بعد تسع سنوات من الفيلم الأول لذي حقق نجاحًا جماهيريًا وقت عرضه، يعود المخرج هادي الباجوري بجزء ثان من فيلمه «هيبتا» المأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه، حققت بدورها مبيعات كبيرة وقت صدورها سنة 2007.
في الفيلم الجديد «هيبتا: المناظرة الأخيرة»، الذي يحمل عنوانًا مشابهًا لعنوان الفيلم الأول «هيبتا: المحاضرة الأخيرة»، يقدم الباجوري الخلطة نفسها التي ميزت الفيلم الأول، إذ يقدم توليفة تجمع بين القصص الرومانسية المتعددة، في إطار تعليمي «فلسفي» عن الحب ومراحله. لكن هذه المرة أضيف عنصر جديد من المفترض أنه يتحدى المعنى الكلاسيكي للعلاقات، وهو التكنولوجيا عموما والذكاء الاصطناعي خصوصًا.
ينطلق الفيلم من حكاية سارة (منة شلبي)، المبرمجة الشابة التي تتلقى تكريمًا في مؤتمر علمي، عن تصميمها تطبيقًا يستخدم الذكاء الاصطناعي لترشيح الشريك العاطفي المثالي.
يقدم التطبيق لكل مستخدم شريكًا افتراضيًا يتطور معه عبر علاقة رقمية، يتعلم من تفاعله، يتخلص من صفاته السلبية، ويكتسب الصفات المرغوبة حتى يصل إلى النموذج المثالي، ثم يرشّح التطبيق للمستخدم شخصًا واقعيًا يطابق هذا النموذج، ليضمن علاقة عاطفية ناجحة بين الشخصين الأنسب.
خلال محاضرتها، تبدأ سارة في سرد ثلاث قصص حب معاصرة تُقسَّم إلى سبعة فصول، كل منها يحمل عنوانًا يقدّم قاعدة أو حكمة عن الحب والعلاقات، في استكمال مباشر لأسلوب الجزء الأول الذي قسم العلاقات الإنسانية إلى مراحل.

على الورق، الفكرة تبدو مذهلة: ربط تطور المشاعر البشرية بآلة قادرة على تحليلها وتعلّمها. لكن الخبر السيء أن الفيلم لا يستثمر هذه الفكرة إطلاقًا، ولا يقدم ما وعد به.
الذكاء الاصطناعي هنا مجرد مفهوم براق نتحدث عنه دون أن نورطه في الدراما بشكل عملي. فلا نرى كيف يتفاعل التطبيق مع أبطال تلك القصص، كيف يطور العلاقات؟ كيف يهددها؟ نسمع فقط أن سارة استخدمت تلك القصص لتعليم الذكاء الاصطناعي، لكن كيف؟

التوظيف الوحيد للذكاء الاصطناعي كان من خلال شخصية «نوح»، التي جسدها هشام ماجد، وهي الشخصية الافتراضية التي خلقتها سارة شريكًا رقمي لها.
في البداية، يمنح هذا الخط نكهة طازجة للفيلم – رغم أنه مبتور الصلة بما حوله – يقدم العلاقة بين الإنسان والآلة، وهي تجربة نادرة في السينما المصرية وإن نٌفِّذت بشكل بالغ الضعف مقارنة بمثيلاتها في السينما العالمية.
«نوح» شخصية لطيفة، ذكية، ومرحة، تمثل نموذج الرجل المثالي الذي يفهم شريكته قبل أن تتكلم. بعض المشاهد التي تجمعه بسارة تحمل خفة ظل ولمسات إنسانية لطيفة. ولكن سرعان ما تتحول تلك العلاقة إلى زخرفة بلا وظيفة درامية. فهو لا يعدو مساعد شخصي على غرار «سيري» أو «جيميني».

الشخصية مقدمة بشكل شديد التحفظ. لم يُطرح أي سؤال جاد حول ماهية المشاعر التي يمكن أن تنشأ بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، أو حدودها الأخلاقية أو الحسية. لم نرَ تهديدًا للعلاقات البشرية الحقيقية، ولا حتى أثرًا كبيرا لتلك العلاقة على سارة نفسها بما يدفع الدراما للأمام، وكأنها مجرد فكرة وُضعت لإرضاء الموضة لا لتقديم قراءة فكرية أو فلسفية جديدة للحب في عصر التكنولوجيا.

