فاصلة

مراجعات

«فيها ايه يعني» يستعيد جمال الحكايات الهادئة والبطل العادي

Reading Time: 6 minutes

«معتمدًا على قصة حب بسيطة، وتركيبات لشخصيات عادية من عالم الطبقة الوسطى، استطاع فيلم «فيها إيه يعني» للمخرج عمر حامد، أن يحقق في أيامه الأولى إقبالاً جماهيريًا يفوق المتوقع في هذه الفترة من السنة خارج كل مواسم العرض الجماهيرية التقليدية. مذكرًا بفيلم «الهوى سلطان» الذي اعتمد التركيبة نفسها وصدر خلال الفترة نفسها من العام الماضي. 

نجح الفيلمان في فئة الجمهور التي باتت تبحث عن نفسها على الشاشة، وسط زحام أفلام الأكشن والكوميديا الكارتونية. والأجمل أن العملين التقيا في الاحتفاء بنفس المكان، وهو حي مصر الجديدة، باعتباره رمزًا للذاكرة والحنين والهوية. وربما تمتد التشابهات بين الفيلمين لما هو أبعد، ما يستوجب مزيد من الاهتمام والدراسة للقائمين على صناعة السينما المصرية.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

«فيها إيه يعني؟!» من بطولة ماجد الكدواني وغادة عادل وأسماء جلال ومصطفى غريب، وهو الفيلم الطويل الأول لمخرجه عمر رشدي حامد، الذي تخرّج من مدرسة المخرج الكبير شريف عرفة بعد أن عمل معه مساعدًا في عدد من أفلامه، فورث منه اهتمامه بتفاصيل اللقطة وتطور المشهد وبناء الكوميديا اعتمادًا على المواقف، وقيادة ممثليه نحو الأفضل.

تصحيح أخطاء الماضي

تدور أحداث الفيلم حول صلاح (ماجد الكدواني)، مهندس ديكور أرمل ومتقاعد، يعيش حياة باهتة في أحد المنتجعات السكنية الحداثية (كُمباوند) بحي الشيخ زايد غرب القاهرة، فيقرر – للخلاص من رتابة حياته- العودة إلى بيته القديم في حيّ مصر الجديدة. هناك يلتقي صدفة بـ ليلى (غادة عادل)، حبيبته السابقة التي فرّق بينه وبينها الزمن والقرارات الخاطئة، فيحاول إعادة إشعال شرارة الحب بينهما من جديد.

فيها إيه يعني (2025)

هذا المسعى لا يسير بسهولة، فابنته ندى (أسماء جلال)، شديدة الانضباط والنجاح في عملها وفي إدارة المنزل، تحمل شعورًا متضخمًا بالمسؤولية نحو ابيها يدفعها للتصرف بتسلط رغبة فيما تظنه حماية له، فتقف حجر عثرة أمام عودة هذه العلاقة، مدفوعة بغيرة فطرية، وبخوفها من انهيار المنظومة الأسرية الصارمة التي شيدتها لسنوات.

وراء هذا الخط الدرامي الرومانسي، يختبئ سؤال: هل يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد بعد منتصف العمر وينتصر على المعوقات الاجتماعية؟ وهو السؤال الذي يجيب عنه عنوان الفيلم بشكل مكثف: «فيها إيه يعني؟!». فالفيلم لا يكتفي بسرد حكاية حب، بل يستعرض رحلة بطل يحاول أن يعيد اكتشاف نفسه من خلال مراجعة ماضيه وأخطائه وقراراته الصغيرة التي صنعت مصيره، بأسلوب بسيط ودون تفلسف زائد.

رومانسية تُقاوم الزمن

يقدّم «فيها إيه يعني» صورة للحب كقوة متمرّدة على العمر والظروف والزمن مهما امتد، دون أن يعتذر عن نظرة رومانسية قد يراها البعض حالمة أو مراهقة. فالفيلم يُصالح المشاهد مع الفكرة القديمة بأن العاطفة لا تنتهي بانتهاء الشباب، بل تزداد نقاءً وصدقًا.

