فاصلة

مقالات

ليلة استذكار يوسف شاهين في باريس

Reading Time: 10 minutes

يمكن النظر إلى يوسف شاهين، في مرور مئة عام على ميلاده، باعتباره تجربة حياة متكاملة، جسرًا يربط بين أجيال متعدّدة، ونقطة تقاطع بين ثقافات متنوعة. كان شاهين (1926 – 2008) صاحب رؤية، بقدر ما شكّل أيضًا ظاهرة إنسانية تمثّل صوت الضمير الفردي والجماعي، وتجسيدًا للتاريخ والذاكرة والوجدان المصري.

شهادات مَن اقتربوا منه، مثل ماريان خوري ويسري نصر الله، أو مَن تابعوا أعماله من بعيد، كجاك لانغ ونمير عبد المسيح، تؤكّد أن إرثه عابرٌ للأجيال وتأثيره لم يقتصر على الشاشة وحدها وإنما امتد إلى خارجها. فقد كان معلمًا، ومغامرًا، ومتمردًا على القيود، يفتح المجال للحرية والتجريب، محوّلًا الفنّ إلى احتفال بالحياة بكلّ تناقضاتها وتعقيداتها

كثر ممّن تتلمذوا على يديه رأوا فيه أبعد من مخرج وثّق مراحل من تاريخ مصر. لقد وجدوا في تجربته مساحة للتفكير والتأمّل، ومثالًا للجرأة في التعبير عن الذات والواقع. أما أولئك الذين تابعوا أعماله من بُعد، فوجدوا في إرثه دعوة دائمة للنقاش وإعادة اكتشاف معاني الحرية والاستقلالية. وهكذا، يظلّ لشاهين حضور حيوي في الحياة الثقافية، سواء من خلال أفلامه أو عبر الروح التي زرعها في كلّ مَن عرفوه، مباشرةً أو بالاستعانة. 

في افتتاحية مراسم الاحتفاء بمئويته في معهد العالم العربي (باريس)، جاءت الشهادات لتنقل حميمية علاقته بالآخرين، وشغفه الذي لا ينضب بالفنّ، وجرأته على استكشاف الحياة بكلّ أبعادها.

ليلة استذكار يوسف شاهين في باريس
جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي في باريس يتوسط متحدثي احتفالية مئوية شاهين

جاك لانغ: مستقبل التمازج والاختلاط

«أول زائر استقبلته عندما تولّيتُ وزارة الثقافة في عهد فرنسوا ميتران كان يوسف شاهين! كنت قد استقررتُ بالكاد في مكتبي الجديد، حين تلقيتُ اتصالاً منه: «أعرف انك منشغل لكن دعني أراك الآن لبضع دقائق». أجبته: «بالطبع، أنت في بيتك، وأنا في بيتي حيث أنت». جاء شاهين مباشرةً وقال لي: «السينمات الأفريقية ستموت إن لم تجدوا حلاً لمساندتها». ومن هنا وُلدت فكرة دعم السينمات المهدَّدة، بدءًا بالمشاريع الأفريقية، ثم امتدّ هذا الدعم إلى جميع البلدان الخاضعة للديكتاتوريات، شرقًا وغربًا، بل وحتى في فرنسا، حيث بعض التجارب السينمائية كانت تواجه عقبات مختلفة. يوسف شاهين ليس مجرد جزء من الماضي. إني أراه تجسيداً للمستقبل: مستقبل التمازج والاختلاط وتلاقي كلّ الأديان، بل واللاأديان أيضًا». 

ليلة استذكار يوسف شاهين في باريس
ماريان خوري تتحدث عن شاهين

ماريان خوري: وضع السقف عاليًا جدًا

«يا له من حظّ أنني وُلدت في عائلة شاهين. عندما بدأتُ، في سن العشرين، بالتعرّف إليه عن قرب، اكتشفتُ شخصية استثنائية بكلّ معنى الكلمة، شخصية فتحت أمامي عوالمها، وفي مقدمها عالم السينما. كانت السينما لديه أشبه بعقيدة، هي حياته كلها. وعندما بدأت العمل معه، كان مَن يلتقونني يقولون لي «مرحباً بك»، كأنني كنت في سفر طويل. فالتجربة معه كانت غوصًا كاملًا في العمل وفي أشياء كثيرة متداخلة. لم يكن هناك فصل بين العمل والحياة، بل كان الأمر أسلوب حياة كاملاً.

