فاصلة

مقالات

لماذا يثق الجمهور بمروان حامد؟

Reading Time: 5 minutes

يذكر كلّ مَن عاصَرَ حملة الإعلان لفيلم «عمارة يعقوبيان» (2006) ضخامة الدعاية غير المسبوقة التي رافقت عرضه. فيلم جمع كوكبة من أبرز نجوم السينما المصرية من أجيال مختلفة، في مقدّمهم عادل إمام ونور الشريف، بسيناريو للكاتب الأبرز في هذا المجال وحيد حامد، وإنتاج شركة «غود نيوز» في باكورة دخولها إلى السوق المصرية بأفلام ذات ميزانيات ضخمة لم تكن شائعة في ذلك الوقت.

مشروع بهذا الحجم كان من المتوقَّع أن يُسند إلى مخرج مخضرم قادر على إدارة سيناريو يضم هذا العدد من النجوم، ويتناول قدرًا كبيرًا من السياسة والموضوعات الشائكة. لكن المفاجأة جاءت باختيار المخرج الشاب مروان حامد. حينها، طُرح السؤال مباشرة… مَن هو مروان حامد؟

حتى ذلك الوقت، كانت المعلومات المتداولة عنه محدودة. قدَّم فيلمًا قصيرًا عام 2001 بعنوان «لي لي»، وهو مشروع تخرّجه من المعهد العالي للسينما، كما عمل مساعدًا لمخرجَيْن بارزَيْن هما شريف عرفة وسمير سيف، وكلاهما يُعدّ مدرسة حقيقية في الإخراج السينمائي. وإنما المعلومة الأكثر تداولًا آنذاك كانت كونه نجل السيناريست وحيد حامد، ممّا أدّى إلى التساؤل: هل أُسند إليه إخراج فيلم بهذا الحجم بسبب اسمه، أم لأنه يستحق بالفعل هذه المسؤولية؟

عمارة يعقوبيان» (2006)
عمارة يعقوبيان (2006)

الإجابة المختصرة قدّمها الفيلم نفسه. من خلال «عمارة يعقوبيان»، أثبت مروان حامد أنه مخرج موهوب، وجعل الجمهور والنقاد يدركون أنهم أمام ميلاد اسم سينمائي كبير منذ عمله الروائي الطويل الأول، ليس محلّيًا فقط، بل أيضًا على المستوى الدولي. اليوم، يُحتفى بأفلامه في مهرجان روتردام السينمائي الدولي، حيث تُعرض أعماله الطويلة كاملة وصولًا إلى أحدثها «الست»، الذي قُدِّم للمرة الأولى في نهاية 2025. لكن ما الذي جعل الجمهور يحتفظ باسم مروان حامد وينتظر أفلامه طوال هذه السنوات؟

الانحياز للجمهور

قدَّم مروان حامد حتى الآن ثمانية أفلام روائية طويلة. وبالنظر إلى مجمل هذه الأعمال، يتّضح اعتماد معظمها على سيناريوهات قائمة على حبكات جماهيرية وتيمات جذابة. تناول «إبراهيم الأبيض» (2009) ثيمة الانتقام والحب المستحيل، فيما اعتمد «الفيل الأزرق» بجزأيه (2014 و2019) على التشويق مع حضور واضح لعناصر الرعب، خصوصًا في الجزء الثاني، بينما جاء «تراب الماس» في إطار الجريمة والتشويق.

هذا الميل الواضح إلى سينما «النوع» قرَّب حامد من جمهور يبحث غالبًا عن هذه الأنماط في الأفلام التي يشاهدها. تعزَّز ذلك أيضًا من خلال اعتماده المتكرّر على نصوص مأخوذة عن أصول أدبية ناجحة، كما في «عمارة يعقوبيان» المأخوذ عن رواية علاء الأسواني، و«الفيل الأزرق» المقتبس عن رواية أحمد مراد، وكلتاهما من الأعمال الأكثر مبيعًا، ممّا خلق صلة مسبقة مع جمهور قرأ الروايات قبل مشاهدتها على الشاشة.

مروان حامد
كيرة والجن (2022)

ولا يقتصر هذا الانحياز للجمهور على اختيار النصوص فقط، بل يظهر بوضوح في اختياراته للنجوم الذين تتصدر أسماؤهم ملصقات أفلامه. في كلّ مرحلة، تعامل مروان حامد مع أبرز نجوم جيله وأكثرهم جماهيرية. ويُعد «كيرة والجن» (2022) المثال الأوضح في هذا السياق. الفيلم مأخوذ عن رواية «1919» لأحمد مراد، الذي كتب السيناريو أيضًا، ويمثّل حالة لافتة من التباين في تلقّيه نقديًا وجماهيريًا.

في هذا العمل، قدَّم حامد الأكشن ممزوجًا بحكايات المقاومة الشعبية في بدايات القرن العشرين، وهو نوع محبَّب لدى الجمهور المصري، خصوصًا مع مشاركة نجمَيْن من الأعلى تحقيقًا للإيرادات في السنوات الأخيرة؛ كريم عبد العزيز وأحمد عز. تجاوزت إيرادات الفيلم 115 مليون جنيه مصري، وهو رقم كبير بمقاييس توقيت عرضه، ممّا عكس انحياز الجمهور الواضح له، رغم التحفظات النقدية التي أُثيرت حوله.

ورغم اختلاف الآراء النقدية بشأن بعض أفلامه، ثمة نقطة تكاد تحظى بإجماع، وهي أنّ أعمال مروان حامد تتميَّز بقيمة إنتاجية مرتفعة وجودة تقنية تتجاوز ما هو سائد في الأفلام الجماهيرية الأخرى التي يشارك فيها النجوم أنفسهم.

