فاصلة

حوارات

ريثي بان لـ«فاصلة»: الحرب مزّقتني كثيرًا… لكن رهافتي صمدت

Reading Time: 9 minutes

لطالما التقيتُ بريثي بان من بعيد، على هامش المهرجانات، من دون أن يجمعني به حديث مباشر. عندما طلبتُ إجراء مقابلة معه في مناسبة سابقة، تبيّن لي سريعاً أنه لا يهوى الحوارات الصحافية، ولا يسعى إليها. ظلّت المسافة قائمة، إلى أن شاءت المصادفة أن يجمعني به الملحق الصحافي الكندي ستيفن لان، خلال الدورة الأخيرة من مهرجان لوكارنو السينمائي، حيث كان يترأس لجنة تحكيم المسابقة الدولية. هناك، وجدنا الوقت والمساحة لهذا الحوار الذي طال انتظاره.

لا أنسى وقع اكتشافي لفيلمه الإستثنائي «S 21»، في فبراير 2005، يوم شاهدته في المركز الثقافي الفرنسي. رافقني الفيلم كندبة في الذاكرة، لا فقط لمضمونه الصادم، إنما لتزامنه مع لحظة مأسوية في بيروت: اغتيال رفيق الحريري. كانت المدينة غارقة في الصدمة، في الغضب، في الحداد… فيما الشاشة تعرض شهادات مباشرة من جلّادي «الخمير الحمر»، تحكي أبشع أنواع التنكيل بالبشر. لا أعرف لماذا اقترن الفيلم في ذهني بتلك اللحظة، لكن مَشاهد الدخان المتصاعد من ساحة الجريمة في وسط بيروت، ومقابلات الفيلم مع القتلة، بدت لي متجاورة في قسوتها، متشابهة في عنفها الرمزي.

منذ ذلك الحين، لم أتوقّف عن متابعة أفلام بان. كلّ عمل له كان يؤكّد لي أن السينما يمكن أن تكون عملًا مضادًا للنسيان. بلغت دهشتي ذروتها مع فيلمه «الصورة الناقصة»، الذي نال جائزة «نظرة ما» في كانّ عام 2013، وكرّس مكانته.

ريثي بان لـ«فاصلة»: الحرب مزّقتني كثيرًا… لكن رهافتي صمدت
S21: The Khmer Rouge Killing Machine (2003)

وهب بان مجمل مسيرته لتناول قضية لم تفارقه: حقبة «الخمير الحمر»، هذا التنظيم الشيوعي الذي حكم كمبوديا (أو «كمبوتشيا الديموقراطية» كما سُمّيت حينها)، بين عامي 1975 و1979، فارتكب خلال فترة قصيرة نسبيًا ما يكفي لتحويل البلاد إلى مقبرة جماعية. تُقدَّر حصيلة الضحايا بما لا يقل عن مليوني إنسان، قُتلوا إعدامًا أو تعذيبًا أو بالأشغال الشاقة في المعسكرات. بقيادة بول بوت، فرض النظام رؤية راديكالية مستوحاة من الشيوعية الزراعية، فأجبر المجتمع بأسره على الخضوع لسياسة «الهندسة الاجتماعية»، والعمل القسري في الحقول. أما المعارضة، فكان مصيرها الموت أو الفناء البطيء. 

بان المولود في بنوم بنه، كان لا يزال صبيًا حين زُجّ به في معسكرات إعادة التأهيل التي أنشأها النظام. أمضى هناك أربع سنوات من الجوع والخوف والعمل القاسي، قبل أن يتمكّن من الهجرة إلى فرنسا حيث يقيم إلى الآن. منذ تلك اللحظة، لم تغادره تلك الجحيم، فأصبحت السينما بالنسبة إليه وسيلة لمساءلة الماضي ومنح ضحاياه وجوهًا وأسماء. لم يكن من الممكن أن يصير سينمائيًا لولا تلك الحرب، كما يصرّح هو نفسه: «أنا أشهد، لأُعيد للموتى ما سرقه منهم «الخمير الحمر». أنا حاملٌ للذاكرة، مدينٌ لأولئك الذين اختفوا».

في هذا الحوار الطويل، نتوقّف عند لحظات مفصلية في حياة بان: من الطفولة في كمبوديا إلى النجاة فالهجرة، وصولًا إلى رأيه في الشمولية الزاحفة إلى عالمنا الحديث، مرورًا ببناء مسيرة سينمائية اتّخذت من الذاكرة ساحة معركة سلمية، لكنها لا تقل إصرارًا عن أي معركة أخرى.

