أزعجني رحيل روب راينر. لا أعرف الرجل، لكننا نحن المبتلين بحبّ السينما، مبتلون أيضًا بناسها. مع رحيلهم تنفلت طبقات من الصور والمشاعر نحو المجهول: تلك التي اختبرناها يومًا، وتلك التي تباغتنا في لحظة الفقد. فكيف إذا جاء الرحيل قتلًا، بدلًا من الاستسلام لقانون الطبيعة؟ نخدع أنفسنا حين نعتقد أننا لا نعرفهم، ومع ذلك يمكننا، ببساطة مؤلمة، أن نرسم لهم بورتريهًا كاملًا ممّا منحونا في حياتهم، وممّا تركوه فينا بعد مماتهم. هذا أحد أوجه المعرفة، إذ لا شيء أكثر حميميةً من أن تشارك الآخر أفكاره، وأن تتسلل رؤيته إلى وعيك من دون استئذان.

في تشرين الأول الماضي، أُتيحت لي مشاهدة أحد أشهر أفلام روب راينر وأهمها: «عندما يلتقي هاري سالي – When Harry Met Sally» (1989). كوميديا رومنطيقية أعادتني إلى أواخر الحرب الأهلية اللبنانية، حين كنت أسارع كلّ يوم جمعة إلى المكتبة لشراء ملحق السينما الذي كان يحرّره جان بيار غو بلتان في جريدة «لوريان لو جور»، لأطّلع على رأيه في الأفلام. كانت مشاهداتي في تلك السنوات محكومة، إلى حدّ بعيد، بحماسة هذا الناقد ونظرته.
حين عدتُ إلى الفيلم بعد سنوات، رأيتُ فيه ما كان خافيًا عليّ وأنا بالكاد في سنوات مراهقتي. فبعض الأفلام لا يحتاج إلى نضجٍ فحسب، إنما إلى تجربة حياة، إلى عبور إلزامي باستحقاقات قاسية، في مقدّمها الخسارة أو الفقد. كيف يمكن المرء أن يتماهى مع شخصيات تحبّ وتكره وتتألّم وتختبر تعقيدات المشاعر البشرية كلها، وهو لم يعش بعد شيئاً منها؟

شاهدتُ الفيلم ضمن مهرجان لوميير السينمائي في ليون، وكنت قد عزمتُ على الكتابة عنه لمناسبة إعادة عرضه في بعض الصالات بنسخة مرمّمة. غير أن الأولويات أخذتني بعيداً، إلى أن بلغني قبل أيام خبر مقتل راينر وزوجته، في جريمة قيل إن ابنهما ارتكبها. عندها وجدتني أكتب في ظلّ فقدٍ جديد، وكأن شيئًا ما دفعني إلى تأجيل النصّ، ليغدو سبب الكتابة سببين، وليتراكب الحنين مع الصدمة.
الأفلام، كما سائر الأعمال الفنية، ابنة أزمنتها، لكنها تقول دائمًا شيئًا عن زمننا الراهن. وبالمقارنة مع سينما ما بعد 2001، ثمة براءة في هذا الفيلم تكاد تعمي العينين: ثقة في المشاعر حتى في تشاؤمها، خفّة في التعامل مع الأشياء، مع الأحاسيس التي تولد أمامنا، على مرأى ومسمع، ثم تتحوّل في تلقائيتها إلى حياة كاملة، إلى كلاسيكية فورية.

وإذا أخذنا سينما يواكيم ترير مثالًا، لا سيما فيلمه «أسوأ إنسان في العالم»، يتبدّى الفارق في النظر إلى شؤون الحياة: الحبّ، الرغبة، الطموح، العمر، والعلاقة الجدلية بين الرجل والمرأة. كلّ شيء أصبح أكثر ارتيابًا اليوم.
ولماذا استحضر ترير تحديدًا؟ ربما لأن فيلمه يدور على الخصام بين الرجل والمرأة، ذلك الخصام الذي عرف راينر وكاتبة السيناريو نورا إيفرون كيف يقتربان منه بلا ضغائن، وبانسجام كامل مع زمنهما، في ما يبدو اليوم شبه مستحيل. كانت النظرة أبسط، أكثر مباشرةً. كلّ شيء يُقال، أو يكاد يُقال. في مقابل عصر باتت فيه السينما تعتمد على ما هو باطني، خبيث. ومع ذلك، لم تكن تلك البساطة سذاجة، بل نتاج تجربة شخصية، إذ استلهم راينر الفيلم من حياته عقب طلاقه.
من الصعب أيضًا فصل تغريدة دونالد ترامب في نعي راينر، بما يحمله من نرجسية وقلة تعاطف (الراحل كان من أشد المنتقدين لسياساته)، عن كلّ ما يشكو منه عصرنا من لؤم وقسوة. تمامًا كما تصعب قراءتها بمعزل عن ذلك التعالي المستمر على السينما الجماهيرية، الذي عانى منه أمثال راينر في حياتهم، وظلّ يطارد الأخير حتى في بعض النصوص التي كُتبت لرثائه.

