فاصلة

أخبار وتقارير

رحيل بريجيت باردو… أسطورة الشاشة الفرنسية التي صنعت زمنًا وكسرت القوالب

Reading Time: 2 minutes

توفيت الممثلة والمغنّية الفرنسية بريجيت باردو عن 91 عامًا، بعد مسيرة فنية جعلتها إحدى أبرز أيقونات السينما العالمية في خمسينات القرن الماضي وستيناته، قبل أن تعتزل التمثيل نهائيًا في السبعينات وتتفرَّغ للدفاع عن حقوق الحيوانات.

لم تكن بريجيت باردو مجرّد نجمة سينمائية، بل ظاهرة ثقافية متكاملة، أعادت تعريف صورة المرأة على الشاشة الفرنسية والعالمية منذ منتصف الخمسينات. فمع فيلم «وخلق الله المرأة» (1956) للمخرج روجيه فاديم، لم تُقدَّم باردو بوصفها ممثلة تؤدي دورًا فحسب، بل بكونها جسدًا حرًّا خارجًا على الأعراف، يفرض حضوره كحدث سينمائي واجتماعي في آنٍ واحد. الفيلم، الذي دارت أحداثه في سان تروبيه، حوّلها إلى أيقونة عالمية، وكرّسها رمزًا لجيل كامل، وجعل من اسمها مرادفًا للتحرُّر والتمرّد.

La vérité (1960)
La vérité (1960)

في الستينات، انتقلت باردو تدريجيًا من صورة «الفتاة المثيرة» إلى ممثلة تتعامل مع كبار مخرجي السينما الفرنسية. ففي فيلم «الحقيقة» (1960) لهنري-جورج كلوزو، قدّمت أحد أكثر أدوارها تعقيدًا، مُجسّدة امرأة مُتّهمة بجريمة قتل، في أداء كشف عن طاقة درامية تتجاوز الصورة النمطية التي لاحقتها. أما في «الاحتقار» (1963) لجان-لوك غودار، فقد أصبحت جزءًا من تاريخ السينما الحديثة، في فيلم تأمّلي عن الحبّ والسينما والخيبة، حيث استُخدم جسدها وصورتها بوصفهما مادة نقدية بذاتها، لا عنصر إغواء فقط.

وخلال النصف الثاني من الستينات، خاضت باردو تجارب دولية وهوليوودية، من بينها «Viva Maria!» إلى جانب جان مورو، و«Shalako» مع شون كونري، في محاولة لتوسيع حضورها خارج الإطار الفرنسي. ورغم النجاح الجماهيري الذي حقّقته هذه الأعمال، ظلّت أفلامها الفرنسية أكثر التصاقًا بجوهرها الفني، وأكثر تعبيرًا عن التحولات الثقافية التي مثّلتها.

إلى جانب السينما، خاضت باردو تجربة موسيقية لافتة، خصوصًا من خلال تعاونها مع سيرج غينسبور، الذي كتب لها النسخة الأولى من أغنية «Je t’aime… moi non plus». ورغم أنّ الأغنية لم تُصدر بصوتها آنذاك، فقد بقيت شاهدًا على صورتها رمزاً للجرأة وكسر المحظورات في الثقافة الشعبية الأوروبية.

L'histoire très bonne et très joyeuse de Colinot Trousse-Chemise (1973)
L’histoire très bonne et très joyeuse de Colinot Trousse-Chemise (1973)

لكن ضغط الشهرة، كما اعترفت لاحقًا، دفعها إلى الانسحاب المُبكر. ففي عام 1973، اعتزلت التمثيل نهائيًا بعد فيلم «قصة كولينو المُهذِّبة والمبهجة»، وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتُغلق فصلًا سينمائيًا مكثفًا امتد قرابة عقدين، لكنه كان كافيًا لصناعة أسطورة.

منذ ذلك الحين، أعادت باردو تعريف نفسها خارج الشاشة، مُكرّسة حياتها للدفاع عن حقوق الحيوانات، ومؤسِّسةً إحدى أبرز المنظمات العالمية في هذا المجال. وإنما هذا التحول ترافق مع مواقف سياسية وتصريحات مثيرة للجدل، جعلت صورتها العامة أكثر تعقيدًا، ومشحونة بالتناقضات.

بريجيت باردو ليست فقط مجموعة أفلام ناجحة، بل لحظة مفصلية في تاريخ السينما الأوروبية؛ ومعها التقت الجاذبية الشعبية مع التحوّل الثقافي، والجسد مع السياسة، والنجومية مع الرغبة في الهروب منها. أفلامها، خصوصًا في الخمسينات والستينات، لا تُشاهَد اليوم بوصفها أعمالًا ترفيهية فحسب، بل بوصفها وثائق حيّة عن زمن تغيّرت فيه نظرة المجتمع إلى المرأة، وإلى السينما نفسها.

شارك هذا المنشور