عشتُ معه نحو عشر سنوات من العمل المكثّف جدًا، علاقة امتزج فيها كلّ شيء. قدّمني إلى عوالم كثيرة، وليس السينما وحدها. فرنسا كانت واحدة من هذه التجارب. هنا تعلّمتُ أمورًا لا علاقة لها بتقنيات السينما، بل بعلاقتنا بها، بهذا الشغف العميق تجاهها. هذا هو الإرث الحقيقي الذي نقله إليّ. كان شخصاً فريداً ومعقّداً في آن واحد. عملتُ وإياه كمُتعاونة، ثم رغبتُ لاحقًا في خوض تجارب أخرى والعمل مع آخرين، لكن العلاقة بالآخرين لم تكن يومًا مشابهة لعلاقتي به. لقد وضع السقف عاليًا جدًا، إلى درجة أننا، مهما فعلنا، نشعر بأننا لا نبلغ المستوى الذي نطمح إليه. فقد ترك لنا الكثير: إرثًا هائلًا يصعب الإحاطة به.

كان شاهين منتجًا كبيرًا، على عكس الصورة الشائعة عنه. كثيرون يظنّون أنه لم يهتم بالمال ولا يدرك قيمته، لكن هذا غير صحيح تمامًا. كان يعرف كيف يبتكر ويصنع السينما بما هو متاح له. إذا مُنح موازنة صغيرة، أنجز الفيلم ضمنها، وإذا وُضعت بين يديه موازنات ضخمة، استخدمها كاملة في خدمة الفيلم. أتذكّر مرة كنّا في منتصف التصوير، فقلنا أخي غابي وأنا إن الأمر يسير جيدًا، ولم يتبقَّ سوى يومين من التصوير، ولا يزال لدينا فائض في الموازنة، وربما يمكننا توفير بعض المال. في تلك الليلة نام شاهين، وفي صباح اليوم التالي قال: «نحتاج إلى سلّم من البليكسي، لأن هناك أغنية تتطلّب ذلك». وهكذا صرفنا ما تبقّى لنا من إمكانات. كان يعرف تماماً كيف يحصل على المال، وكيف ينفقه، وكيف يضعه في المكان الصحيح. وبهذه الطريقة تعلّمنا معه معنى الإنتاج السينمائي».

يسري نصر الله: ظلّ الطفل الذي كانه

«جرى اللقاء الأول بشاهين في السبعينات، في زمن الحراك الطالبي. خرج له آنذاك فيلم مذهل: «عودة الابن الضال». شاهدته في السينما، ومنذ تلك اللحظة لم أفارقها. عدتُ لمشاهدة الفيلم مرات كثيرة في الأسبوع نفسه. شكّل هذا  لي لحظة سينمائية كبرى. كان الفيلم متجذّرًا بعمق في واقع مصر السبعينات، في حداثتها، في التحولات التي كانت تعيشها منذ نهاية الناصرية إلى بدايات تشكّل وعي جديد بحقوق المواطن. طرح شاهين الأسئلة التي كان يطرحها طلاب الجامعة في ذلك الوقت. كتبتُ نصًّا تحليليًا مطوّلًا عن الفيلم، لأن شاهين كان يُتَّهم دائماً بأنه معقّد، غير مفهوم، مشوّش. هذه كانت نبرة النقد السائدة، ولا تزال هذه السمعة تلاحقه إلى اليوم، باعتباره مخرجاً «يصعب فهمه». لكن هذا غير صحيح. فهناك ارتباط حقيقي وعميق بين الجمهور المصري وأفلامه. ربما لا يفهم المشاهدون التفاصيل كاملةً، لكن في أفلامه الأهم، وفي أفضل ما أنجزه، علاقة صادقة مع الإنسان، مع ما هو آدمي في عمق أي متفرّج.