ريثي بان
المخرج ريثي بان

 – لقد كرَّستَ حياتكَ بأكملها للحديث عن التروما المرتبطة بـ«الخمير الحمر». هل تعتقد أنّك كنتَ ستصبح مُخرجًا لولا هذه التجربة؟

– كما تعلم، أنا أنحدر من بلدٍ صغير. والدي ينتمي إلى عائلة ريفية، وكان له تسعةُ إخوة، ولم يكن لجدي القدرة على إرسال أكثر من طفل واحد إلى المدرسة. والدي أصبح ذلك الطفل، ربما بفضل الحظ، أو لأنه كان صبيًا، أو لعل جدي بدأ يُحسن إدارة أراضيه حين رُزق بوالدي. هو أوّل من ارتاد المدرسة في عائلته. أضحى شغوفًا بالتعليم، وكان يُردّد دائمًا: «لا شيء ممكن من دون تعليم. من دونه، يبقى الشعب في الخلف». لطالما اعتبر أن التعليم شرطٌ أساسيٌّ لأي بلد صغير مثل بلدنا. لقد عمل بصمتٍ وجهدٍ لسنوات، ليُوفّر التعليم المجّاني والمتاح للجميع. بدأ حياته مدرّسًا، ثم أصبح مفتّشًا، وأمضى أكثر من ثلاثين عامًا في وزارة التربية. كان له أثرٌ عميق في مجال التعليم وتدريب المعلّمين، حتى إن بعض هؤلاء أصبحوا لاحقًا من الثوّار. وكان ذلك طبيعيًا، فهم يمثّلون أول جيل اطّلع على النصوص التأسيسية للاشتراكية والماركسية. فمقاومة الظلم كانت تفرض على صاحبها أن يتعمّق في الفكر السياسي. صحيح أن الأمور اتّخذت مسارًا مختلفًا لاحقًا، لكن التربية السياسية كانت جزءًا من نشأتنا. في عائلتنا، كان من المتوقّع من كلّ فرد أن يختار اختصاصًا يعود بالفائدة على الوطن: أحدنا تخصّص في الجغرافيا، وآخر في الطب، وغيره في التجارة أو علم الآثار… كان والدي يرى فينا مشروعًا لبناء الوطن. لدينا إرثٌ أثريٌّ مدهش، ولدينا نهر الميكونغ الذي يُمكن استثماره، وكان يفكّر في كلّ ذلك حين رسم مساراتنا الدراسية. لو لم تندلع الحرب، ربما كنتُ سلكتُ طريقًا آخر تمامًا.

– إذًا، تعترف بأن تلك الصدمة كانت الشرارة التي دفعتك إلى السينما؟

– نعم. عائلتي لم تكن لتسهّل لي طريق السينما بالضرورة. لم تكن لديّ آنذاك رغبة عميقة في السينما. لكن، كان لدينا جارٌ، نلقّبه بـ«العمّ»، وقد أثّر فيّ خير تأثير. كان شرطيًا، ثم انتقل إلى مجال الإنتاج السينمائي. اعتاد أن يكتب نصوصه بنفسه ويصوّر في بيته داخل استوديو صغير، فيما كانت زوجته تتولّى تصميم الأزياء والمونتاج. كنت أذهب كثيرًا إلى الاستوديو خاصته، لا لشيء سوى للّعب، وللمشاهدة والتعلّم. أحدّثك عن أواخر الستينات. كنّا نصنع القصور الملكيّة لأفلامه، ديكورات الملوك والملكات، وكان الأمر بالنسبة إليّ ملموسًا جدًا: أن أرى السينما تولد أمام عينيّ.

– هل كانت هناك سينما رغم الحرب؟

– نعم. كان التلفزيون شبه غائب، أو يُبَث لساعتين فقط في اليوم، لكن السينما كانت حاضرة. شاهدنا كثيرًا من الأفلام الهندية، خصوصًا لما فيها من رقص. أتذكّر أنه في حدود الرابعة أو الخامسة مساءً، كان الناس يُنهون تسوّقهم من السوق ثم يذهبون لمشاهدة فيلم قبل أن يعودوا إلى بيوتهم. كنّا نشمّ رائحة السمك المنبعثة من السوق القريب. كانت تُعرض أيضًا أفلام أميركية، وكوميديات، وبالطبع أفلام كمبودية متأثّرة قليلًا ببوليوود. كانت السينما بمثابة فرحة لنا، بموسيقاها القوية التي تركت بصمتها على تلك المرحلة.

