بعد غياب قرابة سبع سنوات، يعود المخرج لازلو نيميش بثالث أفلامه الطويلة «يتيم» («Orphan»، 2025) الذي يشارك في مسابقة مهرجان البندقية (فينيسيا 82). نيميش الذي حقق فيلمه الأول «Son of Saul» (ابن شاول) نجاحًا ساحقًا منذ عرضه في مسابقة مهرجان كان عام 2015 حيث حصل على جائزة لجنة التحكيم الكبرى قبل أن يحصد العديد من الجوائز في أغلب المحافل، وصولًا إلى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية (أفضل فيلم دولي حاليًا).
يشكل «يتيم» الظهور الثاني للمخرج المجري في مسابقة مهرجان البندقية بعدما شارك في 2018 بفيلم «Sunset» (غروب) والذي لم يحظ بنفس نجاح الفيلم السابق، وإن كان نال حظه من العرض بشكل جيد في عدة مهرجانات كبرى، وهكذا يأتي هذا الفيلم مع تساؤل مهم: هل كان نجاح نيميش في فيلمه الأول مجرد دفقة إبداع انتهت سريعًا أم أنه لا زال أمامه الكثير ليقدمه؟

في هذا الفيلم أيضًا يعود إلى الماضي، وتلقي الحرب العالمية الثانية بظلالها على شخصيات الفيلم، وإن كانت الأحداث الرئيسية تقع بعد نهايتها بسنوات وتحديدًا بعد الثورة المجرية عام 1956. نتابع الطفل آندور (بويتوريان باراباش) الذي نشأ في ملجأ نتيجة قبل أن تسترده والدته وتخبره أنه يتيم الأب. الطفل الذي يرسم لوالده صورة مثالية في خياله، يفاجأ بشخص عكس هذه الصورة تمامًا يظهر في حياته ويدعي أنه والده.
يبدو «يتيم» بمثابة زاوية أخرى لما قدمه نيميش في «ابن شاول» ولكن إن كان البطل في هذا الأخير هو الأب، فإن البطل في الأول هو الابن، لنجد أنفسنا أمام عدة أفكار يطرحنا الفيلم داخلها، صورة الوالدين التي يرسمها الأطفال في أذهانهم، وتأثيرات الحرب على الأبناء تحديدًا، وهو ما يجعل الفيلم شديد المعاصرة رغم أن أحداثه تقع قبل حوالي 75 عامًا.
عكس الأفلام التي تقدم الأطفال في هذه المرحلة وتحت هذه الظروف غارقين في البراءة ومفعمين بالأحلام، نشاهد آندور منذ البداية يخبئ سلاحًا، ولا يبدو مثاليًا بأي حال، وإن كانت هذه الحالة اللا-مثالية تبدو أقرب للواقعية وأكثر منطقية، بالنظر إلى طبيعة الظروف المحيطة بهذا الطفل، والتي لا يبخل الفيلم في عرضها علينا ليس فقط من خلال شكل المدينة الكئيب والخانق ولكن من خلال استخدامه للألوان الداكنة ودرجات من البنيات والأصفر التي أضافت شعورًا بالجفاف لكل ما نشاهده. آندور ليس الطفل الوحيد بل هناك صديقته التي تماثله في العمر تقريبًا وشقيقها الهارب من يد الشرطة نتيجة مشاركته في المظاهرات. تختلف شخصياتهم لكنهم يتشاركون في الواقع المظلم الذي لا يبشر بأي حال بمستقبل أكثر بهجة.

يصنع آندور من أبيه بطلًا في خياله، ووسط واقعه يبدو هذا البطل هو الشيء الوحيد الذي يمنحه قوة وأمل ما. وهذا هو السؤال الأول الذي يأخذنا الفيلم خلاله، ماذا لو كان بإمكانك أن تختار أبويك؟ أو على الأقل تصنعهما في ذهنك؟ بالتأكيد ستكون صورة خالية من أية شوائب!
لهذا عندما يظهر بيريند (جريجوري جادبوا) الذي يبدو أنه والده الحقيقي، ترتبك مشاعره تمامًا ومعها مشاعرنا نحن المشاهدون أيضًا. ينجح المخرج تمامًا في توحيدنا مع شخصية الطفل، وبالتالي عندما يظهر بيريند، وهو جزار ذو شكل تقليدي، فإننا نجد أنفسنا نتشارك في رفض أن يكون هذا الرجل هو والد الطفل. ثم يضيف السيناريو المزيد من الحيرة، إذ نجد هذا الرجل يحاول أن يتعامل بشكل جيد مع الطفل والأم أيضًا، إذًا لماذا الرفض؟ هل لأنه ليس على الصورة التي رسمها آندور في مخيلته ومخيلتنا بالتالي؟ أم لأن الأم تبدو غير مرتاحة معه؟
الحيرة تمتد عندما نشاهد مصائر بقية الشخصيات داخل الفيلم، إذ أن فكرة المثالية تتآكل في ظل ذلك الزمن المشوه، وهو ما يثير التفكير في معنى أن نرجو من هؤلاء الأطفال أن يعيشوا بشكل اعتيادي تحت أشباح الموت والخوف والتهديد طوال الوقت، ألا يذكرنا هذا بما يحدث حولنا حاليًا؟

منذ بدايته لا يعدنا هذا الفيلم بأية نهايات سعيدة، ولكن مع تعقيد الشخصيات فإنه يمنحنا مساحة للتفكير في عدة نهايات مؤلمة لكل شخصية، ورغم التوقعات فإن ما يقدمه السيناريو في الفصل الأخير يترك أثرًا ثقيلًا في النفس. «يتيم» هو بمثابة استمرار لقدرات لازلو نيميش في استلهام قصص من الماضي ولكنها تضم الكثير من المشاعر التي تجعل أثرها ممتدًا وشديد القرب من الواقع.
اقرأ أيضا: ليبيا تعود بعد غياب والمخرجات يتصدرن المشهد العربي في فينيسيا 82