فاصلة

مقالات

«كيف ننجز فيلمًا وثائقيًا؟»… عشرة دروس لفردريك وايزمان

Reading Time: 9 minutes

عبر مسيرة رائعة وضعها بالكامل في خدمة تشريح المؤسسات (الأميركية) والحياة اليومية داخلها، قدّم فردريك وايزمان الراحل قبل أيام (1930 – 2026) تصوّرًا للسينما كفعل أخلاقي وحقل معرفي يتطلّب طول أناة ولا يعترف بحدود. أمضى مخرج «جنون تيتيكات» أكثر من نصف عمره وهو ينجز فيلمًا كلّ عام، بلا كلل أو ملل، رافضًا الحلول السهلة والنظرة المختزلة إلى الإنسان، انطلاقًا من إيمانه بأن الواقع أعقد من أن يُحصَر في يقينيات جاهزة. في هذا الدرس السينمائي، يتحدّث المعلّم عن علاقة السينما بالسياسة والحقيقة، وعن اختيارات المخرج وحدود الموضوعية، وعن دور المونتاج والتقنيات، خالصًا إلى أهم الدروس: الوثائقي ليس نسخة طبق الأصل عن العالم وإنما رؤية إنسانية تحاول فهمه..

1 ــ «الحياة عصيّة على التسطيح ولا يليق بالفنّ أن يجرّدها من تناقضاتها»

«السياسة مجالها رحب، مسالكها متشعّبة، تتجاور فيها الرؤى كما تتصادم. هناك سياسة المخرج، وهناك سياسة الفيلم، غير أنني لا أزعم أن هناك شكلًا فنّيًا قادرًا على إحداث التغيير الجذري الذي نعلّق عليه الآمال. أتوقّف هنا عند مقولة جان لوك غودار: «لا يجب أن ننجز أفلامًا سياسية، وإنما أن ننجزها سياسيًا». عبارة آسرة في ظاهرها، لكن سحرها البلاغي لا يغنينا عن مساءلتها. إذا راودتني فكرة فيلم عن السياسة، فلن أكتفي بإطار تجريدي أو خطاب، سأنخرط في اليومي، في تفاصيل المشهد العام: أراقب عمل الأحزاب، أقترب من ديناميات الضغط، وربما انضم إلى جماعات التأثير، ولكن دائمًا ضمن الأفق الديموقراطي الذي أراه شرطًا أخلاقيًا لا مهرب منه. فالعنف، مهما تزيّن بالشعارات، يظلّ نقيضًا للفنّ كما هو نقيضٌ للحرية.

لا أميل إلى السينما الوعظية. إلقاء الدروس على الشاشة ليس من شغفي. لذلك أتحاشى التعليق الصوتي، وأفضّل أن أترك للمُشاهد فسحة الاكتشاف. أفسح له المجال ليشارك في بناء المعاني. غير أن هذا الخيار لا يعني تبسيطًا مُخلًّا أو طرحًا ساذجًا. على العكس، وجهة النظر التي أتبنّاها شديدة التعقيد، وأرجو أن يظلّ فيها ما يستفزّ التفكير ويتصدّى للاختزال. أعمل طويلًا كي أبلغ تلك البساطة الصافية التي لا تُفرِّط بالعمق. فالحياة، في جوهرها عصيّة على التسطيح، ولا يليق بالفنّ أن يُجرّدها من تناقضاتها.

لا أؤمن بمقولة «صراع الحضارات» بقدر ما أؤمن بسوء الفهم المتبادل بينها. المشكلة ليست في جوهر الثقافات، وإنما في عجزها عن الإصغاء بعضها إلى بعض. الغرب، في نظري، لم يفهم الشرق، كما أن الشرق لم يفهم الغرب. وما نعيشه اليوم من أزمات متشابكة ليس سرًا. إنها أزمات عميقة، وقد لا تلوح حلولها في الأفق القريب. أما التفاؤل والتشاؤم، فهما حالتان متبدّلتان، تتوقّفان على زاوية النظر وموضوع الحديث. قد أكون حائرًا بينهما حين يتعلّق الأمر بمصير العالم، لكنّني أحتفظ بقدر من التفاؤل العملي، وفي بالي أنه سيظلّ دائمًا في باريس مطعمٌ جيد ينتظر مَن يكتشفه».

