فاصلة

أصوات نقدية سعودية

فيلم «فيها إيه يعني؟»… عودة الحنين إلى السينما المصرية

Reading Time: 3 minutes

دائمًا ما تحمل السينما نوعًا فريدًا من القصص التي تخرجك بابتسامة غامرة وبشعور لطيف وهمسة حانية ترافقك بعد نهاية العرض، وتجعلك ترى أبطالًا يعانون من مشكلات نفسية كالفقد أو الاغتراب، فتتعاطف معهم وتلمس هشاشتهم وضعفهم الإنساني، وتبدأ كمشاهد في رسم مسار بديل لهم داخل خيالك، مسار ينتهي عادة بتحقيقهم ما يريدون ولو بثمن بسيط. هذا النمط من القصص الذي يجمع بين الحنين الإنساني والبساطة السردية هو ما شكّل لسنوات طويلة جوهر السينما المصرية، التي كانت تمزج الكوميديا بالواقعية وتحتفي بالإنسان العادي وسط تعقيدات الحياة.

لكن هذه الروح خبت تدريجيًا، لتحل محلها موجة من الأفلام التجارية السطحية أو الكوميديا المفتعلة. وعلى مدار سنوات، تراجع هذاf النوع من السينما التي كانت توازن بين المتعة والتفكير وكأن المشهد السينمائي فقد قدرته على الحكي البسيط الصادق.

ومع ذلك، بدأت في العامين الأخيرين ملامح عودة هادئة لتلك الروح المصرية، حيث أصبحت بعض الأفلام تتجه نحو استعادة دفء العلاقات والنوستالجيا، دون أن تتخلى عن روح السوق ومتطلباته الترفيهية. في هذا السياق، يأتي فيلم «فيها إيه يعني؟» كمثال واضح على تلك العودة التدريجية.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

لا يمكن اعتبار «فيها إيه يعني؟» فيلمًا ناضجًا من حيث البناء أو السرد، لكنه في المقابل أعاد التوازن إلى نوعية الأفلام الخفيفة التي يعرف صانعوها حدودهم جيدًا. فهو لا يتصنع العمق، ولا يتظاهر بحمل رسائل كبرى، بل يمنح المشاهد متعة صافية قائمة على صدق الأداء ودفء الحكاية.

منذ المشهد الأول، حين نرى صلاح (ماجد الكدواني) يعيش مع ابنته ندى (أسماء جلال) وزوجها مصطفى غريب وحفيدته الصغيرة في بيت واحد، ندرك أن هذا الترتيب الأسري غير المألوف يخفي توترًا صامتًا. وجود الجد داخل بيت ابنته يفتح أسئلة عن الحميمية والسلطة والعمر وحدود التبعية والاستقلال داخل الأسرة. هذه التساؤلات تُطرح مباشرة، وتُروى ضمن تفاصيل الحياة اليومية بسلاسة متقنة، حتى يظهر في حياة صلاح وجه قديم هو ليلى (غادة عادل)، التي تعيد إليه نضارة الأيام المفقودة، وتوقظ داخله رغبة قديمة في استعادة شبابه وذاته قبل أن يبتلعه الروتين الأبوي والشيخوخة.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

مع ظهور ليلى، تتضح أكثر نغمة الفيلم التي تتحول من الخفة والمرح إلى رومانسية دافئة. فيبدأ صلاح رحلة جديدة تخرج عن المألوف، حين يقرر الانتقال إلى شقته القديمة المجاورة لليلى، وهناك تبدأ سلسلة من المواقف التي تجمعهما في مغامرات صغيرة تحقق لهما أمنيات متتابعة وغريبة. غير أن دخول البرطمان العجيب إلى الحكاية أدخل الفيلم في دوامة من التكرار والعبث الذي أضعف مساره الأساسي.

فالأمنيات التي يحققها صلاح وليلى واحدة تلو الأخرى كالذهاب إلى الديسكو، وتدخين السجائر، والسهر حتى الصباح تحولت من أداة للكشف عن شخصياتهما والاقتراب من أزماتهما إلى وسيلة لإطالة زمن الفيلم بلا ضرورة حقيقية. ورغم أن الفكرة في بدايتها كانت لطيفة ومحببة، فإن الإفراط في تكرارها جعل العمل يبتعد عن محوره. فحين تنتقل ابنة صلاح إلى المكسيك بعد فرصة عمل جديدة، يُفترض أن يتشكل هنا قلب الحكاية، لكن الفيلم اختار الابتعاد عن هذا الخط الدرامي المهم.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

المشكلة الأبرز كانت بلا شك مدته المبالغ فيها؛ فساعتان كاملتان كان يمكن اختصارهما دون أن يفقد العمل شيئًا من نكهته أو رسالته. الإيقاع في البداية كان واضحًا ومنسابًا في سلاسة تجمع بين اليوميّ والعاطفيّ، لكنه في منتصفه بدأ يترنح في بطء ممل أربك المتابعة وأفقد المشاهد التركيز. كثير من المشاهد الجانبية لم تخدم الحبكة بقدر ما أضعفتها حتى بدا الفيلم وكأنه يسير في مكانه دون وجهة محددة.

ورغم هذا الخلل الإيقاعي، فإن للفيلم ما يُحسب له؛ فقد جاء شريطه الصوتي منسجمًا تمامًا مع الحالة الشعورية العامة، بموسيقى تهديك الشعور المطلوب دون كلفة أو ادعاء، تعتمد على نوتات بتدرجات هادئة تلامس الحنين وتستدعي الدفء. ثيماتها محدودة وذات دلالة واضحة لا تخطئها الأذن، فيما كان توظيف أغنية «أهواك» ولمسات البيانو المرافقة لها اختيارًا ذكيًا أضفى على المشاهد لمسة من النوستالجيا الجميلة التي حفّت الفيلم بهالة جذابة.

فيها إيه يعني (2025)
فيها إيه يعني (2025)

وفي المحصلة، لا يمكن اعتبار فيلم «فيها إيه يعني» تجربة متكاملة، لكنه فيلم صادق ومحبوب، نجح في أن يمنح جمهوره ساعتين من الإمتاع والدفء، واستطاع رغم عيوبه في البناء والإيقاع أن يجد صلته الحقيقية بالمشاهد، ليحقق في أيامه الثلاثة الأولى أكثر من أربعين ألف تذكرة في شباك التذاكر السعودي.

اقرأ أيضا: «فيها ايه يعني» يستعيد جمال الحكايات الهادئة والبطل العادي

شارك هذا المنشور