يُطعّم المخرج قصته بتفاصيل مصرية قريبة من الوجدان المحلي، لكنه يستعير أحيانًا شيئًا مما يعرف بـ«السحر الهوليوودي» (hollywood charm) في تصوير اللقاءات والمشاهد الحالمة، ليخلق توازنًا بين الواقعي والمُحسّن. وربما هذا ما يفرقه عن «الهوى سلطان» الذي قدم الرومانسية بأسلوب أكثر واقعية وتقشف ومحلية.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

الطبقة المتوسطة خارج الأسوار

أجمل ما في الفيلم أنه يلتقط تحوّل الطبقة المتوسطة المصرية من دفء القاهرة القديمة إلى العزلة الباردة لـ «الكُمباوندات» الحديثة. وهي رسالة ضمنية لم يلوّح بها الفيلم مباشرة، وربما لم يتعمدها؛ لكنه رصد حياة تلك المجتمعات التي أفقدت سكانها معالم التواصل والدفء الإنساني، وسط عالمها المغلف بمظاهر براقة مستحدثة لكنها تفتقر للعمق والجذور، لا تودي بمتبعها إلا إلى العزلة الاجتماعية. فبدت الحياة في هذا المجتمع سجنا خانقا للسجية البشرية.

في المقابل، مثلت العودة إلى حي مصر الجديدة محاولة لاستعادة الروح، والدفء، والمشاعر الإنسانية نفسها.

وهنا المقاربة تفرض نفسها مع فيلم «خرج ولم يعد» لمحمد خان، الذي خرج بطله من المدينة هاربا من ضوضائها وتلوثها وزحامها، إلى حياة الريف ليكتشف ذاته في الطبيعة ويقع في غرام ابنة الريف. بينما في «فيها إيه يعني؟!»، يحدث النقيض، حيث يهرب البطل من جحيم آخر هو «الكُمباوند» ويعود إلى قلب المدينة نفسها ليستعيد روحه المنطفئة، ويجدد حبه لامرأة من المدينة، وينغمس في كل مظاهر الحياة الصاخبة الثرية.. حتى الضار منها! وهو تناقض مثير من الزاوية الاجتماعية.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

أداء ذو معان 

تقدّم أسماء جلال واحدًا من أنضج أدوارها. فشخصية “ندى” ليست مجرد ابنة غيورة، بل نموذج لامرأة فقدت توازنها حين تحوّل خوفها وضعفها بعد موت الأم إلى سلطة. منذ طفولتها، تولّت مسؤولية والدها الأرمل، حتى تشكلت لديها سلطة غير معلنة عليه. ونجحت أسماء في تحويل الشخصية لمصدر إزعاج ونفور دائم للمتفرج كلما ظهرت على الشاشة.

الأجمل أن الفيلم يستخدم تلك الشخصية ليضعنا أمام مفارقة درامية قوية: ابنة تمارس السلطة على أبيها، في حين الطبيعة العمرية والبيولوجية تقرر العكس، ما يعني أن هذه السلطة بلا أساس. هذه المفارقة تفتح الباب أمام الفكرة الأوسع للفيلم: أن أغلب القيود التي تمنعنا من تحقيق رغباتنا ليست حقيقية، بل هشة ووهمية. ولا تحتاج منا سوى بعض الشجاعة فقط لمواجهتها ورفضها.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

يواصل ماجد الكدواني تأكيد مكانته واحدًا من أكثر ممثلي جيله حساسية وبساطة في الأداء. ففي شخصية «صلاح»، نراه مزيجًا من الطيبة والارتباك والجبن العاطفي، رجلٌ لم يتعلم قول «لا» في حياته، ولم يتعلم المواجهة. نجح الكدواني في أن يجعل هذه السلبية محببة ومؤلمة في الوقت ذاته، دون مبالغة في تجسيد جبنه وسلبيته.

واستعار في تجسيد «صلاح» بعض ملامح البراءة والسذاجة من شخصية «فطين» الذي جسّده سابقًا في فيلم «حرامية في تايلاند»، لكن دون الانجراف في الهزلية البحتة كما في الفيلم القديم. هنا الشخصية أنضج وأعمق، خاصة في لحظات السكوت المعبر والنظرات التي تحكي بدلًا من الكلمات.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

أما غادة عادل، فكانت مقنعة في أداء شخصية «ليلى» في حدود المساحة المرسومة لها — المرأة الأرستقراطية الرقيقة التي أنهكتها الخيبات لكنها لا تزال تحتفظ بجمالها وبلمعة الأمل في عينيها. ومع ذلك، فإن الكتابة ظلمت هذه الشخصية حين اختزلتها في هدف رومانسي للبطل أكثر من كونها امرأة من لحم ودم ولها تجربة خاصة.

السيناريو قدم ليلى من منظور ذكوري يرى فيها «المرأة الجميلة التي تُعيد للرجل ذكريات شبابه»، دون أن يمنحها العمق الكافي كإنسانة لها قصصها ومعاركها. كان يمكن أن يمنح بعض الوقت والتفاصيل لتجربة انفصالها عن زوجها مثلا، والتي تم القفز عليها دون مبرر، مما جعل ليلى مجرد لوحة جميلة مثل اللوحات التي ترسمها، أكثر من كونها شخصية مكتملة.