إسكندرية ليه
إسكندرية.. ليه؟ (1979)

في فترة اكتشافي له، لم أكن أعرف شاهين شخصيًا. ثم أمضيتُ أربع سنوات في بيروت ناقدًا سينمائيًا في جريدة «السفير». كانت علاقتي بالنقد آنذاك علاقة شاب يريد أن ينجز سينما، ويحاول من خلال الكتابة والنقد أن يحدّد ما يحبّه وما لا يحبّه فيها. بعد ذلك مباشرةً جاء «إسكندرية… ليه؟»، الذي مُنع في جميع البلدان العربية، بسبب قصّة الحبّ بين يهودية ومصري مسلم من الإسكندرية. كان ذلك في زمن توقيع السادات اتفاق السلام مع إسرائيل، فاتُّهِم شاهين بأنه يروّج للتطبيع ويسعى إليه. وحظيتُ حين كنت في بيروت بفرصة مشاهدة الفيلم في عرض خاص حضره ياسر عرفات، بهدف اتخاذ قرار حول ما إذا كان الفيلم فعلاً يدعو إلى التطبيع. ونعرف جميعًا ما حدث لاحقًا: قال عرفات إن الفيلم رائع، ويجب أن يُشاهَد في كلّ مكان. فطلبتُ إلى رئيس التحرير أن يتكفّل مصاريف سفري إلى القاهرة، من أجل إجراء حوار طويل مع شاهين.

هكذا جرى لقائي الأول به: من خلال حوار صحافي نُشِر في الجريدة على ثلاث حلقات، صفحة كاملة كلّ أسبوع.

كان الفيلم يُروى بضمير المتكلّم، وهذه نقطة أساسية ينبغي فهمها. فالتكلّم بصيغة الـ«أنا» في الثقافة العربية أو في ثقافة «ديكتاتورياتنا» يُعدّ نوعًا من الوقاحة أو العيب، إذ يُفترَض أن نتحدّث باسم الشعب والجماعة، وهناك تكرار لمقولة «أعوذ بالله من كلمة أنا». 

وفجأةً، ظهر هذا الرجل الشجاع لينجز فيلمًا يقول فيه: «هذا ما رأيته، هذا ما عشته، هذه هي مصر التي عرفتها». لا أستطيع أن أصف مدى أهمية هذا الفيلم في تاريخ السينما العربية. لا يوجد مخرج عربي واحد لم يتأثّر به بطريقة أو بأخرى، حتى أولئك الذين لم يحبّوه. بين ليلة وضحاها، أصبح من الممكن أن نتحدّث بضمير المتكلّم، وكانت هذه الوسيلة الوحيدة لخلق ثقافة في العالم العربي. وندين بها لشاهين.

حدوتة مصرية (1982)
كواليس تصوير حدوتة مصرية (1982)

بعد المقابلة، عدتُ إلى بيروت، وكنت أفكّر في السفر إلى لندن لدراسة السينما. لكن صديقًا عزيزًا، كان من المتعاونين السابقين مع شاهين وناقدًا سينمائيًا كبيرًا في جريدة «النهار»، اسمه سمير نصري، قال لي: «اذهب إلى القاهرة، شاهين يبدأ فيلمًا جديدًا. لماذا لا تحضر التصوير؟ معه ستتعلّم». وهكذا وجدتُ نفسي في الاستوديو، أشارك من موقع متواضع جدًا. لم أكن مساعدًا بل كنت أكنّس الاستوديو، لكنني حظيتُ بفرصة حضور تصوير فيلم «حدوتة مصرية».

كنت قد عملتُ لفترة قصيرة كمُساعد إنتاج في فيلم ألماني صُوِّر في بيروت: «المزوِّر» لفولكر شلوندورف. والانطباع الذي خرجتُ به آنذاك كان: «إن كان هذا هو عالم السينما، فأنا لا أريد دخوله». كانت عملية التصوير كئيبة، خالية من البهجة. لكن ما شاهدته مع شاهين بدا لي نقيض ذلك؛ رأيتُ كيف يمكن الجمع بين الصرامة القصوى في العمل والاحتفاء الحقيقي به. كان هو قادرًا على نقل هذه الروح إلى فريقه كله. وكثيرًا ما ردّد أمامي: «عليك أن تكون واعيًا بكلّ ما يجري في موقع التصوير، حاضراً في كلّ التفاصيل». 

