قلّة استوقفهم الذكرى العشرون لرحيل المخرج السوري الأمريكي مصطفى العقّاد. فمثل هذه اللحظات لم تعد نادرة في زمن منصّات التواصل، حيث يغدو الاحتفاء بأعياد ميلاد كبار السينمائيين أمرًا مألوفًا، بينما يندر استحضار تواريخ رحيلهم، خصوصًا عندما يكون الرحيل نفسه محمولًا على مأساة.
ففي التاسع من تشرين الثاني 2005، وعن خمسة وسبعين عامًا، قضى العقّاد وابنته ريما في تفجير إرهابي خلال حضورهما حفل زفاف في عمّان. هكذا غاب المخرج الذي ترك وراءه أحلامًا كثيرة لم يُكتَب لها أن تتحقّق، تماماً كحال الأمة العربية التي أراد لها العقّاد أن تنهض. ومن بين تلك المشاريع المجهضة: فيلمه التاريخي عن صلاح الدين الأيوبي، القائد المؤسس للدولة الأيوبية، الذي ظلّ يطارده لسنوات.
من كان يتخيّل أن العقّاد، المخرج الذي حفر اسمه في هوليوود قبل زمن التعدّدية والصواب السياسي، والذي خاض معارك ضارية دفاعًا عن اقتناعاته، وحلم بحضور عربي مشرف في مجال السينما، وسعى إلى تصحيح صورة الإسلام والعرب في الغرب، ودعا مرارًا إلى قراءة معتدلة للنصوص الدينية، سيرحل ضحية عمل إرهابي؟
المفارقة أن الرجل الذي أمضى حياته في مواجهة الصورة الكاريكاتورية التي رسمها البعض عن الإسلام، قتله أشخاص ربما لم يطلعوا على عمله قطّ… تمامًا كما أن من طعن نجيب محفوظ لم يكن قد قرأ كتبه.
كان العقّاد العربيّ في أميركا، والأميركيّ في العالم العربي. ظلّ على مسافة قريبة من هويته وجذوره، لم يساوم عليهما ولا يخفّف حدّتهما. انتقم بطريقة لائقة من أولئك الذين سخروا منه في بداياته يوم أعلن عزمه السفر إلى هوليوود «لدراسة السينما»، فأجابوه باستهانة: «اجعل أحلامك على قياسك». غير أن الشاب الذي غادر حلب وفي جيبه مئتا دولار، عاد ليجعل من حلمه المقياس الذي يُقاس به الآخرون.
تحوّل الإحساس بالنقص الذي لازمه في سنواته الأولى في أميركا إلى ثقة. وكان لا يخفي استهجانه قائلًا: «أشمئز من العرب الذين يأتون إلى أميركا فيغيّرون أسماءهم ويتبرأون من لغتهم لتسهيل أعمالهم». ظلّ فخورًا بانتمائه، وربما أفرط في هذا الفخر. وقد أخذ عليه بعض النقّاد انشغاله الدائم بأمجاد العرب وفتوحاتهم، وكأن قيمة الشعوب تُستمَّد من ماضيها لا من حاضرها. وكان سؤال واحد يلازمه: «أين العرب اليوم من الفلك والطبّ والتكنولوجيا وكلّ ما يصنع العصر الحديث؟».

رغم امتلاكه شركة إنتاج مستقلّة، لم يستثمر أموالها إلا في مشاريع تجارية محدودة، أبرزها سلسلة «هالووين» التي حقّق جزؤها الأول في العام (1978) إخراج جون كاربنتر أحد أعلى الإيرادات في تاريخ أفلام الرعب المنخفضة الموازنة. عالميًا، حقّق الفيلم 70 مليون دولار، مستردًا أضعاف ما استثمره العقاد فيه. مع الوقت أصبح من الكلاسيكيات قبل أن يضمّه الكونغرس إلى مكتبته في العام 2006. ومع أن هذه السلسلة تحوّلت إلى بصمته الأشهر على مستوى العالم، ظلّ العقّاد ينظر إليها بوصفها «الضرورة» التي مكّنته من تمويل أحلامه الكبرى، لا سيما مشاريعه التاريخية التي لم يتخلَّ عنها يومًا.
لم يكن العقّاد «مخرجًا عالميًا»، كما أحبّ بعض أنصاره العرب أن يصفوه. فباستثناء سلسلة «هالووين» التي درت له ولعائلته وورثته أرباحًا هائلة، لم يذب في نسيج المجتمعات الغربية ولم ينشغل بهمومها ليحمل قصصها إلى الشاشة. لم يتماه مع شؤون كونية بالمعنى السائد للعولمة الثقافية. بقي الحلبي الذي يريد إقناع العالم بأحقّية طرحه، كأنه محمول برسالة، أكثر منه صانع أفلام يبحث عن فرض نفسه كفنّان. ومن الواضح أنه، رغم ذيوع صيته، لم يخدم السينما العربية، بل ظلّ مشروعه شخصيًا في جوهره.

