فاصلة

مراجعات

«نينا روزا»… هل تشتري المستقبل بالذكريات؟ تساؤلات الهجرة الطوعية في أفضل أفلام برليناله

Reading Time: 4 minutes

كعادة مهرجان برلين خلال الأعوام الماضية، كان النقاش عمّا خارج القاعات أكبر بكثير عن الأفلام داخلها، بعدما تحول المهرجان ساحة للجدل السياسي الذي استمر منذ يوم الافتتاح وحتى ما بعد الختام، مع نسبة أقل من الحديث عن الأفلام، ربما لأن كثير منها جاء اعتياديًا، قد يحمل بعض أسباب الجودة لكنه لا يقدم الجديد سينمائيًا، لا يُشعرك بالإشباع الفني ويجعلك راغبًا في مناقشته وعرضه وتقديمه لمن لا يعرفه. ربما لم يصلني هذا الشعور خلال مشاهدة 22 فيلمًا تنافست في المسابقة الدولية إلا في فيلم واحد، هو «نينا روزا Nina Roza»، فيلم المخرجة الكندية جونيفيف دولود دي كيليس الذي نال جائزة أحسن سيناريو في المسابقة.

الجائزة المستحقة أبرزت قيمة النص الذي كتبته المخرجة، والذي يمكن اعتباره نموذجًا لحكاية مُعاصرة، تطرح أسئلة ملائمة للحظة الراهنة التي صار هجرة البشر فيها أمرًا يوميًا يُقدم عليه ملايين البشر أملًا في حياة أفضل، لا نعني هنا الهجرة الإجبارية أو غير الشرعية، وإنما تلك الطوعية من أجل التعليم والعمل وتحسين ظروف الحياة. لكن هل الأمر بهذه السهولة؟ هذا ما تطرحه المخرجة في فيلمها.

«نينا روزا»
Nina Roza (2026)

«نينا روزا» هو مزيج بين اسمي فتاتين تُشكلان الاختبار الفكري والحياتي الذي يعيشه متأخرًا بطل الفيلم ميخايل: ابنته روزا وموضوع بحثه نينا. ميخايل ترك وطنه بلغاريا قبل أعوام طويلة، مصطحبًا ابنته روزا دون أمها التي رفضت الهجرة، ليطارد حياة أفضل في مونتريال الكندية له ولابنته. يبدأ الفيلم وقد تحقق حلمه بالفعل، فقد صار خبيرًا فنيًا موثوقًا، يلجأ إليه جامعو الأعمال الفنية ليتأكد من أصالتها، ومن بينهم عميل يكلفه بمهمة خاصة جدًا: السفر إلى بلغاريا للتأكد من موهبة نينا، الفتاة ذات الثمانية أعوام والتي صارت حديث وسائل التواصل الاجتماعي بموهبتها الفطرية ولوحاتها التي لفتت نظر الكشّافين الفنيين، فإن أكد ميخايل أن نينا ترسم هذه اللوحات بنفسها، ستتغير حياتها وأسرتها للأبد: ستُباع اللوحات بثمن باهظ، وستنتقل الفتاة لدراسة الفن في روما على نفقة الكشّافة التي عثرت عليها وتعاقدت مع أسرتها.

في البداية يتردد ميخايل ويكاد يرفض المهمة، لأنها ستكون المرة الأولى التي يزور فيها بلغاريا منذ قرر تركها، بلده التي لا يكن مشاعر إعجاب كبيرة به، لكنه في نفس الوقت لا يرتاح للقطيعة الكاملة التي تسبب فيها بين ابنته (وحفيده بطبيعة الحال) وبين جذورهما. يقبل ميخايل المهمة ويسافر إلى بلغاريا، ليبدأ الرحلة الشيقة من اكتشاف الذات عبر طرح سؤال: ماذا لو؟ ماذا لو بقى الرجل في وطنه، هل كان ليحقق نفس النجاح ويمنح ابنته نفس التعليم؟ وما الثمن الذي دفعه مقابل ذلك؟

Nina Roza (2026)
Nina Roza (2026)

العودة للوطن

في بلغاريا يتعامل الجميع معه باعتباره أجنبيًا، يرفضون تصديق جذوره ويسخرون من اللكنة التي يتحدث بها بحكم الانقطاع واختلاف الزمن، يمنحونه أفضل وأسوأ ما في الثقافات الشرقية: الترحاب والود وخفة الظل من ناحية، والدهشة والاستهزاء والرغبة في الانتفاع المادي من ناحية أخرى. يصل ميخايل إلى قرية نينا، ليتعرف على الفتاة الجذابة التي صارت مشروعًا يأمل كل أفراد أسرتها، بل وقريتها أن ينجح فيغيّر أحوالهم للأحسن.