أما القصص الثلاث التي تُحكى ضمن المحاضرة، فهي من النوع الذي شاهدناه عشرات المرات. قصص عن الحب، الفقد، الغيرة، الخيانة…الخ كلها تُروى بأسلوب تقليدي يفتقد للابتكار أو العمق أو المفاجأة.
مواقف متفرقة، موسيقى شاعرية، نظرات هيام، إفصاح عن المشاعر، تطورات متوقعة، وعثرات مستهلكة، ومونتاج متسارع يحاول منح كل ذلك معنى أكبر مما يحتمل. كل لوحة تبدأ بوميض مشاعر وتنتهي بعبارة حكيمة.
هذا النمط من الكتابة هو ما يمكن تسميته بـ«أدب التنمية الذاتية المغلف بالدراما» وهو ما ميَّز أعمال محمد صادق وأبناء جيل أدبي كامل لمع في بداية العقد الثاني من الألفية. كُتاب يعاملون القصة كوسيلة لتوصيل دروس نظرية في الحياة، متأثرين بكتب التنمية الذاتية التي انتعشت بالتزامن مع هذا النوع من الأدب. يمكن اختصار تلك المدرسة في الميل للبحث عن «الخلاصة» أو القواعد، أو كل شيء عن أي شيء، لاحظ عنواني الفيلمين: «المحاضرة الأخيرة»، «المناظرة الأخيرة»، كلاهما يعدك بأن تصير خبيرًا في شأن ما!

تلك القصص ترفض التركيز على زاوية محددة، بل متخمة بكل الزوايا النظرية، حتى لو افتقدت لتطبيق عملي ودرامي، فتتحول معها الحبكة إلى معرض بشري مزدحم. ويتحول التنظير إلى ثرثرة تفقد معناها بمرور الوقت. المفارقة أن الفيلم في حبكته الرئيسية يدين الخطاب التنظيري عن العلاقات، بينما يقع فيه تمامًا.
بين الشكل والمضمون
لا يمكن إنكار أن المخرج هادي الباجوري يمتلك توقيعًا بصريًّا أنيقًا. الصورة جميلة، والألوان كأنها مبرمجة بدقة، والإضاءة دائمًا ناعمة وجذابة، وأماكن التصوير الخارجية ربما هي الأجمل والأكثر إثارة في القاهرة. كأن كل مشهد لوحة رومانسية. وزاد اهتمامه بالتفاصيل المرئية مثل التلاعب بحجم الكادر (aspect ratio)، والذي كان يختلف حجمه باختلاف كل قصة، لسبب مُبهم!
لكن الغريب أن الباجوري لازال منشغلا بهذه الأمور الشكلية كأولوية – رغم أنه أثبت مرارا تفوقه فيها – على حساب تطوير النص وقيادة التمثيل. إذ بدا واضحًا أن اختيار طاقم التمثيل اعتمد أساسًا على الجاذبية الشكلية ومغازلة الجيل الجديد، أكثر من اعتماده على الكفاءة التمثيلية. فالحوار المكتوب يعجّ بتعابير مكثفة عن الحب والمشاعر والدواخل والحِكم، تتطلب أداء مقنعًا ومتزنا كي لا يشعر المشاهد بالإحراج من سماعها، لكن معظم الممثلين لم يتمكنوا من احتوائها، فجاء الأداء مصطنعًا وسطحيًا إلى حد كبير. وكأن الممثلين يجسدون شخصيات لا يعرفونها حقا.

حتى البطلة منة شلبي، وهي نجمة ذات موهبة كبيرة وخبرة طويلة، لم تكن في أفضل حالاتها؛ إذ اتسم أداؤها بالعصبية وقلة الثقة، خصوصًا في مشاهد المحاضرة على المسرح التي بدت فيها مرتبكة وغير متمكنة وغير مُقنعة، وكأنها تمثل للمرة الأولى. ولا أقصد هنا ارتباك الشخصية بل ارتباك الأداء نفسه.
على النقيض، تألق محمد ممدوح في دور «أسامة»، فكان الممثل الوحيد الذي قدّم أداءً طبيعيًّا ومقنعًا. وأضافت شخصيته حضورًا ممتعًا منح الفيلم شيئًا من التوازن. ولا يمكن فصل هذا التفوق عن الجودة في كتابة الشخصية، فالأمور عادة تبدأ من النص.

شخصية «أسامة» من العناصر التي منحت الفيلم بعض الحيوية، وهو أحد ضيوف المحاضرة الذي يتفاعل مع حديث سارة بنقد مباشر، محولًا المحاضرة إلى مناظرة تضيف دينامية واضحة في الإيقاع، وتنقذ مشاهد الإلقاء من الضعف والمباشرة بتحويل المونولوج إلى ديالوج.
هذا الخط أضفى قدرًا من الصراع وكسر نمطية الصوت الواحد. لكن رغم أهمية الشخصية، فإن عيبها الجوهري كان في تأخر ظهورها ليبدأ بعد نحو أربعين دقيقة من بداية الأحداث، وعيبها الثاني هو استغلالها في «تويست» ختامي بدا مُلفقًا.
ختاما، سواء من أعجبهم الفيلم أو لا، سيخرج المشاهد بانطباع جميل عن موسيقى هشام نزيه الساحرة، وتيمته المميزة التي استخدم فيها الصفارات، لتبقى الموسيقى العنصر الأكثر حياة في مناظرة هيبتا الأخيرة.
اقرأ أيضا: منه شلبي… ممثلة لا تعرف التكرار