فردريك وايزمان
فردريك وايزمان

2 ــ «الموضوع لا ينادينا، نحن الذين نستدعيه ونمنحه من قلقنا وأسئلتنا»

«أختار مادتي لأنها تعنيني، لا لاعتبار آخر. هذا هو معياري الوحيد. وحده ما يستفز فضولي ويقلق أسئلتي يستحق أن يتحوّل إلى فيلم. المؤسسات الأميركية التي صوّرتها منذ بداياتي ليست استثناء في بنيتها الظاهرة. مقار الشرطة، المستشفيات، المدارس، تتشابه في هيئاتها عبر العالم. غير أن التشابه شكليّ، الجوهر فمختلف. ما يشغلني هو ملامسة هذا الجوهر وهذه الروح الخفية التي تمنح المؤسسة معناها داخل سياقها الثقافي والاجتماعي. شرطيّ في الولايات المتحدة ليس هو ذاته شرطيًا في لبنان، لا في تكوينه ولا في علاقته بالمجتمع. وينسحب هذا على الصلة بين السياسيين والمؤسسات، إذ تتبدّل هذه العلاقة بتبدّل التاريخ والبيئة والوعي العام، فتأخذ في كلّ بلد شكلًا خاصًا بظروفه. أنجزتُ حتى الآن أربعين فيلمًا. هذا رقم متواضع إذا ما قيس بعدد المواضيع التي تستهويني. لا أملك سلّم أولويات، ولا أحتفظ بلائحة مؤجّلة للمشاريع. أختار ما يشتعل في داخلي الآن، وما يفرض نفسه عليّ بإلحاح اللحظة. كثيرون يتحمّسون لفكرة ثم يخبو وهجها في داخلهم. أما أنا، فلم أعرف بعد هذا الشعور. ربما لأن اهتمامي ليس عابرًا، بلّ هو امتداد لفضول. لا أُسلّم بالمقولة التي تزعم أن «الموضوع هو الذي يبحث عن مخرجه». لا أتصوّر موضوعًا يمشي على قدمين متلمّسًا صاحبه. الموضوع لا ينادينا، نحن الذين نستدعيه، نمنحه من قلقنا وأسئلتنا ممّا يجعله حيًّا. إنه اختيار واع، لا مصادفة شاعرية».

3 ــ «لا أبحث عن الحقيقة المطلقة، وإنما عن الحقيقة كما أراها وأفهمها وأقتنع بها»

«في نظري إن كلّ شيء ذاتي، حتمًا وبالضرورة. الموضوعية لفظة ملساء، متداولة بكثرة، لكن معناها يظلّ عصيًا على التحديد. ما الذي نعنيه حقًا حين نزعم أن عملًا ما على قدر من الموضوعية؟ نحتاج إلى ثلاثمئة وستين كاميرا تلتقط المشهد من ثلاثمئة وستين زاوية كي نقترب من وهم الموضوعية. ثم، حتى لو استمر التصوير على هذا النحو، هل نكون قد بلغنا الموضوعية، أم اكتفينا بتكثير زوايا النظر؟ أفضّل، بدلًا من هذه الكلمة الملتبسة، مفردة «العدل». فالعدل يقر بالاختيار، ويعترف بالانحياز الواعي، من دون أن يتستّر وراء ادّعاء الحياد المطلق. حتى حين نمنح طرفين متخاصمين الكلمة، وننقل وجهتي نظر متعارضتين في المسألة نفسها، فإننا نقوم بفعل انتقائي: نختار مَن يتكلّم، ومتى، وكيف، وبأي سياق. وذلك في ذاته حكم غير موضوعي. في الفنّ، كلّ شيء يبدأ من خيار. اختيار الزاوية، الإضاءة، المدّة، القطع، الإيقاع، هذه كلّها قرارات تُصَاغ في ذهن مَن يقف خلف الكاميرا. شخصيًا، لا أبحث عن «الحقيقة المطلقة»، لكني أبحث عن الحقيقة كما أراها وأفهمها وأقتنع بها. لذلك أجد مصطلح Cinéma vérité («سينما الحقيقة») نتيجة قدر من الادّعاء البلاغي. لا يستطيع فيلم أن يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. يمكنه أن يكشف حقائق، أو أن يضيء حقيقة بعينها، لكنه يظلّ، في جوهره، تعبيرًا عن وعي محدّد، عن رؤية المخرج الذي يوجّه العدسة ويصوغ العالم وفق حساسيته الفكرية والجمالية. في النهاية، الفيلم ليس انعكاسًا صافيًا للواقع، والنظرة، مهما سمت، تظلّ بشرية».

