فاصلة

مقالات

من «سيدة البحر» إلى «هجرة»… شهد أمين تواصل سعيها نحو الأوسكار

Reading Time: 3 minutes

قبل أربعة أعوام، رشّحت المملكة فيلم «سيدة البحر» للمخرجة شهد أمين لتمثيلها في جوائز الأوسكار 2021 عن فئة «أفضل فيلم روائي أجنبي»، بعد أن شهد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا العريق. واليوم، يتكرّر المشهد مرة أخرى، لتعود المخرجة «المختلفة» بالتجربة ذاتها عبر فيلمها الثاني «هجرة».

كان الغياب بين الفيلمين طويلًا، بل عن الشاشة الكبيرة أيضًا، إذ عكفت شهد خمس سنوات على كتابة «هجرة»، تحذف وتعيد وتبحث عمّا يستحق أن تضع اسمها عليه أخيرًا. ومثلما فعلت في تجربتها الأولى، كسبت الرهان مجددًا، فوصل فيلمها إلى مهرجان فينيسيا السينمائي  وهذا الأهم ومنه إلى تمثيل بلدها في الأوسكار.

فيلم هجرة (2025)
فيلم هجرة (2025)

«هجرة» شهد أمين الأولى!

ولدت شهد أمين في جدة، ونشأت بروحٍ حرّة ترفض التصنيفات الجاهزة. لم ترضَ أن تُحصر في صورة «الفتاة الهادئة»، فقصّت شعرها ورفضت الاعتراف بأنها «بنت» بالمعنى التقليدي، إذ كانت ترى القوة والجدية حكرًا على الأولاد، بينما تُترك للفتيات تفاصيل سطحية لا تشبهها. لم تكن أميرات «ديزني» جزءًا من عالمها، بل بطلات الأنيمي الياباني اللواتي يخضن مغامرات ويقعن في قلب الحكاية، ومن هناك بدأ وعيها بأن البطلة يمكن أن تكون محور القصة لا تفصيلًا فيها.

أحبت الشعر والسينما باكرًا، الفن السابع ألقى عليها سحره، وجعلها تقرر أن تصبح «صانعة أفلام»، قرار شبه مستحيل وقتها، لكنها سعت ورائه، فسافرت في السابعة عشرة إلى بريطانيا لدراسة السينما. وبعد عامٍ أمضته في إسبانيا، بدأت ترى العالم من زوايا مختلفة، وتقول إن تلك التجربة علمتها أن «كشف الضعف جزء من القوة».

شهد أمين
سيدة البحر (2019)

بدأت مسيرتها المهنية مساعدة مخرج في الإعلانات، ثم أخرجت أفلامًا قصيرة مثل «موسيقانا» و«نافذة ليلى» (2011) الذي عرض في مهرجان الخليج السينمائي، قبل أن تحقق انطلاقتها بفيلم «حورية وعين» (2013) الحاصل على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان أبوظبي، فتح هذا العمل أمامها الأبواب الدولية، حيث عرض في تورنتو، وترى عوالم أخرى، من خلال الأفلام المعروضة في هذا المهرجان، لتصنع بعدها أول أفلامها الطويلة «سيدة البحر» (2019) والذي قدّمها للعالم كمخرجة سعودية ذات رؤية رمزية جريئة، وكان بوابتها الأولى إلى مهرجان فينيسيا العريق، بل والأوسكار أيضًا، ومع عودتها بفيلم «هجرة» (2025)، لنفس المسار أكدت أن السينما بالنسبة لها ليست مهنة، بل وسيلة لاكتشاف الذات وسرد حكايات عن الحرية، والاختلاف، والإنسان في أعمق حالاته.

القصة المختلفة

منذ طفولتها، كانت شهد أمين تبحث عن قصص بطولة غير مألوفة، تنبع من رؤيتها الفلسفية حول الاختلاف وكسر القوالب والتحدي. شخصياتها النسائية تحمل دومًا عمقًا إنسانيًا وتناقضات غنية، كما في شخصية «حياة» من «سيدة البحر»، الطفلة التي رفض والدها التضحية بها قربانًا لسيدة البحر، لتكبر وتتمرّد وتغالب مصيرها، حتى تتحرر من الخوف ومن مجتمعها، وتصبح ندًّا للرجل في الصيد والحياة.

أما في «هجرة»، فقد تناولت شهد رحلة الحج بجرأة فكرية، محوّلة إياها إلى رحلة وجودية داخلية تعيشها نساء ثلاث: الجدة، والحفيدة الكبرى، والحفيدة الصغرى، لكل واحدة منهن هجرتها الخاصة، وأفكارها المتناقضة، وحتى تعريفها المختلف للمفهوم ذاته. تميل شهد إلى مثل هذه العوالم الرمزية والمجازية التي تأسرها في الكتابة، وتقول إنها لا تستطيع الإفلات من خيالها، متسائلة دومًا: «متى أصنع فيلمًا عاديًا مثل البقية؟» لكنها تفشل في أن تكون استنساخًا، فتصنع فيلمًا خاصًا بشهد أمين.

فيلم هجرة (2025)
فيلم هجرة (2025)

السينما كرحلة ممتعة

تسلك شهد في أفلامها طريقًا صعبًا، لا تركض فيه خلف ما يطلبه المشاهد، بل تخلق ما ترغب أن يراه على الشاشة الكبيرة التي أحبتها بشغف. فهي رغم نجاحها في اقتحام كبرى المهرجانات العالمية، لا تعرف طريق الاستسهال أو السعي وراء شباك التذاكر، بل تصنع أفلامها حبًا في السينما وسعيًا لخلق عوالمها الخاصة. تلك العوالم التي تؤهلها للوقوف جنبًا إلى جنب مع أبرز صنّاع السينما العالميين، رغم حداثة تجربتها.

 

شارك هذا المنشور