بعد ليلة احتفالية كبرى بالمخرج المصري محمد عبد العزيز في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدورته السادسة والأربعين، والتي كُرّم خلالها أحد أبرز مخرجي الكوميديا في السينما العربية بـ جائزة إنجاز العمر، التقى المخرج الكبير بمحبيه في ندوة خاصة تحدث فيها عن مسيرته الفنية، وأهم محطاته السينمائية، وذكرياته مع نجوم الكوميديا.
وشهد اللقاء استعراضًا لرحلة محمد عبد العزيز مع السينما الكوميدية التي شكّلت جزءًا مهمًا من تاريخ السينما المصرية، حيث كشف عن أبرز أسرار هذا الفن وكيفية صياغة الموقف الكوميدي بطريقة تجمع بين الذكاء والبساطة. كما تناول تطور الحس الكوميدي في السينما المصرية عبر الأجيال، والفروق بين الكوميديا التقليدية والمعاصرة، ودور المخرج في الحفاظ على جوهرها الإنساني والفني.
كشف «عبدالعزيز» عن فلسفته في إخراج الأفلام الكوميدية، مؤكدًا أن الضحك بالنسبة له لم يكن غاية في حد ذاته، بل نتيجة طبيعية لتوصيل رسالة أو مناقشة قضية اجتماعية.

وأضاف أن التعامل مع الكوميديان صعب جدًا على المخرج الكوميدي، لأن الممثل الكوميدي إذا فوت اللحظة المناسبة، قد يسعى إلى «الإفيه» فيفسد المشهد، ولذلك يجب على المخرج أن يكون منضبطًا، وأن يضبط الفنانين المشاركين معه في توقيتات الكوميديا.
وأشار المخرج الكبير إلى أن نجاح الكوميديا الحقيقي يعتمد على المضمون وليس على المبالغة، موضحًا: «إذا أردت أن أُضحك، فلا بد أن أوصل الرسالة التي تعبت أنا والسيناريست في صياغتها، والضحك يأتي على مهل، وقد جربت ذلك في عشرات الأفلام ونجحنا».
وتابع قائلًا: «كان هذا أسلوبي في الكوميديا حتى في المسرح، إذ كنت دائمًا في الكواليس أراقب الممثلين وأتابعهم وأفرض السيطرة عليهم، لأن الهدف كان دائمًا الرسالة الاجتماعية التي أتناولها، وينشأ الضحك من تصادم الشخصيات وردود أفعالهم».
وأكد على أن مهمة مخرج الكوميديا شديدة الصعوبة، قائلًا: «مخرج الكوميديا يتحمل عبئًا كبيرًا، لأنها تحتاج إلى توازن دقيق بين الإضحاك والفكر، بين اللحظة الإنسانية والرسالة التي يريد إيصالها».
وأضاف عبد العزيز: «الكوميديا كانت رحلة طويلة جدًا، وتعمقت فيها بعد بعض الأعمال التراجيدية، لكن الكم الأكبر من أعمالي كان في الكوميديا، واكتشفت أن الكوميديا أشد حسمًا من التراجيديا، لأنها ملتصقة بشكل كبير بالمجتمع ولها هدف اجتماعي واضح».
وأكد المخرج الكبير أن تجربته مع الفنانين الكوميديين، وخصوصًا عادل إمام، علمته الكثير عن الصبر وإدارة المشهد الكوميدي، مشيرًا إلى أن المخرج يحتاج إلى صرامة ودقة لضمان خروج المشهد بالشكل الذي يخدم الرسالة الأساسية للفيلم.
وفي سياق حديثه عن تطور الكوميديا المصرية، أكد عبد العزيز أن سر الكوميديا الخالدة يكمن في الصدق الفني والبساطة الذكية، مشيرًا إلى أن المخرج الحقيقي هو من يوازن بين الفكرة والموقف دون افتعال، فيجعل المتفرج يرى نفسه في مرآة الضحك.
كما أشار إلى أن الكوميديا يجب أن تواكب التحولات الاجتماعية والثقافية دون أن تفقد روحها أو إنسانيتها، وأن دور المخرج هو الحفاظ على هذا الجوهر الفني الدقيق، لأنها فنٌّ يعكس وعي المجتمع ويساهم في تخفيف أوجاعه.

