فاصلة

مقالات

شعبانة عزمي: نجمة في السينما… والشارع

Reading Time: 10 minutes

بورتريه من أرشيف الناقد إبراهيم العريس، عن الممثلة الهندية شعبانة عزمي، عام 1995، بعد اختيارها لترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

لعل من أفضل ما فعله الأديب سعد الدين وهبة، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، هو إصراره على أن تكون نجمة الهند الكبيرة شعبانة عزمي، رئيسة للجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة في المهرجان.

فشعبانة التي باتت تتميز بسمعة عالمية منذ سنوات، تعتبر واحدة من كبار سيدات السينما في العالم، على الرغم من أن عدد الأفلام الجيدة والقيمة التي مثلت فيها لا يكاد يصل إلى نصف عدد الأفلام التجارية التي ترضى القيام ببطولتها، لأسباب توضحها لنا في البورتريه الآتي الذي نرسمه لها.

كانت السينما الهندية بالنسبة إلى الأوروبيين واحدة من اثنتين، إما سينما تجارية تقوم على أساس نظام للنجوم أكثر قوة وتعقيدًا من نظام نجوم هوليوود، وتنتج أفلامًا بالكاد تصل إلى أوروبا ؛ وإما سينما فنية، سينما مؤلفين يُعتبر المخرج فيها السيد المطاع، وينسى الناس حتى أسماء الممثلين هذا إن كان ثمة في الفيلم ممثلون ذوي أسماء كبيرة.

في ذلك الحين كانت أوروبا السينما بدأت تكتشف أن هناك نجومًا، ونجومًا كبارًا يلعبون أدوارًا في أفلام كبار المخرجين بين الحين والآخر. وعلى هذا النحو وقعت أوروبا في هوى شعبانة عزمي، إحدى كبريات النجوم الهنديات، والتي كان هواة السينما اكتشفوا أداءها وجمالها في أفلام تحمل تواقيع ساتياجيت راي، وشيام بنغال، وميرينال سن. 

وهكذا دعيت شعبانة لتكون ضيفة شرف في مهرجان كان السينمائي في العام 1986. وأُعلِن عن حياتها وأفلامها، واستعد المصورون لالتقاط أجمل الصور للسيدة الجميلة ذات الساري المذهل. ولكن سرعان ما خاب أمل الجميع، لأن شعبانة لم تحضر المهرجان في الموعد المحدد… انتظروها في اليوم الأول، ثم في الثاني ففي الثالث، ثم يئسوا. أما الذين كانوا شاهدوها في بعض أجمل أفلامها ووقعوا في هواها حقًا، فقد قلقوا عليها لأنهم كانوا يعرفون مدى إصرارها على الحضور، وظنوا أن خطبًا جليلًا كان من شأنه وحده أن يحول بينها وبين السفر إلى كان.

وبالفعل سرعان ما تبين أن الخطب كان جليلًا.. بالنسبة إليها على الأقل؛ فالنجمة لم تحضر إلى كان في الموعد المضروب لأنها كانت مشغولة باعتصام نظمته لجنة من المناضلين في إحدى ضواحي بومباي، حيث كانت السلطات البلدية تريد هدم مجموعة من الأكواخ لإرغام أصحابها الفقراء على مبارحة المكان، فنظمت اللجنة اعتصامًا واضرابًا عن الطعام استمر أسبوعًا، وانتهى بتراجع السلطات عن قرارها.

بالطبع كانت شعبانة عزمي في مقدمة المعتصمين والمضربين عن الطعام. بعد ذلك حين سئلت عن الواقعة قالت مبتسمة في حزن: «أجل… كنت أفضِّل أن أكون في مهرجان كان، لكن فرحة الفقراء بانتصارنا معًا في تلك الضاحية البائسة كانت مساوية بالنسبة لي لفرحتي لو حضرت المهرجان».