The Missing Picture (2013)

 – كنتَ طفلًا في تلك الفترة. هل كنتَ واعيًا للحرب وللوضع السياسي من حولك؟

– بالتأكيد. في عائلتي كان هناك كثر من المثقّفين: إخوتي الكبار ووالدي وأشخاص يتابعون الأخبار ويحلّلونها. وأنا في العاشرة، كانت الأمور تزحف نحوي. الحرب كانت حاضرة في يوميّاتنا، في كلّ مكان: أصوات القصف، التظاهرات، وحتى السينما عكست ذلك العنف. في بعض الصالات، كان يوضع قنابل يدويّة تُمرَّر داخل أكياس بلاستيكية لإرعاب الناس. كان هؤلاء من «الخمير الحمر»، أو من المقاتلين الشيوعيين وغيرهم، يحاولون إثارة الذُعر. وقد أدّت بعض هذه الحوادث إلى وقوع قتلى. كلّ مرة دخلتُ فيها إلى السينما، كان لا بدّ من التفتيش قبل الدخول. كانت المسألة جدية للغاية في ذلك الوقت.

– وصلتَ إلى فرنسا في السادسة عشرة. لماذا فرنسا؟

– حصل ذلك بالمصادفة. كان إخوتي يدرسون هناك، وبعد سقوط «الخمير الحمر»، نصحوني بالالتحاق بالعائلة في فرنسا. كان من الممكن أن أهاجر إلى أستراليا مثلاً، لكن في عام 1979، حين هُزِم «الخمير الحمر»، قدّمت لنا المنظّمات الإنسانية المساعدة. كانوا يسألوننا: «من أين أنتم؟ هل لديكم أقارب في الخارج؟». وهكذا، غادرتُ كمبوديا.

– هل هناك صورة أو ذكرى محدّدة من سنوات الحرب تركت فيك أثرًا عميقًا؟

– هناك الكثير. المراهق يلتقط كلّ شيء، وكلّ ما يراه يُطبع في ذاكرته. لو كنتُ أصغر أو أكبر سنًّا، ربما لما أحسستُ الأمور بالحدّة نفسها. لكن، في تلك السنّ، كلّ شيء يترسّخ ويتراكم في داخلك.

– لقد أنجزت أفلامًا وثائقية وأخرى روائية، ومع ذلك يُنظَر إليك أساسًا كمخرج وثائقي.

– هذا تصنيف يخصّ النقّاد، لا يخصّني أنا. إني لا أفرّق بين الروائي والوثائقي في عملي. عندما أنجز فيلمًا، فهو ببساطة فيلم. 

– لكن، ما الذي يُحدِّد خياراتك إذًا؟ كيف تقرّر أن يكون الفيلم وثائقيًا أو روائيًا؟

– الأمر أشبه بما تفعله أنت الآن في هذه المقابلة: تريد أن تفهم، أن تتعلّم. وأنا كذلك، أحبّ أن أرى وأفهم. مبدئي في السينما بسيط: السينما وسيلتي للوجود مع الآخرين. حين أصوّر شخصًا ما، لا أنجز فيلمًا «عنه»، بل فيلمًا «معه». ممارستي للسينما تقوم على الإصغاء. لا بد من الإصغاء جيدًا إلى كلام الآخر. أبحث عن وسيلة، أتكيّف، لكنني أظلّ معه. حين نُرسّخ هذا المبدأ الأساسي، يتغيّر كلّ شيء: الزمن، طريقة طرح الأسئلة، وكلّ التفاصيل الأخرى.

– تنطلق من تجربتك الشخصية، لكن أفلامك تكتسب طابعًا كونيًا. مثلًا، أنا كلبناني عايشتُ الحرب، تأثّرتُ بعمق بـ«S 21»، «آلة القتل»، «الخمير الحمير». كيف تصل أفلامك إلى هذا الأثر العالمي رغم انطلاقتها الشخصية؟