4 ــ «ألتقطُ الحاضر فقط، كما يتجلّى أمامي في تلك اللحظة»

«لا أدّعي إن أفلامي تعكس التطوّر الذي شهدته المؤسسات الأميركية خلال نصف قرن. فلكي يكون ذلك ممكنًا، كان ينبغي لي أن أعود إلى المؤسسة ذاتها مرارًا، كلّ عامين مثلًا، أصوّر المدرسة نفسها وأتابع تحوّلاتها جيلًا بعد جيل، حتى يتكوّن أرشيف بصري يتيح قراءة مسارها عبر الزمن. عندها فقط يمكن الحديث عن صورة بانورامية للتغيير. لكنني لا أعمل على هذا النحو. ما أقدّمه هو مقطع زمني، لحظة مكثّفة من سيرة مؤسسة ما. حين أنجزتُ فيلمًا عن دار لعارضات الأزياء عام 1979، لم تكن لديّ أدنى معرفة بما كانت عليه تلك الدار قبل ثلاثين عامًا. التقطتُ حاضرها فقط، كما يتجلّى أمامي في تلك اللحظة. اليوم، لو صوّرتُ داراً مماثلة، يمكن المُشاهد أن يعود إلى فيلمي ليقارن بين الزمنين، وأن يستخلص بنفسه ما تغيّر وما صمد في وجه التغيير. الفيلم، في هذا المعنى، يصبح وثيقة للمقارنة اللاحقة، لا سردًا استرجاعيًا لما لم يُصوَّر. إنه شهادة على زمنه، لا على الأزمنة التي سبقته. أما ما لا أستطيع الادّعاء معرفته فهو ما لم أصوّره. لا يمكنني أن أتحدّث عن حال جامعة بركلي في السبعينات، لأنني ببساطة لم أكن هناك لأصوّرها».

Le Chagrin et la Pitié (1971)
Le Chagrin et la Pitié (1971)

5 ــ «السينما ليست فنًّا هرِمًا، إنها لا تزال في طور التشكّل الدائم»

«أعتبر نفسي سينيفيليًا، لكن السينيفيلية، بالنسبة لي، حالة انشغال دائم. أودّ لو أملك وقتاً أطول للمُشاهدة، غير أن العمل المتواصل يبتلع الساعات. ثمة مخرجون وثائقيون أكنّ لهم تقديرًا عميقًا، وإن اختلفتْ أساليبهم عن أساليبي. في طليعتهم مارسيل أوفولس، الذي أرى في فيلمه «الألم والشفقة» واحدًا من أرفع ما أُنجِز في السينما الوثائقية، عملٌ يزاوج بين الدقّة التاريخية والجرأة الأخلاقية. وكذلك فيلمه «فندق ترمينوس: حياة وزمن كلاوس باربي»، الذي يقف شاهدًا على قدرة الوثائقي على مساءلة الذاكرة والعدالة في آن واحد. أميل أيضًا إلى تجربة إيرول موريس، ولا سيّما «ضباب الحرب»، الذي أعدّه تحفة خالصة في تفكيك السردية السياسية واستنطاق الضمير الفردي. ومن الكلاسيكيين الكبار يظلّ دزيغا فيرتوف علامة فارقة، ذلك انه سعى إلى ابتكار لغة للواقع، وإلى إعادة تعريف العلاقة بين الكاميرا والعالم. السينما، في المحصّلة، ليست فنًّا هرِمًا، بمعنى أنها لا تزال في طور التشكّل الدائم. لقد التقط الأخوان لوميير، في شرائطهما القصيرة، بذورًا لكثير من الموضوعات التي ستشغل الوثائقي لاحقًا. يمكن القول إنهما استشرفا آفاقًا واسعة، وإن لم يبلوراها نظريًا أو جماليًا كما حدث في ما بعد. بل إن تأملاتهما في مستقبل السينما توحي أحيانًا بأنهما لم يدركا تمامًا حجم الثورة التي أطلقا شرارتها. ومع ذلك، يبقى ما أنجزاه تأسيسًا لا غنى عنه في تاريخ الصورة المتحركة».

6 ــ «إنجاز فيلم ليس جهدًا فكريًا صرفًا، إنه عمل يشترك فيه العقل والعضلات» 

