فاصلة

مراجعات

«يد الرب»… الألم ذاكرة للنجاة

Reading Time: 5 minutes

ما أن قرأت اسم الفيلم «يد الرب The hand of God» واسم مخرجه باولو سورنتينو المهووس بمدينته نابولي، حتى تحضرت لمشاهدة فيلم عن أسطورة كرة القدم الراحل مارادونا وعلاقته بالمدينة وستادها الشهير، لكن سورينتينو كعادته كان خارج كل توقع، فوجدتني أمام فيلم شخصي وحميمي عن الفقد والمراهقة والحنين لنابولي قديمة شهدت سنى التكوين الأولى لمخرجنا في الثمانينيات، تحديدًا السُنى التي ينشغل فيها الإنسان بالبحث عن جدوى ومعنى وجوده. وفي قصيدة حب سينمائية أخرى منه لنابولي، يستعيد باولو سورينتينو سيرته الذاتية في عالم ينهار، فيشيده من جديد عبر السينما. 

في فيلمه الذي عرض سنة 2021، يعرض سورينتينو نابولي جسدًا حيًّا.. مدينة تفيض بالفوضى والعاطفة، بالحبّ العائلي والهشاشة القاسيةنرىفابيتوالمراهق وهو يعيش في كنف عائلته الكبيرة التي تجمع بين الهزل والعصبية، وبين دفء الطعام على المائدة وتوتر العلاقات. هذه اللحظات الخفيفة المليئة بالضحك والمفارقات، تتكسّر فجأة مع مأساة موت والديه في حادث تسرب غاز. في تحول من سرد شبه كوميدي إلى مواجهة مباشرة مع الفقد والضياع.

يد الرب The Hand of God (2021)
The Hand of God (2021)

في «يد الرب» كان سورنتينو أكثر هدوءًا وأقل استعراضًا من أفلامه السابقة مثل «الجمال العظيمLa Grande Bellezza» الذي عرض في 2013، وكأن الفقد أجبره على الصدق العاري.

بالنسبة لي، لم أر في «يد الرب» مذكرات سينمائية، بل محاولة للنجاة: كيف يمكن للإنسان أن يعيش بعد أن فقد كل ما يربطه بالبيت؟ وكيف يمكن تحويل الخسارة إلى لغة فنية؟ وكيف تبحث عن التفاصيل الصغيرة دون أن تبحث بشكل مباشر عن الدموع؟

جماليات الفيلم تكمن في قدرته على تحويل المأساة إلى مادة بصرية وشعرية: البحر الشاهد على الوحدة، أو المخرج الذي ينصح فابيتو بالابتعاد عن القصص الصغيرة والانفتاح على العالم؛ كل ذلك ينسج تأملًا في معنى الفن كفعل مقاومة.

بالرجوع إلى فهمي الخاطئ في البداية لعنوان الفيلم الذي يبدو في البداية وكأنه يحيل مباشرة إلى كرة القدم، إلى تلك اللحظة الشهيرة في مونديال 1986 حين سجّل دييغو مارادونا هدفًا بيده أمام إنجلترا، ثم رد على من انتقدوه بأن من أحرز الهدف لم تكن يده؛ وإنما هي «يد الله». نجد أن الفيلم لا يحكي عن الرياضة بقدر ما يستعير صورة مارادونا ليصوغ بها معنى أعمق: كيف يمكن ليدٍ غير مرئيةسواء كانت يد القدر، أو يد الفن، أو يد المخلّصأن تغيّر مسار حياة كاملة.

The Hand of God (2021)
The Hand of God (2021)

مارادونا في نابولي لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان أسطورة أزالت المدينة من هامش الفقر إلى مركز الاهتمام العالمي. قدومه في منتصف الثمانينيات منح أهل نابولي شعورًا بالخلاص، إحساسًا بأن معجزة ما يمكن أن تحدث حتى في أكثر الأماكن تهميشًا. نابولي، التي طالما عاشت على الهامش داخل إيطاليا، وجدت في مارادونا رمزًا لكرامتها المستعادة.

هذا البعد الرمزي هو ما يجعل العنوان أكثر من مجرد إشارة رياضية. «يد الرب» في الفيلم تجلت في التدخل الغامض الذي ينقذفابيتومن الموت لأنه في اللحظة التي يموت فيها والداه كان هو في الملعب يشاهد مارادونا. هذه النجاة القاسية تُلقي عليه عبئًا وجوديًا أكبر من الألم نفسه: لماذا بقي حيًا؟ وماذا عليه أن يفعل بهذا البقاء؟

يد الرب The Hand of God (2021)
The Hand of God (2021)

 المفارقة قاسية، لكنها محتشدة بالمعنى: كرة القدم أنقذت حياته، لكنها في الوقت نفسه جعلته يواجه فراغًا لم يعد يملأه سوى السينما.