شعبانة عزمي: نجمة في السينما ... والشارع
Masoom (1983)

شعبانة عزمي، أجمل ممثلة في الهند، وواحدة من أجمل ممثلات العالم، لا تحاول أن تخفي الجانب الأجمل من حياتها: جانب النضال. فهي قبل أن تكون ممثلة وفنانة، كانت مناضلة شيوعية بالوراثة من دون أن يدفعها ذلك الانتماء إلى التخلي عن واجباتها الدينية كمسلمة. وتفخر شعبانة عادة أنها ابنة لأب كان شاعرًا كبيرًا باللغة الاوردية هو «كايني عزمي»، وأم عُرفت كممثلة مسرح كبيرة باسم شوكات عزمي. وشعبانة التي ولدت في بومباي في العام 1952، عرفت مواهبها الفنية في منزل أسري، كان أشبه بملتقى للفنانين التقدميين في المدينة. ومن هنا كان من الطبيعي لها أن تختار الفن طريقًا لحياتها، فانخرطت في مدرسة «بونا» للفن الدرامي لتتخرج وتعمل في المسرح.

شعبانة عزمي
شعبانة عزمي مع والديها

البدايات المسرحية

«كان التمثيل المسرحي هو حلمي»، تقول شعبانة الآن مضيفة: «لأن السينما الهندية التي كنا نشاهدها كانت لا تعدنا بإمكانية حقيقية للتعبير عن ذواتنا. لم نكن بعد عرفنا، عن كثب، أفلام ساتياجيت راي وشيام بنغال وغيرهما من أصحاب الأسماء التي لمعت واشتهرت في الغرب قبل أن تعرف في الداخل».

ظلت شعبانة متمسكة بالعمل المسرحي حتى التقت المخرج شيام بنغال الذي أعطاها في العام 1974 دورها الأول في فيلم «الحبة The Seedling». وعن ذلك الدور تقول شعبانة: «منذ الليلة التي قرأت فيها السيناريو ادركت أن عوالم جديدة قد انفتحت أمامي، وأنني أمام سينما ترضي طموحي. قبلت العمل في الفيلم فورًا وكان فاتحة خير عليّ…».

صحيح أن شعبانة عملت مع شيام بنغال في أفلام عدة اخرى، غير أنها سرعان ما انخرطت في السينما من دون تفرقة بين جيد ورديء. ففي بلد ينتج 850 فيلمًا في السنة ويعتبر النجوم فيه انصاف آلهة، ويحتدم التنافس يوميًا بين كبار النجوم وكبار المنتجين؛ لا يعود بوسع امرأة مثل شعبانة عزمي أن تقاوم، لذلك ما أن اطلت عليها سنوات الثمانينيات، حتى وجدت نفسها تخوض لعبة مزدوجة، فتمثل في أفلام فنية خالدة، وتعمل في الوقت نفسه في أفلام تجارية. 

Ankur (1974)
Ankur (1974)

اليوم قد لا يبدو مقنعًا كلام شعبانة حين تبرر ذلك، «لأنني عبر العمل في ذلك النوع من الأفلام، بعد تحولي إلى نجمة حقيقية، إنما أحاول أن أجُر الجمهور والمنتجين إلى الاهتمام بالسينما الموازية». كلام شعبانة هذا قد يبدو هنا من قبيل التبرير، لكنه يحمل على الأقل قسطًا من الحقيقة، فالواقع أن أفلامًا مثل «لاعبو الشطرنج The chessplayers» لساتياجيت راي أو «أطلال Ruins» لمرينال سن أو «الفجر Nishant» أو «طيران اليمامة A Flight of Pigeons» لشيام بنغال، كان من الصعب عليها أن تجد جمهورًا حقيقيًا لولا وجود النجمة شعبانة عزمي فيها. فشعبانة في مثل هذه الأفلام تكون نجمة ويستغل جمالها إلى اقصى الدرجات، بينما من الواضح انها مع سن وراي وبنغال تكون ممثلة حقيقية وكبيرة.