يزسف شاهين
كواليس تصوير الوداع يا بونابارت (1984)

بعد ذلك عملتُ معه في «الوداع يا بونابرت». أكثر ما كان يدهشني في شاهين أنه كان يتعامل مع كلّ مشروع كما لو كان فيلمه الأول. لم يشعر يومًا بأنه أكبر من ممثّليه، ولا من الفيلم الذي يشرع في إنجازه. دخل كلّ تجربة بتواضع هائل، وهذا ما كان يمنح الفريق كله إحساسًا بالمشاركة في مغامرة استثنائية. رضوان الكاشف الذي عمل معه كان يسأل: «هل نحن مساعدون لشاهين أم فدائيون له؟». (ضحك).

العمل معه كان يستحوذ عليك بالكامل، اذ يعتبر ذهابي مثلًا لزيارة أمي مشكلة كبيرة، لكنه كان يسمح لي بأن أعيش قصّة حب! يقول لي مازحاً: «الحياة العاطفية مسموحة، أغفر لك ذلك… أما الأم، فلا».

في سلسلة «إسكندرية»، جرّد شاهين نفسه بلا مواربة. حرص على أن يروي فرحه وألمه، وأن يكشف علاقته بالمممثّلين، بالسينما، وبعالم الاستعراض. في هذه الأفلام طرح أسئلة جوهرية وصعبة: ما طبيعة العلاقة بين المخرج والممثّل؟ ما معنى الأبوة؟ ما هو الحب؟ أسئلة قاسية وشديدة العمق، لكنها ضرورية. أحيانًا عاونته في كتابة سيناريوهاته، لستُ معالجًا نفسيًا ولكن في بعض الأحيان تركته يتكلّم فاستلهمنا من هذه الاعترافات بعض المشاهد. 

عشق شاهين اكتشاف المواهب، وعرف على الفور كيف يقدّرها. بعدما حاول ان يستعين بمارتشيللو ماستروياني لبطولة «إسكندرية كمان وكمان»، قلت له ذات يوم: «من المهم أن تلعب الدور بنفسك»، فكان ردّه: «سأفعل ذلك إذا كنتَ أنت وراء الكاميرا». ومن هنا بدأت رحلة شاقة جدًا. فهو مخرج دقيق للغاية، يقطّع مشاهده بعناية متناهية، ويرتّب كلّ لقطة بدقّة. وكان دوري أن أتأكّد من أن كلّ لقطة تعمل في سياق الحركة، وأن الممثّل يؤدي بشكل جيد، الخ. 

لم يكن شاهين متساهلًا حتى مع نفسه. تميز بهشاشة جعلته يحافظ على شبابه الدائم. أعتقد انه ظلّ نوعاً ما الطفل الذي كانه في صغره. كان شخصًا يبحث باستمرار. فالكتابة عنده لم تكن فعلًا اندفاعيًا أو عفويًا، بل عملية تخضع لقواعد صارمة. قد تبدو أفلامه فوضوية، مفكّكة، لكن في العمق كان مخرجًا يعرف الدراماتورجيا معرفة دقيقة: أين تبدأ الحكاية، ومتى تقع الذروة، وكيف يُبنى الفيلم. كان ملمًّا بقواعد كتابة السيناريو، ويذكّرنا بها طوال الوقت، لا من أجل الالتزام الأعمى بها، بل من أجل كسرها بوعي. أتذكّر، أثناء العمل على «الوداع يا بونابرت»، حجم الأبحاث التي أجريناها، وعدد الكتب التي كان علينا قراءتها، والاكتشافات الصغيرة التي كنّا نصل إليها. من بينها، على سبيل المثال، اكتشاف أن المصريين في الإسكندرية كانوا قد نسوا في مرحلة ما استخدام العجلة. هذه الدقّة في البحث، وهذا الإصرار على المعرفة، كانا جزءًا أساسيًا من طريقته في صناعة السينما.

الوداع بونابارت (1984)
الوداع يا بونابارت (1984)

تعلّمنا كثيرًا خلال كلّ مراحل إنجاز «الوداع يا بونابارت». معه أدركنا ماذا يعني أن نصنع فيلمًا. كان لدى شاهين علاقة ذكية جدًا مع الإنتاج المشترك، واستخدمها كوسيلة للتهرب من الرقابة، وأيضًا للتغلّب على رقابة أخرى تتعلّق باعتماد السينما المصرية على أسواق عربية أخرى، والتي لم تكن بالضرورة أكثر الأسواق ليبراليةً. وهذا يعني أن الفيلم قد يحصل على ترخيص في مصر، وقد يُعرض بطريقة مشوّهة في بلدان أخرى.

