فاصلة

حوارات

محمد علي النهدي مخرج «الروندة 13»: المشاعر فيه أهم من الإيقاع والحركة

Reading Time: 4 minutes

يُعدّ الفيلم التونسي «الروندة 13» إحدى المفاجآت السينمائية اللافتة هذا العام، لا لأنه يدور حول عالم الملاكمة كما قد يوحي عنوانه، بل لأنه يذهب بعيدًا عن التوقّعات التقليدية ليُقدّم معالجة إنسانية شديدة الحساسية، تُبرز الصراع النفسي لا العضلي، وتكشف عن عالم داخلي يتجاوز الحلبة والقوانين الصارمة للمواجهة.

في زمن تميل فيه أفلام عدّة إلى المبالغة البصرية والانفعال السهل، ينجح «الروندة 13» في الوقوف على مسافة هادئة من موضوعه، تسمح للمشاعر بأن تتشكّل داخل الصورة لا عبر الحوار، وللصراع بأن ينمو من خلال التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياة أسرة كاملة تواجه امتحانًا قاسيًا.

منذ اللحظة الأولى، يتعامل الفيلم مع الملاكمة على أنها خلفية جمالية ورمزية، وليست موضوعًا مباشرًا. فالأب، الملاكم السابق، لا يعود إلى الحلبة ليواجه خصمًا بعينه، بل ليصطدم بقدرٍ أثقل من أي مواجهة رياضية: مرض ابنه. هذه النقلة، التي تبدو بسيطة، تُشكّل جوهر رؤية المخرج محمد علي النهدي، الذي يرفض أن تكون الرياضة مدخلًا لصراع خارجي، بل مرآة يطلّ منها على هشاشة الإنسان حين يعجز عن حماية أحبائه.

الروندة 13 (2025)
الروندة 13 (2025)

يروي النهدي لـ«فاصلة» أنّ فكرة الفيلم انطلقت من منطقة شخصية بحتة؛ من حلم قديم لازمه لسنوات. يقول إنه، قبل أن يصبح مخرجًا، كان ممثلًا يحمل رغبة دفينة في تجسيد شخصية ملاكم تونسي، وإنّ علاقته بالملاكمة كانت علاقة عشق لا هواية عابرة. ظلّ يتدرّب ويمارس هذه الرياضة بشكل هاوٍ، ويتأمّل عالمها النفسي القائم على الصمت والتركيز، حيث تُبنى القوة من الداخل أكثر مما تُكتسب من الخارج.

ومع السنوات، أدرك أنّ هذا العالم يمكن أن يكون مادة سينمائية عميقة، لكن ليس بالطريقة التقليدية التي تقدّم الملاكم بطلًا خارقًا أو شخصية تواجه انتكاسة جسدية، بل من زاوية الإنسان الذي يسكن هذا الجسد؛ ذاك الذي قد يتصدَّع أمام المصائب الحقيقية. ومن هنا جاء السؤال الذي شكَّل نقطة التحول: «ما الذي يعيشه الملاكم خارج الحلبة؟».

الروندة 13 (2025)
الروندة 13 (2025)

قاد هذا السؤال المخرج التونسي إلى حكاية صراع عائلي بين أب يحاول إنقاذ ابنه من مرض خبيث، وأم تقف بين الواقعية والأمل، وطفل يجد نفسه في مواجهة شعور غامض بالخطر. هكذا تشكّلت القصة: أسرة تُبنى من الداخل، وشخصيات تتطوَّر عبر الضعف لا القوة، وعالم تتحكّم فيه المشاعر المكبوتة أكثر مما تحكمه الصدامات المباشرة.

لكن الطريق إلى صناعة الفيلم لم تكن سهلة. يعترف النهدي بأنّ التمويل كان العقبة الأكبر، كما هي حالة معظم المشاريع السينمائية المستقلّة في تونس. سنوات فصلت بين ولادة الفكرة والوقوف أمام الكاميرا، أنجز خلالها فيلمين آخرين؛ «فطّوم»، الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة عام 2019، و«معزول»، بينما ظلَّ مشروع «الروندة 13» ينتظر الظروف المناسبة. ويشير إلى أنّ هذا الزمن الطويل لم يكن عبئًا فقط، بل فرصة للنضج وإعادة التفكير في شكل الفيلم وروحه.

خلال تلك السنوات، تغيَّرت نظرته إلى السينما وطريقة السرد. كانت النسخة الأولى من السيناريو أكثر حركة وإيقاعًا، أقرب إلى فيلم ملاكمة تقليدي مليء بالمواجهات الخارجية، لكنّ النسخة النهائية ذهبت إلى منطقة أعمق، حيث المشاعر المكبوتة والعلاقات الهشّة والصراع الصامت.

الروندة 13 (2025)
الروندة 13 (2025)

اختيار الممثلين كان جزءًا أساسيًا من هذا المسار. يقول النهدي إن عفاف بن محمود كانت خيارًا مثاليًا لقدرتها على تجسيد الألم من دون مبالغة، وتقديم شخصية أم ممزقة بين الأمل والخوف. أما حلمي الدريدي، فجاء اختياره نتيجة صداقة مهنية سابقة ومعرفة دقيقة بعالم الملاكمة، ممّا جعله الأقرب إلى روح الشخصية. لكن الاكتشاف الحقيقي، كما يصفه، كان الطفل الذي أدّى الدور المحوري في الفيلم. فخلال البحث عن مواقع التصوير في أحد الأحياء الشعبية، تقدَّم طفل من أهل المنطقة وقال بثقة: «أريد أن أمثّل». ورغم اختبار أكثر من 300 طفل، ظلَّ حاضرًا في ذهن المخرج لصدقه وإصراره وموهبته الفطرية. اختاره لأنه ينتمي إلى البيئة نفسها التي يدور فيها الفيلم، ولأنّ حضوره الطبيعي أمام الكاميرا أضفى على القصة عمقًا إضافيًا.

الروندة 13 (2025)
الروندة 13 (2025)

ومن بين مَشاهد الفيلم، يظلّ مشهد إبلاغ الوالدين باقتراب وفاة ابنهما من أثقل اللحظات على المستوى الإنساني والفنّي. يروي النهدي أنه حضّر الممثلين نفسيًا بعناية، وطلب منهم تجنُّب البكاء، ساعيًا إلى ألم داخلي وصمت ناطق وانكسار لا يحتاج إلى أي مبالغة. وربما لهذا خرج المشهد محمّلًا بطاقة شعورية عالية ظلَّ أثرها حاضرًا لدى فريق العمل.

وبينما يشقّ «الروندة 13» طريقه إلى الجمهور بعد عرضه في الدورة الماضية من مهرجان القاهرة السينمائي، وحصول بطلته على جائزة أفضل ممثلة ضمن مسابقة «آفاق السينما العربية»، يعمل النهدي حاليًا على مشروع مختلف تمامًا بعنوان «سعاد ولمين»، يحمل اسمَي والديه، ويغوص في ذاكرة عائلية تمزج الخاص بالعام والحميمي بما يتجاوز السيرة الذاتية، في تجربة يراها المخرج عودة إلى الجذور وامتدادًا لبحثه المستمر عن الإنسان داخل الحكاية.

اقرأ أيضا: نادين لبكي: السينما تُصنع من التجربة

شارك هذا المنشور