شعبانة عزمي
The Chess Players (1977)

خمسة أفلام في وقت واحد

إذن، شعبانة اليوم ممثلة كبيرة ونجمة كبيرة في الوقت نفسه. ومن يريد أن يختبر أداءها حسبه أن يشاهدها في «لاعبو الشطرنج»، حيث تقوم بدور زوجة النبيل المسلم اللاهي بلعب الشطرنج بينما الإنجليز يسيطرون على البلد.

شعبانة تقوم في الفيلم – وعلى طريقة نساء ألف ليلة وليلة- بكل البهلوانيات الممكنة لاجتذاب زوجها وإبعاده عن الشطرنج لكنها تخفق في النهاية، فتخسره بينما يخسر هو مدينته.

 الذي يريد أن يعرف حجم نجوميتها؛ حسبه أن يرافقها في سيارتها التي تحملها من بيتها الفخم في ضاحية «جوهر»، وهي «بيفرلي هيلز» الهند، إلى الاستديو حيث يندر ألَّا تعمل على خمسة أفلام في الوقت نفسه. تلك الرحلة تستغرق عادة ساعة من الزمن، ويتاح للمرء خلالها أن يمر بشتى الطبقات الهندية، لذلك سيلاحظ كم أن الناس يحبون شعبانة ويقدرونها، و«يتكومون» على السيارة عند كل توقف للسلام عليها.

شعبانة تعرف جيدًا أن هذه الشعبية لا تأتيها بفضل الأفلام الجادة والممتازة التي تمثل فيها، بل بفضل الأفلام الأخرى؛ الشعبية او الجماهيرية، التي يطلب إليها فيها أن تؤدي دورها كيفما اتفق. الواحد من تلك الأفلام يعرض عادة في عشرات ألوف الصالات، ويشاهده ملايين المتفرجين ولا ينسونه بعد ذلك أبدًا. وإذ تسأل شعبانة عن نموذج لتلك الأفلام تذكر الفيلمين الأكثر نجاحًا: «عمار، أكبر، انطوني Amar, Akbar, Anthony» الذي اعتبر فيلم الموسم في العام 1978، ثم فيلم «أشانتي Ashanty» الذي رضيت فيه بشكل استثنائي، أن تشارك البطولة نجمتين من نجوم الشباك لا تقلان عنها أهمية: زينات امان، وبوني، أو فيلم «معصوم Masoum» الذي حققت عبره نجاحًا استثنائيًا.

شعبانة عزمي
Amar Akbar Anthony (1977)

مهما يكن، حتى في هذا النوع من الأفلام تحاول شعبانة عزمي، بقدر ما يمكنها، أن تعطي نكهة ما لدورها «أحاول أن أجعل من الشخصية التي أمثلها رسالة اجتماعية، حتى ولو كان الفيلم ضئيل الأهمية من الناحية الفنية. يمكنني مثلًا أن أدعو إلى تحرير المرأة، أو إلى إحداث تبديل ما في العلاقات الاجتماعية». وفي هذا الإطار تزهو شعبانة بأنها من خلال قبولها في العام 1990 لعب دور أم عجوز في فيلم ميلودرامي تجاري، غيرت الصورة المعهودة للأم الهندية الدائمة الخضوع والدائمة البكاء: «إنه واحد من انتصاراتي الصغيرة»، تقول شعبانة وتضيف: «إن من مزايا السينما الجماهيرية أنها تصل إلى كل إنسان في أقصى القُرى وفي أكثر شوارع وأحياء المدن ازدحامًا، وأكثر شوارع وأحياء المدن ازدحامًا. ومن هنا اعتبرها أخطر من الصحافة وأكثر قوة من الأحزاب مجتمعة. رسالة واحدة، ولو مضمرة، تصل عن طريق السينما تساوي ألف مقال وكتاب نضالي».