«حين لا أكون منخرطًا في مهرجان سينمائي، أعمل سبعة أيام في الأسبوع. معظم أيام السنة أمضيها في غرفة المونتاج. هناك، في ذلك الفضاء المعتم، تتشكّل الأفكار من جديد، وتُعَاد كتابة الواقع بالصورة والإيقاع والقطع. المونتاج ليس مرحلة تقنية فحسب، بل هو مختبر الرؤية. مرةً في العام أقتطع لنفسي فسحة من الزمن: ثلاثة أسابيع من التزلّج، أتنقّل خلالها بين منحدرات سويسرا والولايات المتحدة. العطلة عندي هي استعادة للتوازن. فالإخراج، في جوهره، رياضة ذهنية وجسدية معًا، يتطلّب قدرة على التحمّل، وتركيزًا طويل النفَس. لهذا أحرص على لياقتي البدنية كما أحرص على أدواتي المهنية. أخصّص يوميًا ساعةً ونصف الساعة للتمارين: أركب الدراجة الهوائية، أمارس تمارين الضغط، وأدرّب جسدي على الانضباط ذاته الذي أطلبه من صورتي. العناية بالصحّة ليست ترفًا، بل شرط للاستمرار. فمن غير المعقول أن نحمل معدّات التصوير إثنتي عشرة ساعة يوميًا، أو أن ننتقل بها بين المواقع، إن لم نكن في حالة بدنية جيدة. وفي المقابل، فإن الجلوس الطويل أمام شاشة المونتاج، إثنتي عشرة ساعة بلا حراك، كفيل بأن ينهك الجسد ويثقله ويورثه العلل. لذلك أرى أن المخرج، مثل الرياضي، مطالَب بأن يصون جسده كي يحفظ رؤيته. إنجاز فيلم، في نهاية المطاف، ليس جهدًا فكريًا صرفًا. إنه عمل كامل، يشترك فيه العقل والعضلات على السواء».

فردريك وايزمان
فردريك وايزمان

7 ــ «ينبغي أن يتكوّن لدى المتلقّي إحساسٌ بأن الزمن الذي عاشه هو الزمن الفعلي»

«أميل إلى الاعتقاد بأنني أنجز أفلامًا روائية من دون سيناريو مُسبَق، ومن دون «ميزانسين» بالمعنى التقليدي، إلا في غرفة المونتاج. هناك تحديدًا تولد البنية ويتشكّل الإيقاع. خذ فيلمي «في باركلي»: في مكتب عميد الجامعة، قد يمتدّ الاجتماع تسعين دقيقة كاملة. غير أن ما يراه المُشاهَد لا يتجاوز سبع دقائق أو ثماني. هذا الاختزال يفرض عليّ سلسلة من الخيارات: أي جمل أبقي؟ أي نظرات أبرز؟ أي صمت أعتبره دالًا؟ عبر المونتاج، ينبغي أن يتكوّن لدى المتلقّي إحساسٌ بأن الزمن الذي عاشه هو الزمن الفعلي للاجتماع، حتى لو كانت جملة ما مقتطعة من الدقيقة السادسة، وأخرى من الدقيقة العشرين. هنا يكمن البُعد الروائي في الوثائقي. ليس في الأمر كذب، بل إعادة بناء للزمن كي يصبح قابلًا للمُشاهدة. إنه لا يطابق الواقع كما جرى لحظة تصويره، لكنه يظلّ وفياً لروحه ولحقيقته».

8 ــ «الإمكان التقني لا يعني وجوب استخدامه»

 «لم تبدّل التقنيات الحديثة جوهر طريقتي في العمل، وإن فرضتْ عليّ تحوّلات عملية. اليوم، أصوّر رقميًا على مضض، لا اقتناعًا كاملًا. فعل التصوير نفسه لم يتغيّر، ما تغيّر هو أننا لم نعد مضطرين إلى تبديل البكرات كلّ إحدى عشرة دقيقة ونصف دقيقة. صار في إمكاننا التصوير لأكثر من ساعة متواصلة بلا انقطاع. في الماضي، حين كنّا نعمل بشريط 16 ملم، لم أكن أشعر أنني أفقد شيئًا بسبب تبديل البكرة. لم يستغرق الأمر أكثر من عشرين ثانية. كنّا نوقف الصورة، لكننا نُبقي الصوت مستمرًا حفاظًا على الاستمرارية. كانت بكرة الصوت تتّسع لسبع وعشرين دقيقة، ونادرًا ما كانت تنفذ بالتزامن مع الصورة. كان التصوير مكلفًا: نحو 1200 دولار لكلّ بكرة، تشمل شراء الشريط الخام وتحميضه. اليوم، يكاد التصوير الرقمي لا يكلّف شيئًا، لكن مرحلة ما بعد الإنتاج — المونتاج، الميكساج، تصحيح الألوان — باتت تستنزف الجزء الأكبر من الموازنة، وبعض خدماتها قد تبلغ خمسمئة دولار في الساعة. أنجز المونتاج بنفسي، أما تصحيح الألوان فأستعين فيه بخبير. التكنولوجيا الحالية تجعل كلّ شيء ممكناً على طاولة المونتاج: يمكن حذف ما تشاء، إضافة ما تشاء، تغيير الألوان حتى يصير الأسود أحمر. غير أنني أضع لنفسي حدودًا صارمة، فالإمكان التقني لا يعني وجوب استخدامه. في السابق، كانت موازنة الفيلم تُستهلَك في التصوير، أما اليوم، فهي تُستنزَف بعد أن تتوقّف الكاميرا عن الدوران. ومع ذلك، يبقى جوهر العمل واحدًا. التقنية تتبدّل، أمّا النظرة فتبقى».