ليس بريئًا أبدًا أن يُقال عن أفلام شاهين إنها «غير مفهومة»، خصوصًا حين يصدر هذا الكلام عن نقّاد، ولا سيما عندما يُنشر في صحف رسمية. فحين يُوصَف فيلم بأنه غير مفهوم، يكون المقصود أحيانًا ألّا يُفهم أصلًا. أي أن الناقد لا يريد له أن يُفهَم. وحتى لو افترضنا جدلًا، أن الفيلم صعب أو معقّد، فإن دور الناقد عندها ليس الإدانة، بل المساعدة على الفهم، ومحاولة جعل العمل أقرب من المتلقي، لا إغلاق الباب أمامه.

أخيرًا، عندما أخرج «العصفور» عن حرب 1967، كانت أولى الأسئلة التي طرحها وزير الثقافة عليه: «أين نيغاتيف الفيلم؟». ولحسن الحظ كان موجودًا في باريس على ما أعتقد، لأنه لو بقي في مصر، لأمر الوزير بحرقه. حصل الفيلم على إجازة عرض بعد حرب 1973». 

نمير عبد المسيج من احتفالية يوسف شاهين في باريس
عرض «الحياة بعد سهام» لنمير عبد المسيح في مئوية شاهين

نمير عبد المسيح: أحبّ الحرية في أفلامه

«التقيتُ شاهين مرة واحدة فقط، ولم تتح لي – لا فرصة ولا «سوء حظ»، بحسب كيف يمكن النظر إلى المسألة ـ أن أكون تلميذه أو أحد مريديه. كان ذلك في فترة التحاقي بمعهد السينما، حين كنت أتمنّى العمل في أحد أفلامه، وأن أشارك في أحد مواقع تصويره، لكن الأمر لم يكن ممكنًا. وقد سبّب لي ذلك بإحباط كبير.

ألمني أن أشعر بأنني أفوّت فرصة الاقتراب من شخص يصنع التاريخ فعلياً، لا فقط في تاريخ السينما، بل في تاريخ مصر كذلك. فسينماه لا تروي مجرد حكايات، وإنما تحكي تاريخ بلد كامل، تتحدّث عن مصر عبر أساليب سينمائية متعدّدة، عن الحرب والهزيمة، عن عبد الناصر، عن التحولات الكبرى التي شكّلت الوعي المصري.

كانت علاقتي بشاهين مختلفة، لأنني ولدتُ في فرنسا. اكتشفته من خلال تجربة المنفى والهجرة. كنّا، أنا ووالداي، نستعير الأشرطة من نادي الفيديو، وكانت أفلام شاهين بالنسبة لي وسيلة لاكتشاف مصر عبر السينما. 

أنتمي إلى عائلة كان الوالدان فيها يقولان دائمًا، مازحين: «يوسف شاهين؟! لا نفهم شيئاً من أفلامه!». وعندما أخبرتهما برغبتي في دراسة السينما، جاء تحذيرهما الأول لي: «افعل ما تشاء، لكن إياك أن تصنع أفلاماً مثل يوسف شاهين، لن يفهمها أحد، ستكون كارثة!». 

ومع ذلك، ظلّت سينما شاهين بالنسبة لي جسرًا حيًا يربطني بمصر، وبحكاية المنفى، وبسؤال الهوية. ما أراه مهمًا في نظري، هو إدخال البُعد الذاتي إلى السينما العربية. سينما تقول «أنا». أعتقد أن هذا الاختيار كان أيضًا وسيلة للالتفاف على الرقابة. فعندما نحكي تاريخ بلدٍ ما، في سياق يكون فيه هذا البلد خاضعًا للسيطرة، تُمحى الذاكرة الجماعية باستمرار لأن التاريخ يُعاد كتابته على الدوام. ومن خلال السرد الذاتي، يصبح بالإمكان الحفاظ على الذاكرة، وعلى وجهة نظر شخصية تقاوم المحو والتزييف، وتمنح السينما دورها الحقيقي كشهادة إنسانية وتاريخية في آن واحد.

