فاصلة

حوارات

ليلى بوزيد لـ«فاصلة»: صنعتُ «بيت الحس» لإنقاذ ذاكرة بيت جدتي

Reading Time: 4 minutes

يشارك فيلم «بيت الحس»، للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، في المسابقة الرسمية للدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي؛ وهو الفيلم العربي الوحيد ضمن المنافسة. ويقدّم العمل حكاية شديدة الخصوصية تنطلق من بيت الجدة، وتتفرع إلى أسئلة الهوية والذاكرة والحرّية، داخل مجتمع تتقاطع فيه السلطة الأبوية مع حضور نسائي طاغٍ.

وقالت المخرجة التونسية المقيمة في فرنسا، ليلى بوزيد، في حديثها إلى «فاصلة»، إنّ البداية الحقيقية للفيلم كانت من بيت جدتها التي رحلت قبل سنوات، حين قررت العائلة بيع المنزل، في وقت كانت فيه البيوت القديمة في الحي تُهدم تباعًا لإقامة بنايات حديثة مكانها. وأوضحت أنها شعرت بحاجة مُلحّة إلى تصوير فيلم داخل هذا البيت قبل أن يختفي، سعيًا إلى التقاط روحه وملامحه وذاكرته، قبل أن يُهدم.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

وأضافت أنّ البيت لم يكن مجرّد موقع للتصوير، بل كان منبع الحكاية نفسها، إذ ارتبط في ذاكرتها بصورة الجدة القوية التي كانت تدير شؤون العائلة. واستلهمت شخصيتها في الفيلم من جدتها، لكنها منحتها أبعادًا درامية أوسع، فظهرت امرأةً تقود نظامًا أموميًا واضح المعالم، تتّخذ قرارات مصيرية، وتمارس سلطة فعلية داخل البيت، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بحضور إنساني يجعلها محبوبة، رغم صرامتها.

وأكدت بوزيد أنها كتبت السيناريو بنفسها، مشيرةً إلى أنّ بناء الشخصيات جاء انطلاقًا من نساء عرفتهن في حياتها، داخل العائلة وخارجها. وأوضحت أنها أرادت تقديم مجموعة نسائية متكاملة، تشمل الجدة، والأم، والعمة، وليليا، بحيث يتشكل ما يشبه الامتداد بين الأجيال، رغم اختلاف الطباع وأساليب التعبير.

وقالت إنّ النساء في الفيلم يحتفظن بأسرار كثيرة، لكنهن يمتلكن أيضًا القدرة على البوح والتغير، ويتحرّكن عاطفيًا بدرجة أكبر، ممّا يجعلهن أكثر قابلية للتحول خلال الأحداث. ولفتت إلى أنّ بعض الشخصيات الرجالية تبدو أكثر ثباتًا وأقل مرونة، وهو ما يعكس واقعًا اجتماعيًا تعيش فيه النساء حالة مستمرة من التكيف مع المتغيرات.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

وعن شخصية ليليا، التي عاشت بين تونس وفرنسا، أوضحت بوزيد أنها أرادت استكشاف فكرة العيش بين ثقافتين. وقالت إنّ ليليا بنت حياة مستقلّة في فرنسا، لكنها ظلَّت تعيش حالة انقسام داخلي بين ذاتين: واحدة أكثر استقلالًا وتأثرًا بالبيئة الغربية، وأخرى مرتبطة بجذورها العائلية في تونس. وأضافت أنّ عودتها إلى البيت بعد الوفاة المفاجئة تضعها أمام ضرورة التوفيق بين هاتين الهويتين، بدل الاستمرار في حالة الانقسام.

وأشارت إلى أنّ العلاقة بين ليليا وشريكتها أليس تصل إلى لحظة حاسمة، لأنّ هذا الانقسام لم يعد ممكنًا. ولفتت إلى أنّ حضور أليس في تونس يكشف فجوة بين الصورة التي رسمتها ليليا عن عائلتها، والواقع الأكثر تعقيدًا. وأضافت أن الأم، التي بدت في البداية متحفّظة وصلبة، تمرّ بتحوّل تدريجي، إذ تُصدَم أولًا، ثم تعيد النظر في مواقفها، مدفوعة بمشاعرها كأم قبل أي اعتبار آخر.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

وفي ما يتعلق بتناول موضوع المثلية، قالت بوزيد إنها كانت مدركة لحساسية الطرح في السياق العربي، مشيرةً إلى أنها واجهت، خلال مرحلة اختيار الممثلين، بعض الاعتذارات بسبب طبيعة الدور أو قربه من تجارب شخصية. لكنها شدَّدت على أنها كانت حريصة على إشراك ممثلين مقتنعين بالقضية، ومستعدين للدفاع عنها.

وأكدت أنّ الفيلم لا يسعى إلى الاستفزاز، بل إلى كسر الصمت ومنح وجود لشخصيات غالبًا ما تعيش في الظل. وأوضحت أنّ غياب هذه القصص عن الشاشة يعني تهميشها مرتين، مرة في الواقع، ومرة في التمثيل الفنّي، مؤكدةً أنّ السينما قادرة على فتح مساحات للنقاش حول الحرّية الفردية.

وتحدّثت بوزيد عن شخصية الخال الراحل، مشيرةً إلى أنها استلهمتها من صورة رجل عاش حياة هامشية ومؤلمة، وأرادت أن تمنحه حضورًا حتى بعد موته، من خلال تأثيره المستمر في ليليا. واعتبرت أنّ موته يمثل نقطة تحول تدفع البطلة إلى رفض تكرار المصير نفسه، والسعي إلى كسر دائرة الصمت.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

وعن تجربة التصوير داخل بيت جدتها، أوضحت أنّ الأمر كان مؤثرًا على المستوى الشخصي، لأنّ وجود صور الأسلاف على الجدران، وأثاث العائلة الأصلي، منح الفيلم طاقة خاصة. وأضافت أنّ اختيار الإضاءة القائمة على التباين بين الظلّ والنور جاء من ذاكرتها عن البيت، حيث كانت النوافذ تُغلق اتقاءً للحرّ، فيسود داخله ضوء خافت يتسلَّل تدريجيًا.

وأشارت إلى أنّ هذا المسار البصري، من العتمة إلى انفتاح الضوء في النهاية، يعكس تطور الشخصيات نفسها، إذ يبدأ الفيلم بحالة من الكتمان والتوتر، قبل أن يتّجه نحو قدر من المكاشفة، حتى وإن بقيت بعض الأمور معلَّقة.

وعن إمكان عرض الفيلم في دول عربية مع حذف بعض المشاهد، قالت بوزيد إنّ ذلك يتوقف على طبيعة التعديلات المطلوبة، مؤكدةً أنها ترفض أي حذف يمسّ جوهر العمل أو يخلّ بإيقاعه وبنيته، لأنّ الفيلم قائم على توازن دقيق، وأن أيّ تدخل جوهري قد يُفرغه من معناه.

اقرأ أيضا: «بيّت الحسّ» لليلى بوزيد… فيلمان في واحد

شارك هذا المنشور

أضف تعليق