شعبانة عزمي
Next of Kin (2018)

وجودها يسهل التسويات

هل معنى هذا انه يمكن لشعبانة أن تفرض شروطًا معينة لقاء العمل في فيلم تجاري؟ «بالطبع!» تجيب هذه الفنانة الكبيرة. «كل ما في الأمر أن وجودي في فيلم ما، يجعل الوصول إلى تسويات أكثر سهولة. وهذه هي الثغرة التي أخترقها عادة لأتواصل مع الملايين الذين يبذلون وقتهم ومالهم وراحة أعصابهم للتفرج على أفلامي».

بالنسبة إلى شعبانة عزمي، كل رسالة هي في نهاية الأمر رسالة اجتماعية وسياسية. ومن هنا تبدو كل الوسائل صالحة لإيصالها، بما في ذلك الاحتفالات الفنية الكبرى. وهنا تبتسم شعبانة، وهي تروي الحكاية التي يعرفها الهنود جميعًا، والتي أوصلت ذات يوم، مسارها السينمائي إلى حافة الخطر. حدث ذلك أوائل العام 1989 حين طُلب إليها وبإلحاح أن تتولى رئاسة وافتتاح المهرجان الدولي الثاني عشر في مدينة دلهي، وهو أكبر مهرجان سينمائي هندي من نوعه، ويحضره عادة كبار الفنانين والرسميين، ويُعهد إلى واحد أو واحدة من أبرز فناني الهند ترؤسه وافتتاحه. 

يومها كانت شعبانة تشارك بفيلم إنكليزي مثلته إلى جانب شيرلي ماكلين، من إخراج جون شليسنجر عنوانه «مدام سوزاتسكا Madame Sousatzka» وكانت الهند كلها تنتظر التحولات التي من المفترض أن تكون طرأت على شعبانة بعد تجربتها الاجنبية تلك، لذلك ساد الصمت والترقب حين اعتلت خشبة المسرح، وبعد أن تحدث مدير المهرجان مطولًا عن مزاياها وأفلامها ومكانتها لدى الجمهور ولدى السينمائيين. 

يومها كان من المفروض بها أن تتحدث عن السينما الهندية وأن تسبغ آيات الشكر على كبار الفنانين الذين تعاملت معهم، لكنها بدلًا من ذلك كله، ما أن تسلطت عليها كافة الأضواء، حتى سحبت بيانًا راحت تقرأه بصوت مرتفع: «في عز النهار يوم الأول من كانون الثاني يناير 1989 فيما كان صاقدار هاشمي، الفنان الملتزم الكبير والمناضل الشيوعي العريق، يقدم عرضًا مسرحيًا في أحد شوارع حي التنك في صاحب-أباد، جرى اغتياله غدرًا من قبل مأجورين يعملون لصالح مرشح للانتخابات يسانده الحزب الحاكم».

لم يكن النبأ الذي أعلنته شعبانة جديدًا، فالحال أن هاشمي كان اغتيل قبل أكثر من أسبوعين، وتظاهر الألوف احتجاجًا على اغتياله وعلى سكوت السلطة عن ذلك الاغتيال، وأُقفِلَت كافة مسارح البلاد احتجاجًا. لكن الجديد هو أن تحمل شعبانة إلى الساحة الفنية العامة تلك الحادثة وأن تُبدي احتجاجها على ذلك النحو الصاخب. 

فما الذي حدث؟ 

التلفزة الرسمية التي كانت تغطي الاحتفال قطعت الصوت، وراحت أجهزة الهاتف الرسمية تعمل بأسرع ما يمكن، وخصوصًا حين واصلت شعبانة كلامها قائلة: «نحن، معشر الناس الذين نحب السينما ونعتبر الفن مهنتنا، نرفع أصواتنا احتجاجًا ضد نظام يزعم أنه يعمل لما فيه صالح الفن والإبداع، لكنه لا يتوانى عن التواطؤ في جريمة من هذا النوع…».