9 ــ «يقوم الوثائقي على الرغبة الحرة في المشاركة، لا على الاغراء المادي»

«قبل التصوير، لا أُقيم علاقة مسبقة مع شخصياتي. أحيانًا أكتفي بلقاء تمهيدي عابر، وغالبًا ما أتعرّف إليهم حقًّا أثناء التقاط المَشاهد. وحدهم الإداريون ألتقيهم قبل بدء العمل، بحكم الضرورة التنظيمية. أمّا الآخرون، فأفضّل أن تنشأ العلاقة أمام الكاميرا، حيث يكون الحضور أقلّ تصنّعًا. حين يمنحني شخص ما الإذن بنقل صورته، يضعني بذلك أمام مسؤولية أخلاقية جسيمة. غير أن هذه المسؤولية تبدأ من الشفافية: عليّ أن أشرح بدقّة ما الذي أنوي فعله، وكيف سيُستخدَم ما ألتقطه. لديّ واجبات تجاه من أصوّرهم، فلا يمكن أن أُغيّر لون ثياب أحدهم في المونتاج، أو أضع سيجارًا في فم مَن لا يدخّن، أو أُقحِم إشارة لم تصدر عنه. التلاعب بالتفاصيل الصغيرة خيانة للثقة قبل أن يكون خيارًا جماليًا. ولا أدفع مالًا لمَن أصوّرهم. الدفع يُبدِّل طبيعة العلاقة بين المُصوِّر والمُصوَّر، ويحوّلها من علاقة ثقة إلى علاقة تعاقد ملتبس. نصبح عندها أمام شيء آخر، أقرب إلى التمثيل منه إلى التسجيل. وبصراحة، لم يطلب مني أحد المال يومًا. ولو حدث، لكان جوابي ببساطة: شكرًا وإلى اللقاء. لأن الوثائقي، في تصوّري، يقوم على الرغبة الحرة في المشاركة، لا على الإغراء المادي».

At Berkeley (2013)
At Berkeley (2013

10 ــ «الإيحاء بالتفاصيل أبلغ من التصريح بالشعارات»

«بعض السينمائيين مولعون بتحريك الكاميرا، وبإبراز براعتهم التقنية على نحو استعراضي. كأنهم يظنّون أن المُشاهد، إن لم يرَ أثر الصنعة، سيعتقد أن الفيلم هبط من السماء لا من جهد بشري. في رأيي، هذا شكلٌ من النرجسية المرهقة. نحن كمُشاهدين نعلم، أننا أمام عمل مصنوع. لا أحد يجهل ذلك. لكن الواقعية، والإحساس بأننا في قلب الحدث، لا يتطلّبان بالضرورة كاميرا قلقة لا تهدأ. يمكن عدسة ثابتة أن تُنجز ذلك بقدر أكبر من الصدق والتركيز. بالنسبة لي، الفيلم الجيد هو الذي لا نشعر فيه بحركة الكاميرا. أحرّكها فقط حين لا يكون أمامي خيارٌ آخر، وأختصر حركتها إلى حدّها الأدنى، لأن الإفراط في الحركة يُشتِّت عين المُشاهد ويصرفها عن جوهر ما يحدث داخل الكادر. كان هذا موقفي دائماً، وإن لم أنجح في التزامه على الدوام.

عندما نحاول قول كلّ شيء، لا نقول شيئًا. الإيحاء بالتفاصيل أبلغ من التصريح بالشعارات. يمكن الإشارة إلى عالم واسع من خلال شخصيات متواضعة، ومن خلال وجوه عابرة. «في بركلي» لم أحتج إلى تعليق صوتي لأقول إن الولايات المتحدة بلد متعدّد الأعراق. تكفي الوجوه الآسيوية والهيسبانية والأفريقية لتقول ذلك. هناك سينما أفسدت المُشاهد بإطعامه المعنى، من دون أن تترك له متعة الاكتشاف».

اقرأ أيضا: يوم سألتُ بيلا تار متى سيعود إلى السينما

شارك هذا المنشور

أضف تعليق