«عندما يلتقي هاري سالي»، بطولة ميغ راين وبيلي كريستال، اللذين يشكّلان ثنائيًا طاغيًا نكاد نلمس حضورهما، هو في جوهره حكاية عادية، أبطالها أناس عاديون، من ذلك النوع الذي تهواه السينما الأميركية بقدر ما تعشق نقيضه أيضًا: أبطالًا خارقين في ظروف استثنائية. غير أن ما يرفع من شأن الفيلم هو أننا، على الرغم من بساطة الوقائع، نتابع الشخصيتين ونقتفي أثرهما على امتداد نحو إثني عشر عامًا، منذ لحظة اللقاء الأول حتى خاتمة قد تنتزع منك بعض الدموع التي كنت تحبسها طوال الفيلم.
هذا كله يأتي مطعّمًا بحوارات لذيذة تحمل حسًّا أنثويًا واضحًا وعبارات علقت في الذاكرة الجمعية، مثل قول صديقة سالي: «إنها نحيفة، جميلة، صدر عارم… كلّ ما يشكّل كابوسًا لدينا». فيلم يُضحِك من دون أن يتورّط هو نفسه في الضحك، ويمدّك بمتعة خفيفة بلا ابتذال، حدّ يصبح مفهومًا تمامًا لماذا وضعه معهد الفيلم الأميركي في المرتبة الثالثة والعشرين ضمن قائمة أكثر الأفلام الكوميدية إثارةً للضحك.

تنطلق القصّة من نقاش عابر يبدو لوهلة بسيطًا: هل الصداقة ممكنة بين الرجل والمرأة؟ المقصود صداقة متينة، بلا أطماع جنسية كامنة. هذا السؤال سرعان ما يتحوّل إلى مدخل لفيلم – أطروحة عن الأسباب الظاهرة والمستترة التي تجعل الحبّ بهذه الدرجة من التعقيد. ومن خلال لقاءات متكرّرة بين هاري وسالي، أقرب إلى لعبة قطّ وفأر، تتبدّل نظرة كلٍّ منهما إلى الآخر: من النفور إلى التقدير، ثم إلى ما هو أبعد من ذلك. وبالتوازي، تتغيّر رؤيتهما للحياة مع كلّ تجربة جديدة يمران بها، فنشهد كيف يمكن المشاعر أن تبتعد وتقترب في آن واحد، وكيف تحتل شؤون القلب المساحة الأوسع من هذا التقلّب.
هل الصداقة هي التي تنقلب حبًّا، أم أنّ الحب هو الذي يصنع صداقة بين هذين الإثنين؟ سؤال لا نملك عنه جوابًا حاسمًا، سوى القول إن أي علاقة، في الغالب، تحتاج إلى القليل من هذا وذاك. في جوهره، هذا فيلم عن تأجيل ما نشعر به بسبب الشكّ والتردد. هل ما يجمعنا بشخص هو تعلّق، هاجس، أم مجرّد حاجة؟ وهل القرب عدوّ المَشاعر، تمامًا كما قد يكون البُعد عدوّها؟ من دون أن ننسى أننا نخشى أحيانًا الخسارة قبل أن نمتلك الشيء أصلًا. أيًا يكن، فإن هذا الالتباس العاطفي وهذا التردّد المستمر يمنعان هاري وسالي من تبادل قبلة غرامية واحدة قبل مرور ساعة كاملة على بداية الفيلم، علمًا أن أحداثه لا تتجاوز التسعين دقيقة، كما يليق بأي فيلم رومانسي ثمانيناتي يحترم نفسه.
نحن حيال فيلم عن «فكرة» الشريك، بقدر ما هو عن الشريك نفسه: كيف يتحوّل إنسان من لحم ودم إلى شبح يحوم فوقنا، يسكن المخيّلة أكثر ممّا يسكن الواقع؟ يتجلّى هذا في مشاهد عدّة، كما يحضر على ألسنة الشخصيات التي اختارها راينر صادقة مع ذاتها، لا تتوانى عن البوح والمصارحة، مما يخفّف عنها الأعباء ويجعل أرواحها أكثر خفّة، كأنها قابلة للتحليق.

