التي درست فيها، وتعيش في البيت ذاته الذي تقاسمته مع ليدي حين كانتا طالبتين، وتنام مع جارها الساكن قبالة هذا البيت. تنكمش حياة أغنس داخل هذه الحدود، حتى إن ليدي تسألها عمّا إذا كانت تغادر المنزل على الإطلاق. وتتوالى أيامها في حاضر يعيد خلق نفسه بلا تنويع أو تغيير. حتى إنها تجيب جافين، جارها، حين يسألها إن كانت تودّ أن تصبح أمًا، بأنها تعجز عن رؤية المستقبل.

Sorry, Baby (2025) آسف، حبيبتي
Sorry, Baby (2025)

قبل خمسة أعوام، رأينا في فيلم «Promising Young Woman» بذرة مشابهة؛ فزمن البطلة كاسي يقف أيضًا عند سنوات الدراسة الجامعية، حين تعرّضت صديقتها المقرّبة للاغتصاب ثم قررت إنهاء حياتها. لكن إيميرالد فينيل، مخرجة وكاتبة الفيلم، اختارت أن تطوّر هذه البذرة في اتجاه مختلف كليًا: توجّه كاسي غضبها إلى الخارج، فتصبح ملاك انتقام مهووسًا بمعاقبة المعتدين، بينما تتقوقع أغنس على نفسها، تلجأ إلى المألوف وتنشد الدفء في متع الحياة البسيطة. لا تقدّم فيكتور خيار أغنس بوصفه ضعفًا؛ فالتقوقع هنا ليس استسلامًا، بل استراتيجية بقاء، وطريقة للحفاظ على ما تبقّى من ذاتها دون أن تنهار كليًا.

تختار إيفا فيكتور لفيلمها لغة بصرية تُوطّد حاجة بطلتها إلى الأمان. تدور معظم الأحداث في مساحات داخلية دافئة؛ تُصوَّر مشاهد البيت بإضاءة ناعمة، ويُغطّى المكان بأغطية وثيرة نرى أغنس وليدي في أكثر من مشهد يتدثران بها ويتشاركان الضحك والكلام. تتحوّل سيارة أغنس إلى فضاء آمن تختبئ فيه أثناء نوبات الهلع. وحتى شوارع المدينة الصغيرة تتحوّل إلى فرص للقاء: رجل طيب يهدّئ من روعها أثناء نوبة هلع، وقطة شاردة تأسر قلبها فتقرّر تبنّيها.

Sorry, Baby (2025) آسف، حبيبتي
Sorry, Baby (2025)

في المقابل، في مشهد العشاء مع زملاء الدراسة السابقين، تختار فيكتور زوايا تصوير تجعل أغنس تبدو صغيرة داخل الإطار. تُلقي إحدى الحاضرات دعابة ثقيلة حول كون أغنس الطالبة المفضلة لدى ديكر، ما يفوق قدرتها على التحمل، فتغادر المكان كليًا.

لكن ما يجعل «Sorry, Baby» مميزًا ليس فقط حساسيته تجاه مشاعر بطلته في صراعها اليومي للنجاة والاستمرار، بل أيضًا قدرته على زرع كوميديا عفوية في طيات هذا الصراع. فأغنس تمتلك حسّ دعابة ذكيًا وذهنًا حاضرًا، قادرًا على انتزاع النكتة حتى من أحلك اللحظات.

Sorry, Baby (2025)
Sorry, Baby (2025)

هنا تتألق إيفا فيكتور كممثلة وكاتبة كوميديا، وتلعب خبرتها السابقة دورًا محوريًا. تقول فيكتور في لقاء صحفي: «قضيت وقتًا طويلًا أكتب النكات كجزء من عملي، عن مواضيع من الصعب أصلًا الكتابة عنها. هناك قواعد غير مكتوبة عمّن يمكن السخرية منه، ومن يمكن أن يكون موضع النكتة. نسخر من أصحاب السلطة، من أولئك الذين يجعلون حياة الآخرين أصعب، الذين يمارسون القسوة أو يستخدمون نفوذهم لارتكاب أفعال شريرة. لا يمكن أبدًا السخرية من الأشخاص الذين يمرّون بتجارب قاسية، من الضحايا، من أولئك العالقين داخل أنظمة ظالمة. هذا التمرين الطويل جعل استخدام الكوميديا في الفيلم، ومتى وكيف تُستخدم، أمرًا تلقائيًا بالنسبة لي».

Sorry, Baby (2025)
Sorry, Baby (2025)

وإذا كان السرد السينمائي في جوهره لعبة موازنة بين ما يُظهَر وما يُخفى، فإن فيكتور تُتقن هذه اللعبة بما يخدم موضوعها. نحن لا نرى الاعتداء، ولا نرى ديكر في موقع السيطرة وأغنس منكمشة خوفًا. كل ما نراه هو رواية أغنس، الناجية، لما حدث. يخدم هذا الخيار رؤية فيكتور حول السلطة والتحكّم: فهي تُخفي فعل الاعتداء نفسه، وتُظهر محاولة الضحية عيش حياة طبيعية، بتفاصيلها الصغيرة التي تتراكم وتتقاطع لتشكّل قصة نجاتها.

 «Sorry, Baby» ليس فيلمًا عن التعافي؛ فالتعافي يفترض مسارًا مستقيمًا يمتد من الصدمة إلى الشفاء. إنه فيلم عن العيش داخل زمن معطوب: عن الاستيقاظ كل يوم في البيت ذاته، والذهاب إلى المكتب نفسه، ومحاولة إيجاد طريقة للاستمرار. لا تعد إيفا فيكتور أغنس — ولا تعدنا — بنهاية سعيدة، بل تعد فقط بأن الاستمرار، بحدّ ذاته، يعني شيئًا. وهذا وعد أكثر صدقًا.

اقرأ أيضا: «من قتل أليكس عودة؟»… صورة مثالية للسينما الاستقصائية

شارك هذا المنشور

أضف تعليق