لنصنع فيلمًا كبيرًا

في كلّ تجربة جديدة، يسعى مروان حامد إلى دفع حدود الصناعة إلى أقصاها. فبعد «عمارة يعقوبيان»، الذي كان استثناءً في ميزانيته وقت إنتاجه، جاءت جميع أفلامه التالية بأحجام إنتاجية ضخمة نسبيًا. يبدو حامد حريصًا على تلبية توقّعات جمهوره، مقدّمًا في كلّ مرة فيلمًا «كبيرًا» يوازي حجم الانتظار.

مروان حامد
الفيل الأزرق (2014)

لم يكن «الفيل الأزرق» ليحقّق تأثيره الواسع لولا الإتقان الواضح في تنفيذ مَشاهد الهلوسة والانتقال بين الأزمنة، إلى جانب الطابع البصري اللافت في مَشاهد المصحّة النفسية. هذا الاهتمام بالشكل البصري أرضى جمهور الرواية الذي كان ينتظر تجسيد تخيّلاته على الشاشة، كما جذب فئة واسعة من المشاهدين الذين لم يقرأوا العمل الأدبي.

مروان حامد
تراب الماس (2018)

في «تراب الماس» (2018)، ورغم غياب العوالم الخيالية، وجد حامد ضالته في اتساع عالم الفيلم وتشعُّب شخصياته، ممّا انعكس في مشاركة عدد كبير من نجوم الصف الأول. قدَّم من خلاله أحد أكثر أفلامه التصاقًا بالحاضر منذ «عمارة يعقوبيان»، عبر مزج الجريمة بقضايا الفساد على مستويات متعدّدة. ورغم أنّ بطل الفيلم لم يحظَ بجاذبية شخصية «الفيل الأزرق»، فإنّ المخرج نجح في خلق ارتباط بصري مع المكان، من خلال تفاصيل شقة البطل وألوانها، والغرفة التي شهدت عددًا من الأحداث المحورية، وهي عناصر بقيت عالقة في ذاكرة المُشاهد.

فيلم الست (2025)
فيلم الست (2025)

«الست» ترجمة واضحة لمفهوم «الفيلم الكبير». فصناعة فيلم عن أم كلثوم تستلزم وزنًا فنيًا وإنتاجيًا يليق بشخصية عالمية بهذا الحجم. في هذا العمل، تنقّل مروان حامد بين مراحل زمنية متعدّدة، من بدايات القرن العشرين وصولًا إلى سبعيناته، مقتربًا من شخصيات فنية وأدبية وسياسية كان لها حضور في مسيرة أم كلثوم.

ولتحقيق هذا الطموح البصري، يتعامل حامد عادة مع أسماء بارزة في مجالاتها، مثل أحمد المرسي وعبد السلام موسى في التصوير، هشام نزيه في الموسيقى، وأنسي أبو سيف ومحمد عطية في الديكور، إلى جانب أسماء أخرى مؤثّرة في صناعة السينما المصرية.

إبراهيم الأبيض (2009)
إبراهيم الأبيض (2009)

البحث عن عالم جديد

إلى جانب تنقّله بين أنواع سينمائية مختلفة، يسعى مروان حامد باستمرار إلى استكشاف عوالم غير مطروقة. وتُعد تجربة «إبراهيم الأبيض» الأبرز في هذا السياق. ففي عام 2009، لم يكن تناول المناطق الشعبية بهذه الصورة شائعًا في السينما أو الدراما التلفزيونية. صحيح أنّ هذه الأماكن كانت حاضرة سابقًا، لكن نادرًا ما قُدّم بطل شعبي من قلب منطقة فقيرة، يتحرّك وفق قوانينها ومفرداتها، بعيدًا عن نموذج البطل الأخلاقي المثالي.

في هذا الفيلم، الذي تحوَّل لاحقًا إلى عمل أيقوني، استكشف حامد هذا العالم، مُظهرًا تفاصيله وقسوته من دون تشويه أو تنفير للمُشاهد. هذا الميل الدائم إلى خوض تجارب جديدة يفسّر أيضًا التعاون المستمر بينه وبين أحمد مراد في ستة أعمال حتى الآن. ورغم تساؤلات الجمهور المتكرّرة حول تعاونه مع كتّاب آخرين، فإنّ نصوص مراد غالبًا ما تلبّي رغبة حامد في الاستكشاف، وهو ما يتجلَّى حتى في جزأي «الفيل الأزرق»، حيث تنتقل مشاهد الهلوسة بين أزمنة مختلفة، بما يفتح في كلّ مرة أرضًا جديدة للتجربة.

«الأصليين» (2017)
الأصليين (2017)

ربما كان «الأصليين» (2017) العمل الأبعد عن معادلة إرضاء الجمهور والإنتاج الضخم، لكنه يظلّ منتميًا إلى فكرة العالم المختلف والجديد ضمن مسيرة المخرج.

هل نجحت جميع مغامرات مروان حامد السينمائية؟ الإجابة هي لا. بعض أفلامه حقَّق نجاحًا جماهيريًا لافتًا، فيما لم يحظَ بعضها الآخر بالصدى المتوقَّع. وعلى المستوى النقدي، ظلَّ الجدل حاضرًا، كما حدث أخيرًا مع «الست». ومع ذلك، نادرًا ما يختلف المتابعون حول كونه مخرجًا متمكنًا، ينتظر الجميع تجربته التالية. وحتى إن لم تُرضِ فيلمًا بعينه، يبقى الترقب قائمًا، لأنّ ما يقدّمه يحمل دائمًا خصوصية تميّزه عن أبناء جيله.

اقرأ أيضا: بين سكورسيزي ودومينيك ومروان حامد… يهوذا يبعث من جديد

شارك هذا المنشور