مرت السهرة بعد ذلك على خير. ولكن في صبيحة اليوم التالي صدرت صحف السلطة وعليها عنوان عريض واحد «شعبانة على اللائحة السوداء… ترى من سيعطي أدوارًا لشعبانة بعد الآن؟». 

اليوم إذ تسأل شعبانة عن ذلك وهل تحققت مقاطعتها فعلًا؛ تضحك ضحكتها المشعة. تسألك: «ما رأيك أنت؟ هل تعتقد أن بإمكان السلطة، أي سلطة، أن تنتصر على فنان يسانده جمهور ويحبه؟»

والحقيقة أن شعبانة عزمي لم تتوقف عن العمل منذ تلك اللحظة. «ولكن السينما تغيرت كثيرًا»، تقول وقد ظهر شيء من الأسى على وجهها، وتضيف: «ليس أمامنا الآن إلا أن نعمل في الأفلام التجارية أكثر وأكثر. فساتياجيت راي مات، وشيام بنغال يكاد يكون صامتًا، ومرنال سن صارت أفلامه نادرة. أما الأجيال الجديدة من المخرجين، فتفضل العمل في التلفزة على العمل في السينما».

Madame Sousatzka (1988)
Madame Sousatzka (1988)

أفلام جيدة وأخرى مربحة

شعبانة عزمي اليوم في الثالثة والأربعين من عمرها، فنانة مكرّسة محليًا وعالميًا، ومناضلة تدافع ليلًا ونهارًا عن حقوق النساء والمحرومين، وهي تشعر بفرح طافح حين يتصل بها مهرجان مثل مهرجان القاهرة لتترأس لجنة التحكيم في مسابقته. فشعبانة تحب من الجمهور المصري مثلًا، أن «يدرك أن للسينما الهندية وجهها الآخر». فإذا كان هذا الجمهور أحب أميتاب بطشان واستقبله استقبالًا كبيرًا قبل سنوات حين حل ضيفًا على مهرجان القاهرة؛ فان شعبانة تريد – على رغم حبها لأميتاب الذي يعتبر اكبر نجوم الشباك في الهند اليوم من دون منازع- تريد أن تقول أن في الهند سينما أخرى غير تلك التي يعتبر أميتاب نجمها الأول.

حين تتحدث شعبانة عن أميتاب بطشان تختار كلماتها بعناية، فهو زميل محبوب أولًا وأخيرًا. غير أنها ليست قادرة على إخفاء العداء السياسي بينهما، فأميتاب مثله في هذا مثل كبار الممثلين الهنود، منخرط في العمل السياسي ضمن صفوف حزب المؤتمر الحاكم، ومن هنا فإن شعبانة تعتبره خصمًا لها، هي اليسارية التقدمية التي لا تحاول إخفاء أفكارها الاجتماعية مهما كلفها ذلك. وإذ تسألها عن هذا تقول: «أجل، إنني أكرس جزءًا كبيرًا من وقتي ومالي للشؤون العامة، وكيف لا أفعل وأنا أرى حقوق الأقليات والضعفاء تُهدر. وكيف لا أناضل في سبيل انعتاق المرأة وفي الهند تسعة آلاف امرأة يقتلن سنويًا لأسباب تتعلق بالمهر؟» ومن هنا لن يكون غريبًا أن نعلم أن شعبانة تعتبر واحدة من الممولين الرئيسيين للجان التي تناضل دفاعًا عن الهنديات المعرضات للضرب والهوان.