فيها إيه يعني (2025)

أما مصطفى غريب، فيقدّم أداءً مرحًا مفعم بالعفوية في دور «علاء»، زوج ندى. فبجانب خفة ظله وردود أفعاله غير المتوقعة، يضيف وجهه الصامت العاجز في عديد من المشاهد إلى ذلك البعد الفلسفي غير المعلن للفيلم: فـ«علاء» هو صورة مبكرة من «صلاح»، كلاهما ضحية للتسلط ذاته، لكن أحدهما في بدايته والآخر في نهايته. وكأن الفيلم يهمس بأن من لا يواجه قيوده اليوم، سيعيش أسيرها غدًا.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

قائمة الأمنيات.. رحلة الحنين

يعتمد التطور الرومانسي للفيلم على تيمة «قائمة الأمنيات» (Bucket List)، تلك القائمة التي كتبها الحبيبان في سنوات صباهم، ويبدآن بتحقيقها بعد عقود. المشاهد الناتجة عن هذه الرحلة تنوعت بين الجميل والمُستهلك، ففي حين نجحت بعض اللقطات في إثارة دفء الحب والحنين للماضي، وقع بعضها الآخر في دائرة مشاهد الفيديو كليبات التسعينية. زاد من ضعفها مدة عرض الفيلم التي تجاوزت ساعتين وثلث الساعة. والتي أثقلت الإيقاع خاصة في الفصل التمهيدي. فكان يمكن تكثيف الأحداث دون الإخلال بالمعنى.

كما أن ظهور المطرب أحمد سعد في مشهد غنائي بدا مقحمًا ومبتذلا، لا يخدم التطور الدرامي، بقدر ما يعمل كحيلة تسويقية للفيلم. والأمر نفسه تكرر مع ظهور الفنان حميد الشاعري بأغنية داخل الفيلم في مشهد يذهب فيه الحبيبان إلى «ديسكو». ورغم جمال الأغنية وحضور «حمي» القوي الذي يستدعي الحنين لفترة التسعينات، إلا أن المشهد كان يحتاج أولا لمبرر عن غناء حميد داخل ملهى ليلي! وثانيا يحتاج لتوظيف رمزي أو درامي أعمق، كأن يذكر مثلا أن حميد كان مطربا مفضلا للبطلين في شبابهما، أو كان من أحلامهما حضور حفل له. لكن السيناريو أضاع الفرصة على هذا المشهد ليكون أكثر تأثيرا من الناحية العاطفية.

فيها إيه يعني (2025)

الصورة والموسيقى.. لغة الحنين

نجح مدير التصوير أحمد جبر بسط حالة شعورية خاصة بكل مكان تدور به الأحداث. فبدت «زايد» كأنها سجن فاخر يخنق ساكنيه، بينما ظهرت مصر الجديدة كفضاء دافئ ينبض بالحياة والزخم والأحاسيس. وإن لم يتجاوز التصوير الخارجي في أدواته محاولات سينمائية سابقة في إبراز جمال الحي العريق، إلا أنه نقل إحساسًا بصريا متماسكا في العلاقة بين المكان والشخصية. مع تفوق عام في التصوير الداخلي، الذي امتلأ بكادرات جيدة جدا في تكوينها وإضاءتها.

أما الموسيقى التصويرية لـ خالد حماد، فكانت واحدة من أجمل عناصر الفيلم؛ مفعمة بالرقي والشجن، وتستدعي نغمات قديمة تحاكي ذكريات الأبطال، وتمنح العمل روحا حالمة دون ابتذال. يُحسب أيضا للفيلم توظيف بعض الأغنيات الكلاسيكية في المشاهد بأسلوب ممتع ومتناغم، مثال «بحلم معاك» لنجاة الصغيرة، و«أهواك» لعبد الحليم حافظ.

ورغم بعض العيوب في الإيقاع والكتابة، إلا أن الفيلم ينجح في إعادة الروح إلى السينما المصرية التقليدية، تلك التي تحكي عن الناس العاديين بلغة بسيطة وصادقة.

ومن المرجّح أن تتزايد شعبية الفيلم بعد عرضه على المنصات الرقمية، حيث سيتفاعل معه المشاهدون في بيئة أكثر هدوءًا وتأملًا.

اقرأ أيضا: «الهوى سلطان».. متى كانت آخر مرة شاهدت نفسك على شاشة السينما؟

شارك هذا المنشور