حين حطَّت قدماي في القاهرة مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، كنت أبحثُ عن معنى للحياة في زحامها وصخبها، هاربًا من صمت مدينتي التي سلبت أحلامي. أصبحت أسيرًا للمشي في شوارع وسط البلد، وما زلت حتى اليوم أجد متعة في التوهان داخلها. ففي هذا التيه يكمن جمال الرحلة، كما تخبرني صديقتي. أذوب بين وجوه المارّة، ولا تفارق عيناي لافتاتها المضيئة، محاولًا أن أصبح جزءًا من إيقاعها الذي لا يهدأ.
في أحد مَشاهد فيلم «آخر أيام المدينة» لمخرجه تامر السعيد، يرى «باسم» أنّ القاهرة تمنحنا آلاف الصور في الثانية، وإذا جلسنا فيها وقتًا أطول سنتوقّف عن الرؤية، لأنّ هذه الصور ستتحوّل مع الزمن إلى ضجيج. هكذا أشعر اليوم. لم أعد أحتمل هذا الصخب، وكأنّ القاهرة استردّت ما وهبتني إياه قبل خمسة عشر عامًا، تاركةً إياي مع إحساس بالغربة والفقد والغدر، لا يختلف عمّا يختبره بطل الفيلم «خالد». هكذا نتعلّم أنّ الحب لا يمنحنا حصانة ضدّ الألم، وأن الأماكن، مثل البشر، تتبدّل وتتغيّر، تاركة فراغًا لا يملؤه سوى صدى ذكرى جميلة محفورة في زحامها. زحام ما زلت أتنفّسه وإن كان يخنقني.

مدينة لا نراها ولا ترانا
«شايف هاي الكارثة اللي اسمها القاهرة؛ كارثة بس ما بتكذّب.
ما بتقولك أنا شيء رائع، بتقولك اتفضل خدني متل ما أنا أو روح على برلين».
في كتابه «الصورة – الزمن»، يجادل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بأنّ سينما الواقعية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة حرّرت العلاقة التقليدية بين الصورة والزمن؛ فلم يعد الزمن تابعًا للحركة، بل أصبح هو نفسه موضوع الصورة. الزمن هنا ليس متسلسلًا أو خطّيًا، وإنما متشظٍ ومتراكب، يظهر في حالة «نقية»، أو كما سمّاها دولوز «الصورة البلورية».
عند إسقاط هذه الفكرة على فيلم «آخر أيام المدينة»، يتّضح أنّ الزمن يلعب دورًا محوريًا في فهم علاقة «خالد» بالمدينة. فهو يُعيد بناء الصور والذكريات لمدينة تشيخ ويتأرجح بين الماضي والحاضر، محاولًا كبح جماح الزمن لالتقاط ما تبقّى منها أو أرشفة ما أوشك على الزوال، وكأنه الحارس الأخير الواقف وحيدًا على أنقاض مدينة لفظته.
هنا القاهرة، موطن المتناقضات والادّعاء، حيث لا جديد يُقال ولا قديم يُعاد، وكأنّ الزمن توقّف عند نقطة سوداء كئيبة لا نعرف كيف نتجاوزها. المدهش هو كيفية تأمُّل الزمن في شريط تامر السعيد؛ الزمن الذي سبق الطوفان، والزمن الذي تلاه. لم يتغيّر شيء. لا يزال الجمود والملل والظلام تُغلّف أركان القاهرة الخديوية، وكأنها أُفرغت من روحها. روح المدينة ورياحها باتتا ثقيلتين، أثقل من أن تتحمّلهما صدورنا العارية.

هذه الصورة الزمنية المشبَّعة بثقل الماضي وضبابية المستقبل، التي تحدّث عنها دولوز، تنسجم تمامًا مع بناء «آخر أيام المدينة». وإذا فكّكنا الزمن داخل مرثية السعيد وأعدنا تجميع شظاياه، سنجده صالحًا لأي زمن مضى أو آتٍ. هذا التجريد الزمني يتجلَّى في كون الفيلم صُوِّر قبيل ثورة يناير، ومع ذلك ابتعد تمامًا عن الإشارة إليها، إذ تعمَّد مخرجه ألّا يُختزل العمل في لحظة تاريخية بعينها. أراده وثيقة قابلة للمشاهدة في أي وقت، وشريطًا يحظى بنصيب من اسم بطله، فكُتب له الخلود.
لم يتوقَّف التجريد عند حدود الزمن، بل امتد إلى الجغرافيا والمكان. فالعنوان نفسه لا يُسمّي مدينة بعينها؛ قد تكون المدينة أي مكان آخر: العراق، بيروت، أو حتى الإسكندرية. في أحد المَشاهد تتساءل «حنان»: «ليه حكاية بيت جليم شغلاك؟ إنت بتدوّر على إيه؟». «خالد» لا يوثّق فقط ذكريات عقار إسكندري ستلتهمه الجرافات كما يلتهم البحر أقدام المدينة ببطء، وإنما يُجسّد روح الفقد. يُصوّر أمّه التي تنازع الموت، حبيبته التي تهمّ بالهجرة بعد أن خنقتها شوارع المدينة، وقاهرته التي غدرت به. عالمه ينهار تدريجيًا، ولا يقاوم هذا الانهيار إلا بالكاميرا.
علاقة «خالد» بالمدينة تقترب، من وجهة نظري، من مشهد يتبادل فيه النظرات مع سيدة عجوز تبدو كأنها خرجت للتو من إحدى لوحات ألبرت أنكر، بملامحها الهادئة وملابسها الأنيقة المتّشحة بالسواد وورودها البلدية البيضاء. يتبادلان النظرات أمام محل للأنتيكات، وكأنّ الزمن توقّف. أكاد أسمع حوارهما الصامت:
– ماذا نفعل هنا؟
– حسنًا، ماذا بعد نهاية المدينة؟