الفيلم يشبه مسيرة مارادونا نفسها: بداية مبهجة مليئة بالطاقة والفوضى، ثم سقوط مدوٍ بسبب القدر أو الاختيارات، وأخيرًا محاولة للنجاة عبر البحث عن معنى آخر للحياة، وإيجاده.

مثلما عاشت نابولي نشوة وجود مارادونا ثم ألم سقوطه، يعيش فابيتو لحظات طفولة مذهلة ثم مأساة الفقد. وفي الحالتين، لا تكون النهاية استسلامًا بل إعادة بناء: نابولي صنعت لنفسها هوية جديدة رغم فضائح مارادونا، وفابيتو يقرر أن يصنع لنفسه مسارًا جديدًا عبر الفن.

في قراءة متأملة، الفيلم لا يقدّم الفقد كصدمة تُدمّر الشخصية، بل كأرضية جديدة لإعادة تعريف الذات. نابوليبكل دفئها وضوضائها وفوضاهاتصبح مدينة معلّقة بين الحب والفقد، كأنها انعكاس لروح بطل الفيلم. وعندما يقرر الرحيل إلى روما، فهو لا يهرب من المدينة بل من ماضيه الممزق، بحثًا عن لغة جديدة تمنحه معنى للبقاء.

وأظن أن لقاء فابيتو مع المخرج أنطونيو كابوانو يمكن وصفها بأنها لحظةإعلان نواياداخل الفيلم، فالحوار بينهما يضع خطًا فاصلاً: من هنا، السينما لن تكون مجرد ملجأ شخصي؛ بل مسؤولية إبداعية وأفق مفتوح لتحويل الحزن إلى رؤية. هذه اللحظة تقابلها رمزيًا «يد الرب» الشهيرة لمارادونا: حركة غير متوقعة، صادمة، لكنها تغيّر مسار المباراة. وكأن الفيلم نفسه نسخة سينمائية من ذلك الهدف: ضربة خارجة عن القواعد، لكنها تفتح أبوابًا لم تكن ممكنة.

The Hand of God (2021)
The Hand of God (2021)

كل ما كان قبل قرار فابيتو بالرحيل إلى روما يبدو الآن كمقدمة طويلة للحظة وعي: أن ما تبقى من الحياة لا يمكن عيشه كما كان. وأن النجاة من الألم لا تتحقق بالبقاء وسط رماده، بل بالتحرك نحوه.

في المشاهد الأخيرة، يدخل الفيلم في حالته الأكثر تأملًا. لا يعود يهتم بالحبكة أو بالأحداث، بل بالصمت. الصوت الخافت لعجلات القطار، النظرات المعلقة، حركة الضوء في عيني فابيتو؛ كلها تفاصيل تُبنى عليها لحظة الإدراك: أن النجاة لا تعني نسيان الألم، بل تحويله إلى شيء يمكن احتماله.

السينما هنا ليست هروبًا من الواقع، بل الطريقة الوحيدة لاحتضانه دون أن يدمّر. مشهد الراهب الصغير في هذا القسم من الفيلم يأتي كإشارة غامضة أخرى. الراهب لا يقدّم تفسيرًا، لكنه يظهر في لحظة حدودية بين الحلم والواقع، وكأنه تجسيد لفكرةيد الربذاتها، تدخل القدر حين يعجز الإنسان عن الفعل. كأن القدر نفسه قد مرّ ليلمس كتف فابيتو قبل أن يتركه لمصيره.

The Hand of God (2021)
The Hand of God (2021)

لحظة استقلال فابيتو القطار إلى روما ليست انتصارًا ولا خلاصًا تامًا. هي بداية طريقٍ طويل لا يعرف إلى أين يقود، لكن يكفي أنه طريق اختاره بنفسه. على وجهه لا تظهر ملامح الأمل بقدر ما يظهر الهدوء. هدوء من قرر أخيرًا أن يصنع من جرحه معنى. وفي تلك اللحظة يبلغ الفيلم لحظته الأصدق: لا شيء في الحياة يُرمم تمامًا، لكن يمكن تحويل ما تبقى إلى فن.

«يد الرب» ينتهي كما يبدأ بمصادفة تحمل يد القدر لكن هذه المرة ليست يدًا تنقذ، بل يدًا تدفع. تدفع فابيتو إلى أن يخطو، إلى أن يرى أن الخلاص لا يُمنح، بل يُصنع.

في لحظة مغادرته، تصبح السينما هي البديل عن الأب والأم، عن العائلة، عن مارادونا، عن المدينة. تصبح الطريق الوحيد ليظل ما فُقد حيًا، لا في الذاكرة فقط، بل في الصورة

الفيلم مرآة لحكاية مارادونا والمدينة معًا: قصة عن الأمل والخسارة، وعن كيف أن يدًا واحدة سواء رفعتها الجماهير في المدرجات أو امتدت من القدر يمكنها أن تغيّر تاريخًا بأكمله.

اقرأ أيضا: «شاعر»… تراجيكوميديا عن شاعر معذبّ وفقر مسوّق ثقافيًا

شارك هذا المنشور