فهم راينر إن العلاقات لا يحكمها منطق ولا قانون. كلّ ما يمكن قوله يصحّ قول نقيضه أيضًا، ولن يكون هناك صواب مطلق أو خطأ نهائي. «للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل»، كما كتب بليز باسكال. وأبلغ دليل على هذا العبث الجميل، ذاك العشاء الذي يُنظَّم للتعريف بين صديقة سالي وهاري، وصديق هاري وسالي، فإذا باللقاء، استنادًا إلى جملة واحدة عابرة، يفضي إلى ولادة علاقة بين صديق هاري وصديقة سالي. يا له من عبث دالّ.
«عندما يلتقي هاري سالي» هو، من منظوري، أكثر أفلام راينر «روميريةً»، نسبةً إلى إريك رومير، حيث لا تبدو الحبكة ذات أهمية كبرى، بل مسوغ للحديث عن أشياء أخرى. حتى إن العنوان نفسه يجعلنا نتكهّن شيئًا من الخاتمة منذ البداية. وربما ندرك هذا التلاقي اليوم أكثر ممّا أدركه «مجايلو» الفيلم عند عرضه في أواخر الثمانينات، رغم أنه قورن، بلا وجه حق، وبسبب وجود موسيقى الجاز فيه، بسينما وودي آلن. لكني أراه يحمل إرهاصات روميرية، على الرغم من أن المخرجين يأتيان من خلفيتين ثقافيتين متباينتين، حدّ التناقض أحيانًا.

يتشارك راينر ورومير شغف القول والبوح، غير أن الحوارات في «هاري…» تكشف الرغبة والشكّ وما يمكن تسميته بـ«الإيديولوجيا الغرامية»، فيما تشكّل عند رومير محرّكًا وجوديًا حقيقيًا، إذ تمنح الشخصيات منبرًا لتحكي كي تفهم ما يحدث لها، أو لتقنع نفسها بأفكارها. في «هاري…»، كما في «ليلتي عند مود»، نحن حيال مواجهة بين منظومتين فكريتين: هاري في مقابل سالي، جان لوي في مقابل مود. ما كان يفعله رومير دائمًا هو الآتي: إنشاء مختبر أخلاقي معقّد، مساحة نختبر فيها المبادئ والتناقضات. ولعلّ ما يمدّ «هاري…» بهذه الروميرية المحبّبة هو أيضاً الأماكن التي نعبرها من دون أن تتحوّل إلى شخصيات في ذاتها، فتبقى نقاط مرور: مطاعم، شقق، مطارات، أحياء نيويوركية. كلا السينمائيين يراهنان على كيفية رواية القصص، وعلى طريقة الكلام عنها، أكثر من الرهان على القصّة نفسها. يُضاف إلى ذلك عامل بالغ الأهمية: التأجيل والتردّد. هاري وسالي يحتاجان إلى سنوات كي تتقوّى العلاقة بينهما. فالمشاعر هنا «ورشة مفتوحة»، تولد مع الزمن لا في اللحظة الأولى. ومع ذلك، ثمة لحظة أساسية يفترق فيها المخرج الأميركي عن زميله الفرنسي، وهي بدورها دالّة: رومير يراقب، يحسب خطواته، يعفي شخصياته من الأحكام الأخلاقية المبرمة، تاركاً كلّ شيء معلّقاً في دوائر الشكّ والالتباس، بلا حسم. أمّا راينر، وكأي أميركي ابن ثقافته، فينتهي في حضن النهاية السعيدة، لحاجته إلى أن يطمئن ويُطمئِن. ولا بأس في ذلك، فشتاءات نيويورك قاسية، وغالباً ما يكون من الأفضل ألا يواجه المرء هذا البرد وحيدًا.
اقرأ أيضا: روب راينر… رحابة القلب على الشاشة