– لا بدّ من الإصغاء، وأخذ كلام الآخرين على محمل الجدّ، سواء كانوا قتلةً أو ضحايا. لو كنتُ أعلم كيف أفعل ذلك تمامًا، لكان الأمر أسهل (ضحك). أنا فقط أفعل. كلّ إنسان يقدّم نفسه بطريقة مختلفة. أحيانًا، نحتاج إلى مواجهة قبل بدء التصوير. فقاتل سابق، مثلًا، لن يروي جرائمه تلقائيًا. ينبغي خلق إطار يشعر فيه بالحرية ليقول ما لديه. يجب أن يفهم لماذا من الضروري أن يبوح. أوضح لهم دائمًا أنني لستُ في صفّهم. ويعود إليهم أن يوافقوا أو لا، لكنني أحتاج إليهم، كي أحصل على نظرة الطرف الآخر للأحداث. أفهّمهم كذلك أنهم يأتون إليّ أحرارًا، ويغادرون أحرارًا. لستُ مدّعيًا عامًا ولا قاضيًا. آخذ ما يقولونه وأتحقّق منه. إذا كذبوا، أعود إلى نقطة الصفر. إذا كان سؤالي الأول هو: «مَن أنت؟»، فإنني أعود إلى السؤال الأول. استغرق إنجاز «S 21» ثلاث سنوات. هؤلاء الأشخاص يحملون ذاكرة مثقلة، ويرغبون في الكلام، لكن إذا شعروا بأنهم محاصرون، فإنهم ينسحبون. كثر منهم عاشوا في مناخ من العنف المفرط، وكان عليهم حماية عائلاتهم. وهذا يترك أثراً عميقًا لا يُمكن نسيانه.

Meeting with Pol Pot (2024)
Meeting with Pol Pot (2024)

– لكن، هل تنظر إليهم كضحايا؟

– لا. يكفي أنهم يعتبرون أنفسهم ضحايا. أما أنا، فلا أحكم. أعرف ما فعلوه، لكن الكلمة تظلّ لهم. يُقال الكثير عن الغفران، لكن ليست لديَّ قدرة على الغفران. الغفران شأنٌ شخصي أو ديني، لا يمكنني أن أفرضه على الآخر. كثيرًا ما يُطرَح كفكرة سياسية، أو بتعبير أدق: براغماتية سياسية، لكن عمليًا، كلّ فرد يصل إلى مستوى خاص من الفهم في هذا المجال. قبل أن نغفر، علينا أن نسأل: مَن هو هذا الذي نغفر له؟ هل غفرتَ أنت لشخص محدّد في قضية اغتيال الحريري؟ لا يمكن الحديث عن الغفران من دون معرفة واضحة: من هو الضحية ومن هو الجلّاد؟ من دون حكم واضح، لا يمكن أن يحدث الغفران. الغفران دائمًا سياسي. مثل مانديلا، غفر من أجل إعادة بناء بلاده، والمضيّ قُدمًا. أما على مستوى الفرد، فالأمر أكثر تعقيدًا. خذ رواندا، كانت هناك «مصالحة مفروضة»، لكن لا أحد يستطيع أن يمنع شخصًا ما من ألا يتصالح. قد يحتاج إلى وقت. أو قد يختار ألا يفعل. أنا، كسينمائي، لا أتدخّل في ذلك. ما أتحدّث عنه هو «العمل على الذاكرة». إنه ليس واجبًا مفروضًا، بل مسار شخصي يعيشه كلّ إنسان على طريقته، وبإيقاعه الخاص. أؤمن أيضًا بفضيلة النسيان: في لحظات معينة، يُخفّف النسيان الثقل، ويجلب شيئًا من السكينة.

– كناجٍ (والكلمة باتت تُستخدَم بشكل عشوائي في بعض السياقات)، هل تشعر بمسؤولية نقل تجربة الحرب عبر السينما؟

– هي ضرورة، ليست مسؤولية! نعم، أنقل أشياء، لكن في البداية، كنتُ أنجز أفلامي قبل كلّ شيء تكريمًا لمن أنقذوني. النجاة ليست مسألة قوة فردية: هناك دومًا أشخاص يساعدونك. الأمر أشبه بأن يُعطيكَ أحدهم تذكرة قطار، لكنه لا يسافر معك. في سياق الإبادة، من بين مليوني قتيل، أن تمنح بعضهم فقط اسمًا، أو قصّة، أو وجهًا، فهذا في ذاته مهم. «مليونا قتيل» عبارة لا تعني شيئًا. كلّ موت هو حياة، افتراق، حداد. والسينما تملك قدرة فظيعة على التهدئة، وعلى نقل هذا العيش. إذا اخترتَ ألا تقول شيئاً، فهذا حقّك. لكن أولادك سيسألون يومًا «لماذا مات جدّي؟» وغيرها من الأسئلة المحرجة… بِمَ ستُجيب؟ لا يمكن إخفاء شيء كهذا. من الأفضل أن ننقل المعلومة، ونترك لكلّ شخص حرية استخدامها كما يشاء.