ليلة استذكار يوسف شاهين في باريس
نمير عبد المسيح يتحدث عن يوسف شاهين

هناك دائمًا تاريخًا رسميًا، لكننا نعيش في بلدان — وبالنسبة لي مصر تحديدًا — لا تهتم كثيرًا بالذاكرة. هذه بلدان تعيش في الحاضر، حيث يبقى هاجس حفظ الماضي وصونه ضعيفًا إلى حدّ كبير. وربما لأنني مهاجر، ولأن مصر هي المنبع بالنسبة لي، أصبحتُ معنيًا بهذه المسألة: كيف يمكن فهم تاريخ هذا البلد، وكيف يمكن امتلاك سردية أخرى غير السردية الرسمية؟

هنا تكمن أهمية شاهين في نظري. فبإدخاله بُعده الذاتي وبمزجه تاريخه الشخصي والعاطفي مع الحرب والسياسة والتحولات الكبرى، أتاح لنا مدخلًا حقيقيًا إلى فهم بلد كامل. هذا التداخل بين الخاص والعام لا يقدّم مجرد سيرة فرد، بل يفتح نافذة عميقة على تاريخ مصر، وعلى ما يتجاوز الرواية الرسمية نحو تجربة إنسانية حيّة.

لا أحبّ جميع أفلامه، لكنني أحبّ الحرية التي تنطوي عليها. ما يهمّني فيه أنه كان دائم التجريب، يتحمّل خياراته، ويمضي قدماً بلا تراجع. هذا، بالنسبة لي، إرث هائل. لم تتح لي فرصة أن أكون من ورثته بالمعنى المباشر للتلمذة أو الانتقال الشخصي للخبرة، لكنني أؤمن بأن جميع المتفرّجين يتغذّون ممّا يشاهدونه، وبأن السينمائيين أكثر من غيرهم ورثة للأفلام التي أثّرت فيهم. نحن أيضًا ورثة ما نتعلّمه، وما يُغذّي خيالنا، وما يعلّمنا الجرأة وحرية الخلق.

عبَر شاهين مراحلًا مختلفة من تاريخ السينما المصرية، وعمل في عهود سياسية متباينة. أجهل على وجه الدقة مواقفه السياسية، لكن ما يثير إعجابي أنه بدأ في زمن عبد الناصر، وواصل العمل في عهد السادات، ثم مبارك. لستُ متأكّدًا إن كان متسامحًا أو مهادنًا مع كلّ هؤلاء، لكنه نجح في كلّ مرة في أن ينجز سينماه الخاصة، وأن يقف في وجه السلطة ويُكمل طريقه.

هذا يمنحني دافعًا شخصيًا كبيرًا، شعورًا بأن هناك دائمًا معارك يجب خوضها، وبأن من الممكن الصمود والمواجهة والتعبير عن هويتنا، عن ذاتيتنا، عن صوتنا الخاص.

التكريم لا يعني التقديس. وأرى أنه من المهم ألّا نحوّل الأشخاص إلى أصنام، بل أن نتغذّى منهم. فجوهر الانتقال الحقيقي للتجربة هو أن نمنح مَن يأتون بعدنا الحرية لصنع سينماهم الخاصة. في لحظة ما، هناك حاجة أيضًا إلى «قتل الأب» بالمعنى الرمزي، أو على الأقل إعادة تملّك ما ورثناه لنحوّله إلى شيء يخصّنا.

أنا شخصيًا، لعبتُ كثيرًا على ما يمكن تسميته «تدنيسًا» إيجابيًا: أعدتُ استخدام صور ومشاهد من أفلام شاهين، ساعيًا إلى توظيفها وتأويلها خارج سياقها الأصلي. أعتقد أن هذا، في ذاته، شكل من أشكال التكريم. أن نمنح حياة جديدة لما هو موجود، وأن نبقيه حيًا، لا مجرد شيء ينتمي إلى الماضي».

اقرأ أيضا: من المحافظة إلى التمرُّد… تحوّلات خطاب يوسف شاهين السينمائي

شارك هذا المنشور