كما استعاد المخرج الكبير الظروف التي أحاطت بصناعة فيلمه «انتبِهوا أيها السادة»، موضحًا أن العمل وُلد من واقعة حقيقية عايشها بنفسه وتحولت لاحقًا إلى واحدة من أبرز الكوميديات الاجتماعية في السينما المصرية. وأكد أن الفيلم لم يكن مجرد معالجة ساخرة، بل نافذة لمناقشة تأثيرات سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد نصر أكتوبر على منظومة القيم، وهو ما دفعه لاختيار الكوميديا كمنهج فني قادر على تمرير الفكرة بعمق أكبر مما تسمح به التراجيديا.
وأوضح عبدالعزيز أن «انتبِهوا أيها السادة» كان مشروعًا شخصيًا من إنتاجه الخاص، وحقق نجاحًا واسعًا عند عرضه، وحصد بطلاه حسين فهمي ومحمود ياسين جوائز مهمة عن أدائهما. وروى أن الشرارة الأولى جاءت من قصة جارٍ لديه ابنة حاصلة على ليسانس حقوق، أُجبرت على الزواج من قريبٍ لا يحمل سوى الإعدادية لكنه يمتلك ورشة خراطة ودخلًا كبيرًا، ما أدى إلى طلاقهما لاحقًا. هذه المفارقة بين الفكر والمادة أصبحت الأساس الدرامي الذي بُنيت عليه شخصيات الفيلم.
وأكد أنه حرص في كتابة السيناريو على إبراز التناقض بين عالمي القيم الفكرية والسطوة المادية، عبر شخصية أستاذ الجامعة وشخصية العامل البسيط، مشددًا على قناعته بأن الكوميديا الحقيقية لا تنفصل عن المجتمع وأن وراء كل ضحكة قضية واضحة. وهو ما سعى لتقديمه في «انتبِهوا أيها السادة» ليبقى قريبًا من وجدان الجمهور.
فيما كشف عبدالعزيز كواليس أن الفنان عادل إمام، رفض في البداية بطولة فيلم «البعض يذهب للمأذون مرتين»، معتبرًا أنه لن ينجح، غير أن عبدالعزيز تمسّك بإسناد الدور له. وروى أنه ذهب إليه في الإسكندرية أثناء عرض إحدى مسرحياته هناك لإقناعه، لكنه قوبل برفض جديد قبل أن يحسم الأمر بلهجة حاسمة: «ستصوره رغمًا عنك».
وأضاف أن حماس عادل إمام بقي ضعيفًا حتى اليوم الثالث من التصوير، لكن الصورة تغيّرت مع أول عرض جماهيري، إذ اصطحبه عبدالعزيز إلى حفلة السادسة مساءً وشاهدا ردود فعل الجمهور، ليمازحه إمام بعدها بقوله: «أليس هذا السيناريو الذي رفضته؟».
كما تحدث عبدالعزيز عن بدايات علاقته بعادل إمام، موضحًا أنها تعود إلى فترة عمله مساعدًا للمخرج محمد سالم خلال تصوير مسلسل «ليلة سعيدة»، حيث وقف إمام للمرة الأولى أمام الكاميرا. ثم انطلقت بينهما رحلة تعاون امتدت إلى 18 فيلمًا بداية من «جنس ناعم»، وحققت نجاحًا كبيرًا، مؤكدًا أن «الكوميديان يحتاج مساحة واسعة ليتحرك»، وهذه المساحة كانت تتشكل عبر جلسات عمل مشتركة لضبط التفاصيل دون الخروج عن روح العمل.
واختتم حديثه مؤكدًا أن مهمة مخرج الكوميديا شديدة الصعوبة، لأنها تتطلب توازنًا دقيقًا بين الإضحاك والفكر، وبين اللحظة الإنسانية والرسالة التي يسعى إلى إيصالها، مضيفًا أن الكوميديا كانت بالنسبة له رحلة طويلة أكثر حسمًا من التراجيديا، لأنها تمسّ الناس بشكل مباشر وتتناول قضاياهم اليومية بصدق وعمق.