في عام 2014 وقتما كانت «مارفل» تعيش أفضل سنواتها السينمائية مع نجاحات أفلامها المستمرة، كانت الأفلام المبنية على عالم أبطال مارفل الخارقين لا تزال تعاني من مشكلة واضحة، فالأفلام المتتالية في عالمها الممتد، وعلى نجاحها التجاري الكبير، لم تستطع تثبيت صورة ذهنية لامعة لأبطالها في أذهان المشاهدين.
لكن ف يتلك السنة، تغير الأمر مع قدوم المخرج جيمس غان إلى هذا العالم ليقدم أول أفلام سلسلة «حُرّاس المجرة Guardians of The Galaxy»، الذي لم يكتفِ بإنجاح شخصيات قصص مصورة مغمورة وجعلها أحد أكثر سلاسل الأفلام المحبوبة في عالم مارفل، معتمدًا على كوميديا فريدة والقدرة على التأثير عاطفيًا في الجمهور؛ لكنه اعتمد صورة خالفت الأجواء الباهتة التي كانت تسيطر على من أفلام مارفل في تلك المرحلة، واكتسبت الصورة طبقة جديدة من الألوان لائقة بأبطالها الخارقين. لكن تحول مشروع مارفل برمته إلى مجموعة من الأخطاء المتراكمة في السنوات الأخيرة.
وفي 2022، تسلم غان دفة القيادة في تدشين العالم السينمائي الجديد لدي سي DCEU، العالم الذي فشل زاك سنايدر في إحيائه برغم الشعبية الكبيرة التي تمتلكها شخصيات مثل باتمان وسوبرمان والتي كانت تفوق عمليًا شعبية شخصيات مارفل، خصوصًا في الوسيط السينمائي. وجاء أول أفلام المشروع واللبنة الأولى في «سوبرمان Superman» من كتابة وإخراج غان نفسه.
وبدلاً من أن يسلك المخرج طريقًا آمنًا ويحاول تأسيس هذه المرحلة بهدوء وبقصة معتادة يمكنها كسب الكثير من المعجبين وتجنُّب إثارة أية ضجة سلبية غير ضرورية، يقرر غان خلاف ذلك تمامًا، ويقدم نسخة مغايرة ومعاكسة لتلك التي قدمها زاك سنايدر، نسخة تبعث على الأمل أكثر من أي شيء آخر.
أول القرارات الجريئة التي اتخذها عن، هي التخلي عن تقديم القصة الكلاسيكية لنشأة سوبرمان Origin story. إنه يثق تمامًا بشهرة الشخصية وأن الغالبية العظمى من الجمهور الذي يرغب بمشاهدة هذا الفيلم يعرف هذه القصة عن ظهر قلب. قرر غان أن يقدم قصة معقدة أخلاقيًا يمكن أن تخسره نسبة كبيرة من محبي الشخصية، لكن بالمقابل هو يراهن على تقديم قصة تحظى باهتمام المشاهد العادي، وتجذب الانتباه نحو أفكار تمت مناقشتها في أفلام أبطال خارقين سابقة، لكن ليس بهذه الدرجة من الصدق والعمق.
لم يُضِع غان أي وقت في تأسيس الشخصية أو فكرة وجود بطل خارق على الأرض، وهو قرار صحيح لأن هذه الخطوط السردية استُهلِكت بالكامل، ومن غير المجدي استخدام الوقت الثمين للفيلم في تأسيس أفكار مؤسسة مسبقًا. لكنه يرمينا في وسط أول معركة يخسرها سوبرمان في حياته، المعركة الناتجة عن تدخل سوبرمان في صراع خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية.