عزلة وسط صخب القاهرة
«– إزاي تسمع الصمت وسط دوشة القاهرة؟
- شو؟
- عارفين لما فجأة يعم هيك سكوت، بيكون مارق ملاك… هلّا، لما سكت كل شي».
التحدّي الأكبر أمام تامر السعيد كان بناء هوية صوتية للمدينة، وهو أمر يصعب تخيّله لمَن اعتاد التجوال في شوارع وسط القاهرة. كيف يتحوّل هذا الضجيج إلى سيمفونية؟ وكيف تصبح أصوات الباعة وكلاكسات السيارات ضوضاء متناغمة؟
جميع الأصوات المصاحبة للفيلم صُمّمت لتكون رحلة موازية لرحلة «خالد» الداخلية، كأننا نتجوّل بسماعات رأس داخل ذهن بطل مسكون بصخب المدينة.

عند تفكيك الصوت في الفيلم، نلاحظ وجود مدرستين في تصميم الصوت السينمائي: الأميركية، إذ يتقدّم الحوار ثم الموسيقى والمؤثرات؛ والفرنسية، إذ يأتي الحوار لاحقًا. أخبرني أحد مهندسي الصوت أنّ النموذجين لا يُشبهان واقعنا؛ لا وضوح الحوار ولا الموسيقى الخلفية الدائمة تعبّر عن أصوات الشارع لدينا.
هنا تتجلّى فرادة «آخر أيام المدينة». مُصمم الصوت فيكتور بريس لم يضع الحوار في المقدّمة، فقد دفنه وسط الأصوات المحيطة. خيار فنّي مقصود يدعونا لملء الفراغات، لاستكمال الصمت، ولمعاناة الاستماع نفسها التي نختبرها يوميًا في الشارع. هكذا يعكس الفيلم واقع الحياة في القاهرة.
خلق السعيد علاقة تكاملية بين الصوت والصورة، وبنى مونتاج مَشاهد كاملة انطلاقًا من فكرة صوتية، إذ يبدأ المشهد بصوت، ثم يُعاد تشكيل الصورة حوله. خيار تقني معقّد يفرض إعادة إنتاج الصوت مع كلّ تغيير بصري، لكنه يُرسّخ فكرة أننا نقرأ الصورة عبر الصوت، كما نقرأ الحروف من خلال النقاط. استعان السعيد بضجيج القاهرة لرسم غربة «خالد»، وجعلنا نعيش معه رحلة التيه في وجه مدينة تلفظه ببطء. الفيلم بأكمله بحث عن الصمت وسط الضجيج.

علاقتي الصوتية بالقاهرة تشبه ما يختبره «خالد». في لحظات الصمت، أكتشف أنّ الصخب لم يغادرني، بل تحوّل إلى صفير خافت يهمس في أذني. لا الصمت صمت، ولا السكون سكون؛ بل غياب مؤقت للأصوات، مثل أثر تشويش قديم لمدينة تسكنني.
قبل مشاهدة الفيلم، والتي تأخّرت أعوامًا، تساءلت عن سبب عدم إنجاز تامر السعيد أي مشروع آخر بعد «آخر أيام المدينة». قد لا يكون هذا جوابًا فعليًا، لكنه إحساس بأنّ تجسيد المدينة على الشاشة استنزفه عاطفيًا، كما تستنزفنا القاهرة يوميًا. أنجز السعيد هذه المرثية وكأنّ روحه فاضت بالكامل، مزَّقها قطعة قطعة وصاغها فيلمًا، ثم رحل، تاركًا مدينة تحرسها شاشة بيضاء.
اقرأ أيضا: «آخر أيام المدينة».. الحنين للصمت وسط ضجيج القاهرة