رغم إنجازه ملحمتين تاريخيتين بموازنات كبيرة، هما «الرسالة» (1976) و«أسد الصحراء» (1981)، فإنه لم يتحوّل إلى «سيسيل دو ميل العرب»، ولا إلى ديفيد لين الذي كان معجبًا به. فمجرد التعاون مع ممثّلين لهم انتشار عابر للقارات، وفي مقدّمهم أنتوني كوين وأوليفر ريد، لم يكن كافيًا ليجعله مرجعًا في الأفلام التاريخية. ومع ذلك، تحوّلت هاتان الملحمتان إلى محطتين فارقتين في السينما التي تتناول فصلًا من تاريخ الأمة العربية: عملان يحملان معايير سينمائية عالية، لكنهما أثارا نقاشات تتجاوز الشأن السينمائي إلى سجالات دينية وسياسية وثقافية. في المقابل، رفع نجاحهما سقف طموح العقّاد إلى حدّ جعله رهينة حلم أكبر من الطاقة المتاحة.
وبقدر ما شكّلا إنجازًا لمخرج جاء من بيئة كان يُسخَر فيها من أحلامه، كانا بالمقدار نفسه سببًا في مفارقة مؤلمة: فقد قاداه إلى انقطاع عطائه الإخراجي، بعدما وقع في فخّ تحديات إنتاجية لا نهائية، إذا أنه سعى إلى ما هو أضخم وأصعب وأبعد. ظلّ العقّاد أسير فكرة معيّنة عن السينما: الخطيب الذي يقف على منصّة، متوجّهًا إلى الجماهير العريضة بما يراه «رسالة» واجبة السماع. فأضحى نموذجًا مضادًا للحميمية، ومخرجًا يرى الشاشة من عل. ولم يبقَ من العقّاد، في سنواته الأخيرة، سوى ذلك الحلم الغامض بإنجاز ملحمة صلاح الدين، وزاد الطين بلّة أن ريدلي سكوت أنجز «مملكة السماء» قبل أن يبدأ العقّاد تصوير فيلمه، فخرج الأخير إلى الإعلام بمرارة قائلًا: «إنهم يشوّهون صلاح الدين».
قدّم العقّاد نفسه بوصفه مشروعًا حضاريًا متكاملًا، حاملًا على كتفيه عبء تمثيل الشرق الأوسط والدفاع عن جوهره في زمن تراجعت فيه السرديات الواثقة وتكاثر التشويه. في حديثه كما في مسيرته، يتجلّى رجل صريح يرى السينما قوة ناعمة تعيد تشكيل الوعي قبل أن تكون وسيلة ترفيه. لذلك ظل يردّد أن الإخراج ملعبه، وأنه لا يعمل لمجرّد العمل، بل ليترك بصمة تشبه عزيمته وإصراره.

في كلّ إطلالاته، يبدو العقّاد فنّانًا شديد الوعي بحجم الهوة الفاصلة بين العرب والغرب، انطلاقًا من إيمانه أن معركة الصورة أخطر من معركة السلاح. لذا حاول أن يقدّم الإسلام كما يعرفه هو، لا كما تلقّاه الإرهابي الذي قضى عليه: دينًا رحبًا وعقلانيًا. وقد فعل ذلك في «الرسالة» عندما خاطب العالم من موقع يتجاوز الدعوة المباشرة. ثم عاد في «أسد الصحراء» ليغرس في الذاكرة معنى المقاومة وكرامة الإنسان.
لم يخش العقّاد المواجهة. انتقد، بجرأة، محاولات بعض السينما العربية محاكاة الغرب على حساب الذات، ووقف ضد كلّ قراءة تُشوّه التاريخ أو تقدّمه بسطحية. كان يؤمن بأن الفنّ مسؤولية، وبأن مخاطبة العالم لا تكون إلا بلغته ومنطقه، بعيداً من الادعاء والمبالغات. وبرغم نجاحاته في هوليوود، ظلّ العربي الذي يحمل قلق الصورة وعبء الهوية أينما حلّ.
في العام 2018، وبعد أكثر من أربعين عامًا على عرضه الأول، عاد «الرسالة» إلى صالات السينما بنسخة مرمّمة، إثر رفع الحظر عنه في معظم الدول العربية، باستثناء الكويت. هذا الفيلم الذي قدّم سيرة الرسالة النبوية والذي دخل كلّ بيت مسلم، أراده العقّاد تحفة مشهدية على طريقة الإنتاجات الهوليوودية. صوّره وعلى كتفه طيف «لورنس العرب»، وإن لم يرقَ إليه من حيث القيمة الفنية، لكنه استعان بالمؤلف الموسيقي موريس جار، الذي رُشِّح آنذاك لجائزة الـ«أوسكار» عن أفضل موسيقى تصويرية.
حين قابلتُ ابنه مالك العقّاد عند خروج الفيلم في صالات بيروت، حدّثني عن النهاية المأسوية لوالده. ومع ذلك، قال إن العبرة ليست في النهايات، بل في المسيرة نفسها. فالأهم في مصطفى العقّاد هو حياته لا مماته. ولهذا أراد إعادة الفيلم إلى الواجهة، لأن ما ترسّخ في أذهان الناس عنه كان حادث الأردن، «بينما ليس هذا ما يجب أن نتذكّره»، قال بوضوح، قبل أن يجيب عن سؤال حسّاس عمّا إذا كان والده سيغيّر موقفه من الدين لو عرف أنه سيكون ضحيته. فأجاب: «أنا متأكد أنه لو عاد به الزمن لفعل ما فعله مجددًا. لم يكن يخشى أن يقول: هذا ليس ديني، لقد أخذوه ووضعوه في صورة سيئة».
اقرأ أيضا: السينما المستقلة كوثيقة تاريخية: عودة إلى سينما إبراهيم البطوط