يدرك المخرج أن شخصية مثل هذه تأتي مع إرث ضخم في أذهان المشاهدين، لذلك فهو يدخل في صلب موضوع حساس بشكل مباشر، ونشاهد سوبرمان يدخل في نقاش حول عواقب أفعاله، وكيف أن تدخله في صراع خارجي جيوسياسي لا يمثله هو فحسب؛ بل يمثل الحكومة الأمريكية، وكيف أن «فعل الصواب» ليس بالضرورة المعيار الوحيد الذي يجب أن يأخذه في الاعتبار.
بالنسبة لسوبرمان، فالأمر بسيط، إنه يمتلك القدرة على تغيير الأمور، وإذا شاهد أمرًا خاطئًا يمكن تصحيحه فسيقوم بذلك مهما كان الثمن، إنه لا يمثل حكومته بل يمثل نفسه.

يستخدم المخرج هذا النقاش في تسليط الضوء على جوانب مهمة من شخصية بطله، إنه قبل أن يكون بطل خارق فهو إنسان. رفضه الكامل للظلم وحرصه على إنقاذ الناس لا ينبع من شعور بالمسؤولية فحسب، بل ينبع من إنسانيته. هناك بلاهة في تصرفاته لكن كيف لا يمكن أن يكون أبلهًا وهو لا يزال شابًا يمتلك قوة خارقة غير بشرية؟ إنه يفترض الخير الكامن والثقة العمياء في الناس، لأن هذا ما يمليه عليه ضميره وتربيته في مزرعة والديه بولاية كانساس.
فكرة إنقاذ الأبرياء والحرص على سلامتهم هي قطعًا ليست فكرة جديدة في هذا النوع من الأفلام، لكن الجديد هو استشعارنا حرص سوبرمان الهائل على سلامة كل فرد من أفراد هذا العالم، بل حتى حيواناته. إنه يقدم سلامتهم جميعًا على سلامته الشخصية، ويحاول بكل ما يملك ألا يقتل عدوه قبل أن يفهمه ويعلم سبب هجومه وكيف أن يمنعه مستقبلًا. يمكنه إنهاء أغلب المعارك التي يخوضها في غضون دقائق، لكن ذلك يعني خراب المكان الذي يقاتل فيه وخسارة العديد من الأرواح، لذلك يستهلك طاقة ووقتًا إضافيين في سبيل عدم خسارة أية أرواح ثمينة.

إن هذه النسخة من سوبرمان منعشة، ليس لأنها وفية تجاه القيم والمبادئ التي تعتز بها فحسب؛ بل لأن الخيارات السردية كانت في الاتجاه المعاكس لما كان يقدمه زاك سنايدر، الذي كان أشبه ما يريد بتقديم نسخة خاصة بالكبار فقط لأفلامه، نبرة سوداوية قاتمة وصورة خالية من أي روح، ولم تستطع تلك الأفلام بكل سوداويتها أن تمتلك جزءًا من جرأة الطرح التي امتلكتها نسخة جيمس غان.

على مدار مدة عرض الفيلم، تتعرض قيم ومبادئ سوبرمان للاختبار، وفي كل مرة يرى الطريق السهل أمامه ويرفض اتباعه كونه يعني ذلك التخلي عما يؤمن به، يرفض سوبرمان ذلك رفضًا قاطعًا، ويتكبد العديد من الآلام والمصاعب لأجل بوصلة أخلاقية مذهلة في جمودها وصلابتها. يصبح سوبرمان رمزًا لتقبل الغير مهما كانت الاختلافات، رمزًا للإيمان بالبشرية، رمزًا للأمل، ورمزًا للمقاومة وعدم اليأس.