المخرجة استعانت بشقيقتين توأم للعب دور نينا، وهو اختيار قد يكون لأسباب إنتاجية، لكنه ساهم في ترسيخ الطبيعة المتطايرة التي من المنطقي أن تعيشها طفلة موهوبة وجدت نفسها فجأة محل اهتمام الجميع، لتعيش حالة من الانتقال المستمر بين الهدوء والغضب، الرضا والسخط، حب الرسم وكراهيته، لكن الأكيد بالنسبة للفتاة أنها لا ترغب في ترك قريتها وعائلتها، تخاف من فكرة الهجرة إلى إيطاليا وتعتبر الكشّافة الفنية ساحرة ترغب في انتزاعها من عالمها وأخذها إلى مكان لا تعرفه.

أذكى ما في «نينا روزا» هو صدق كل وجهات النظر، فكشّافة الفنون قد تكون امرأة مادية ثقيلة الظل، لكنها تؤمن حقًا بموهبة نينا، وإلا لما راهنت عليها ولا استثمرت في تعليمها، والانتقال إلى إيطاليا سينزع الفتاة من جذورها وحياتها التي اعتادت عليها، لكنه بالفعل سيفتح لها آفاق أوسع ويمنحها تعليمًا أفضل ومستقبل أكثر رحابة، تمامًا مثلما فعل ميخايل مع روزا قديمًا: اختار بالنيابة عنها ومنحها حياتها الهانئة في كندا، لكن على حساب جذورها وعلاقتها بعائلة لا تعرف عنها شيء، وهو المأزق الأبدي الذي يُقابل كل من ينتمي للعالم الفقير ويأمل في مستقبل أفضل: هويته ونشأته هي ما جعلته ما هو عليه الآن، وما أعطته فرادته إن وجدت، لكنه مُطالب بالقطيعة مع ماضيه والبدء في مكان غريب عليه إذا ما أراد توظيف تلك الفرادة في التقدم والنجاح.

Nina Roza (2026)
Nina Roza (2026)

تساؤلات بلا إجابة

حالة نينا تفتح كل الجروح القديمة داخل ميخايل، يجد في تمسكها بحياتها البسيطة دفاعًا متأخرًا لم تتمكن روزا من التعبير عنه قديمًا، ربما لأن أحدًا لم يكن ينتظر منها الإبداع أو يعلق حياته عليها كما هو الحال مع الفتاة الموهوبة، كما يجد في شعوره بالحنين واستمتاعه بالرابط الفطري مع بني وطنه سببًا لإعادة النظر في قراره بالرحيل، والذي أسفر عن مواجهة مركزية في الفيلم تحدث عندما يقرر زيارة شقيقته دون إخطار سابق، فتقابله الأخت بجفاء تارة لانقطاعه عنها طوال السنوات الماضية، وتارة لإنه عندما قرر الزيارة لم يمنحها تنويهًا يكفل لها الاستعداد لأن تظهر أمامه في صورة لا تقول أن حياتها استمرت بنفس الرتابة التي دفعته للهرب قديمًا.

الشقيقة غاضبة على ميخايل لكنها انتفعت طيلة السنوات من الأموال التي يرسلها لها، وهو يشعر بالحنين لكن قرار الهجرة غير حياته بالفعل للأفضل، وابنته تجهل كل شيء عن بلغاريا وابنها لا يعرف اللغة، لكن حياتها في كندا كانت بالتأكيد أفضل على المستوى التعليمي والمادي والمهني، تمامًا كما تقف نينا على عتبة قرار مصيري: إما أن تصير فنانة عالمية ثرية وتفقد شيئًا من روحها، أو أن تبقى فلّاحة بلغارية سينسى العالم سريعًا إنها كانت طفلة الفن المعجزة، وستندم على الأغلب في المستقبل عن إضاعتها تلك الفرصة الذهبية من نفسها.

Nina Roza (2026)
Nina Roza (2026)

هذا التعقد الشديد، وغياب الخيار السهل الذي يحل الأزمة الدرامية دون خسائر أو تعاسة، هو ما يمنح سيناريو «نينا روزا» أهميته كعمل صادق نابع من فهم عميق لتجربة الهجرة وآثارها السلبية والإيجابية، وهو ما يجتمع مع الاختيار المتقن لفريق التمثيل، ولقدرة المخرجة على التنقل برشاقة بين مشاعر السعادة والحزن، وحب الوطن والنفور منه، ليأتي الناتج عملًا فنيًا مُشبعًا، قد لا يكون هو الفيلم المُبهر الذي سيحقق نجاحًا ضخمًا أو يغير حياة صانعته، لكنه سيمس بصدق من يشاهده بعناية. فيلم يُبشر بمخرجة كبيرة اسمها جونيفيف دولود دي كيليس، ربما سيكون فيلمها المُقبل هو ما سيكتشف العالم من خلاله موهبتها.

اقرأ أيضا: فيلم الدب الذهبي: «خطابات صفراء»… الفنان في مواجهة السلطة ونفسه

شارك هذا المنشور

أضف تعليق