– لكن، كيف تُوازن بين دور المؤرّخ ودور المخرج السينمائي؟

– أنا أصنع السينما. السينما فنّ ذاتيّ. في كلّ فيلم، أحاول أن أبذل أقصى ما أستطيع. لكن الأمر لا يقتصر على الحديث عن الإبادة أو الحرب. لا أريد أن أكون «مخرج الإبادة»، بل أن أكون مخرجًا فحسب. يجب أن يحضر البُعد السينمائي والإبداع والشعرية والتعاطف والحساسية في كلّ فيلم. صحيح أن العنف يترك أثرًا عميقًا، لكنه يجب ألا يدمّر كلّ شيء في داخلنا. الحرب دمّرت كثيرًا فيَّ، لكن النظرة المرهفة إلى الأشياء، أعتقد أن لا أحد استطاع أن يدمّرها فيّ.  

– هل يمكن أن يكون النسيان علاجًا في بعض الأحيان؟

– أؤمن أن النسيان فضيلة. وإذا تمكّنتُ، في حياتي، من التمسّك بفكرة إيجابية، فهذا أفضل. أنا أتدرّب يوميًا على ذلك: أن أبتسم، أن أُحيّي الناس، أن أكون منتبهًا للتفاصيل الصغيرة. هذا الصباح، في الفندق، ألقيتُ التحية على النُدُل الثلاثة في البار خلال الفطور، وتحدّثتُ وإياهم. كلّ يوم، أحاول أن أُدخل قليلًا من الخير. الخير لا يُتعلَّم دفعة واحدة، فهو يُزرع تدريجًا، يومًا بعد يوم. حتى عند اللحظات الأخيرة من حياتي، أريد أن أفكّر في الخير. وعندها، سأعرف أنني ذاهبٌ إلى الجنّة. (ابتسامة). 

– هل تعتقد أن العالم يمكن أن ينزلق بسهولة نحو نظام شمولي، كذاك الذي عشته في طفولتك؟

– دعني أصحّح شيئًا: لن ينزلق… لقد انزلق وانتهى! انظر إلى ما يحدث اليوم. البارحة، مثلًا، وضع دونالد ترامب الديموقراطية الأميركية في خطر. أكبر ديموقراطية في العالم (نظريًا) اهتزّت. فإذا كان بلدٌ بهذا الحضور يمكن أن يضعف بهذه الطريقة، فلماذا لا يتمكّن ديكتاتور صغير من فعل ذلك؟ لماذا يُسمَح لترامب بما لا يُسمح به لغيره؟! اليوم، تكاد المعلومة تختفي، والصحافيون يعانون في ممارسة عملهم بحرية. إذا أردتم تغطية ما يجري في غزّة، لن تستطيعوا. حتى صحيفتكم لن تُرسلكم. في السابق، كانت المؤسسات الإعلامية تُوفِد مراسلين لفهم العالم، ولإغناء المعرفة. أما اليوم، فكثيرٌ منها لم يعد يفعل ذلك. لا ألقي اللوم على أحد، لكن علينا أن ننتبه… أن نستيقظ قليلًا. نحن في قلب الشمولية بالفعل، لكنها شمولية أكثر خبثًا وأشد انحرافًا. أنتم تظنّون أنكم أحرار على «تويتر» أو «فايسبوك»، لكن هذه ليست منصّات اجتماعية كما تزعم، انها شبكات تتحكّم بها قلّةٌ من الشموليّين. إيلون ماسك أو مارك زوكربرغ ليسا فاعلَي خير. حتى «آبل» قدّمت لوحةً تذكاريةً من الزجاج والذهب لدونالد ترامب. ليست لديّ مشكلة شخصية مع ترامب، لا أعرفه ولا أكترث به، لكنه ساهم في نشر الأخبار الكاذبة. والمشكلة الحقيقية أن هؤلاء هم مَن يقرّرون ما يمكنكم رؤيته أو تصديقه. حتى لو كتبتَ بأقصى درجات الصدق، قد يقرّر أحدهم أن ما تكتبه غير مهم أو غير جدير بالقراءة، فيُهَمَّش مقالك ولا ينتشر كما يجب. هذا هو الشكل الحديث للاستبداد.

اقرأ أيضا: المخرج محمد الدراجي: السينمائيون العراقيون يعانون من قلّة الدعم

شارك هذا المنشور