إن أكثر ما يصدم في هذا الفيلم، وهي أكبر المفاجآت السارة التي يقدمها، هو دعمه غير المسبوق في فيلم أمريكي لقضية فلسطين. في بداية الفيلم نعلم أن سوبرمان تدخل في صراع بين دولتين (بورافيا وجارهانبور) منعًا لقيام الحرب وحماية لدولة أخرى. مع تقدم الأحداث، يصبح من الواضح ومما لا يدع مجالًا للشك أن الدولتين التي استلهم الفيلم منهما فكرة هذا الصراع هي فلسطين ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن الفيلم لا يقدمها بالشكل الغربي المعتاد، استنكار فكرة الحرب وإدانة الأطراف على الجهتين، لكنه يدين دولة بورافيا (إسرائيل) بالكامل، يقف سوبرمان بكل قوته حليفًا للمستضعفين في جارهانبور، ويرفض المساومة على سلامتهم وأرضهم. وكأن مناقشة فكرة القضية الفلسطينية ليست جريئة بما فيه الكفاية، الفيلم يتخطى ذلك ويأخذ موقفًا صارمًا.
لم تكن هذه الحبكة ماكرة أو خفية، بل نشعر أن الفيلم أراد للجميع أن يفهم ما يقصد وما يريد قوله، وفي حين أن العديد من الفنانين يميلون إلى ترك تفسير أعمالهم للجمهور، يكاد الفيلم يصرخ بأفكاره على مرأى من الجميع. من الناحية الفنية يمكننا انتقاد هذا الأسلوب حيث أنه لا يترك حرية التفسير للمتابع، ولكن من الناحية الإنسانية فمن الرائع أن نشاهد فيلمًا تجاريًا بهذا الحجم وهذه المنصة الإعلامية يتخذ صناعه مثل هذا الموقف.

عناصر أفلام غان المعتادة موجودة، تلوين جميل للصورة يجعلنا نشعر بأن هذه المشاهد خرجت مباشرة من صفحات القصص المصورة، كوميديا ذكية تزن المواضيع القاتمة التي يناقشها الفيلم، وتفوق واضح في مشاهد الأكشن التي لم يبد عليها الإفراط في استخدام المؤثرات البصرية. هناك العديد من المشاهد التي نشاهد فيها تحريكًا مستمرًا للكاميرا مما يعطي الانطباع أن ما يحصل أمامنا حقيقي وليس مجرد ممثلين يقفون أمام شاشة خضراء أضيفت لها المؤثرات لاحقًا.
ديفيد كورنسويت في دور سوبرمان يقوم بأداء رائع، نلتمس الصدق في الخوف والشك اللذان يغزوانه في كل خطوة يتخذها، في نفس الوقت نلتمس رغبته العارمة في إنقاذ هذا الكوكب بكل قاطنيه مهما كلف الثمن. نيكولاس هولت في دور ليكس لوثر يعلن نفسه اختيارًا موفقًا لأحد أشهر الأشرار في عالم دي سي، الملياردير الذي لا يمانع من إهدار العديد من الأرواح في سبيل تحقيق أهدافه الشخصية.
نجح الفيلم بتقديم فكرة واقعية معاصرة لهذه الشخصية، وكيف أن معارك العصر الحديث تُخاض من خلف الشاشات وبمساعدة العديد التقنيات المتقدمة.

قدم الفيلم مجموعة كبيرة من الشخصيات وخطوط عدة لسير الأحداث منذ البداية، ولم نشعر أن هناك شخصيات زائدة لا يعرف السيناريست ما يفعل بها سوى في الثلث الأخير. ومن حسن الحظ أن الطاقم التمثيلي قام بعمل ممتاز مما خفف من حدة التشتت في أواخر الفيلم، ريتشل بروزناهان ونيثان فيليون وايدي غاثيجي كانوا إضافة موفقة للفيلم.
حينما نقيم وننقد هذا النوع من الأفلام، يجب أن ندرك أنه يقع تحت تصنيف أفلام الكوميكس والأبطال الخارقين، لذلك من الصعب أن نقارنه مع الأفلام الأخرى أو أن نعامله بنفس الدرجة من الجدية. لكنه تحت هذا السياق وهذا التصنيف، هو فيلم أبطال خارقين رائع، وتجسيد مذهل لشخصية سوبرمان. فيلم يشع بالإيجابية، استطاع إيقاظ الطفل داخلي وبث جرعة غير مسبوقة من الأمل لدي، في عالم تتقلص فيه مساحة الأمل بشكل مستمر.
اقرأ أيضا: فيلم «Thunderbolts» يُعيد إحياء أمجاد مارفل بشباك التذاكر