غير أن هذا كله لا يمنع شعبانة من أن تكرس جزءًا أكبر من وقتها لفنها، ولمتابعة الجديد الذي يحدث في عالم السينما. ولكن كيف يمكنها هذا وهي تعمل في عدد من الأفلام في وقت واحد؟ تجيب: «إنني أقسم وقتي بين تلك الأفلام بعناية. ثم إن هناك، على أي حال، أفلامًا لا تتطلب اهتمامًا كبيرًا، إنها من نوع تلك الأفلام التي تقدم حكايات مكررة وحوارات لا تتبدل وتعابير معتادة. هذه الأفلام لا تتطلب مني جهدًا كبيرًا ولا دراسة معمقة للسيناريو. لكن أهميتها تكمن في الأرباح التي تحققها لي، والتي تمكنني من أن أعيش حياة مستقلة. مقابل هذا هناك أفلام أخرى أكثر جدية وأصعب تنفيذًا. مثل هذه الأفلام – التي لا يصادفني منها سوى فيلم واحد أو فيلمين سنويًا – أدرسها بعناية، وأتناقش مع المخرجين مطولًا بشأنها وأتابع مصير الفيلم، حيث يحزنني إخفاقه ويفرحني نجاحه إن نجح».

وشعبانة تعرف أنها، على الدوام، أمينة لمثل هذا النوع الأخير من الأفلام، بالمكانة الكبيرة التي تمثلها اليوم، حتى وإن كانت تعترف بأنها ليست الأكبر شعبية في الهند. فهناك من زميلاتها من يفقنها شعبية ومن بعيد، مثل راخي التي تعتبر قنبلة جنسية حقيقية، وزينات أمان التي هي اشبه ما تكون بنادية الجندي على الطريقة الهندية.

بعد كل شيء هل يمكن لشعبانة عزمي أن تحسب عدد الأفلام التي مثلتها حتى اليوم؟ مستحيل، تقول، «ربما كان العدد سبعين أو ثمانين. وربما أكثر أو أقل، فأنا في النهاية لا أحسب سوى الأفلام الجيدة التي مثلت فيها، وعددها لا يتجاوز الدزينتين على أبعد تقدير».

Junoon (1979)
Junoon (1979)

اكتشاف متبادل في القاهرة

وفي عالم السينما الهندية الفسيح والمعقد، في عالم القارة الهندية حيث النجوم أنصاف آلهة يشغلون حياة الناس وصفحات الصحف والمجلات؛ لا تعتبر أفلام شعبانة عزمي الجيدة استثنائية العدد، لكنها بالنسبة إليها هي، تعتبر أمرًا خارقًا للعادة فهي حين تحاسب نفسها في كل مساء على ما فعلته طوال يومها: «وأنا غالبًا ما أفعل هذا»، تقول شعبانة مبتسمة: «أتساءل بدهشة كيف تمكنت من القيام بكل تلك الأدوار الجيدة؟ وكيف تمكنت رغم مشاكستي وشخصيتي الصعبة أن أقنع كبار المخرجين بأن أخذي في أفلامهم سيكون أمرًا جيدًا لهم…».

على اي حال، حتى اليوم لم يُبد أي من كبار المخرجين الذين عملت شعبانة في أفلامهم ندمًا على التعاون معها، «فهي فنانة كبيرة بكل معنى الكلمة» كما قال لنا شيام بنغال حين التقيناه قبل سنوات وسألناه عنها، وأضاف: «فنانة كبيرة تفهم حقائق العمل السينمائي وتغوص عميقًا في نفسيات الشخصيات وتحرص طوال الوقت على أن تسهل لزملائها عملهم وأداءهم».

هذه الشهادة من شيام بنغال تعتز بها شعبانة كثيرًا، خصوصًا وأنها تتطابق مع شهادة مماثلة أدلى بها المخرج البريطاني جون شليسنجر الذي تعاونت معه في دور رئيسي في فيلم «مدام سوزوتكا» قبل سنوات كما أشرنا.

شعبانة عزمي اليوم في القاهرة لتُكتَشَف، فهل ستدهش المصريين وضيوف المهرجان القاهري كما أدهشت وفتنت غيرهم؟ وهل سيجدون أنها جديرة باستقبال حافل مثل ذاك الذي خصوا به أميتاب بطشان قبل سنوات؟

سؤالان لا يزال الوقت، عند كتابة هذه السطور، أقل من أن يسمح بالإجابة عنهما.

شارك هذا المنشور