فاصلة

مقالات

تحت الصوت.. تحت الصورة.. هناك تقف ساندرا نشأت

Reading Time: 5 minutes

حين يُطرح اسم ساندرا نشأت في المشهد السينمائي المصري، غالبًا ما يظن أنها من المخرجات المكرّسات جماهيريًا أو نقديًا، لكنها تسكن مكانًا رماديًا خاصًا بها؛ ذلك النوع من السينما الذي يبدو مألوفًا عند العرض، لكنه يبقى في الذاكرة مثل ألمٍ لم نفهم سببه بعد.

هذا المقال ليس تمجيدًا لساندرا نشأت، ولا محاولة لتأريخ تجربتها. هو محاولة لفهم أفلامها بوصفها مرآة مائلة: لا تعكس الواقع مباشرة.. بل تشوّهه قليلاً حتى نراه أوضح.

ساندرا نشأت
المخرجة ساندرا نشأت

بساطة كاذبة تحمي هشاشة حقيقية

تشترك معظم أفلام ساندرا في ملمحين متناقضين: الإحكام الشكلي، والقلق الداخلي. هناك بنية درامية واضحة عمادها حكايات قابلة للتلخيص وشخصيات ذات أهداف ومصائر. لكن ما يحدث داخل هذه القصص أكثر اضطرابًا مما يبدو على السطح.

في «ملاكي إسكندرية» (2005)، نبدأ من جريمة قتل وننتهي عند سؤال عن طبيعة العدالة. الفيلم لا يُقدّم «الحقيقة»، بل يُفكّك احتمالاتها. القانون حاضر لكنه غير حاسم. البطل المحقق (أحمد عز) يبدو كأنه داخل فيلم آخر، أكثر بساطة، بينما البطلة تحتفظ بسرٍ يمكنه ان يهدم كل شيء.

هذا الفيلم مثل كثير من أفلام ساندرا: لا يحدث فيه تحوّل درامي كبير؛ إنما تتآكل المفاهيم تدريجيًا. لا ضوء في آخر النفق، فقط مزيد من النفق.

ساندرا نشأت
ملاكي إسكندرية (2005)

كيف تُخفي القضايا خلف حبكة؟

ساندرا نشأت لا تصنع أفلامًا اجتماعية بالشكل التقليدي، لكنها دومًا تتحرك داخل سياق طبقي ضاغط. في «الرهينة» (2006)، نرى قصة رجل بسيط يُختطف في أوكرانيا. لكنها ليست مجرد مغامرة. الخطف ليس حادثًا؛ بل مجاز عن التهميش. البطل خرج من وطنه ليبحث عن كرامته، لكنه يُستخدم أداةً في لعبة أكبر.

حتى «حرامية في كي جي 2» و«حرامية في تايلاند»، رغم مظهرهما الكوميدي، يحتويان لحظات انكسار إنساني لشخصيات تتصارع مع الفقر والانتماء والأبوّة المفقودة، لكنها لا تقول ذلك صراحة. الكوميديا هنا ليست تهريجًا، بل وسيلة لتجنب الحقيقة القاسية: لا أحد بريء.

في أفلام ساندرا لا توجد طبقة وسطى مستقرة. هناك فقط من يملكون كل شيء، ومن يركضون خلف الفتات. وحتى من يمتلكون؛ يعيشون في ذعر.

الرهينة" (2006)
الرهينة (2006)

«كاميرتها لا تقفز، لا تشرح، لا تسخر»

رغم أن «حرامية في كي جي تو» قُدِّم كفيلم كوميدي عائلي، إلا أن إخراجه يكشف عن وعي بصري وسردي واضح.

ساندرا لم تتعامل مع الفيلم كفرصة للضحك؛ بل كمختبر لعلاقتها بالزمن والمكان والكاميرا.

لا توجد هنا زوايا صاخبة أو لقطات سريعة لدعم النكتة. بل كاميرا ثابتة، تتأنى وتراقب. كأنها تعطي المشهد فرصة أن يخلق توتره بنفسه.

في مشاهد الشقة مثلا، لا تُسارِع إلى تحريك الكاميرا، بل تترك الشخصيات تتنقل بين زوايا المكان كأنهم عالقون فيه، أو كأن المكان نفسه يراقبهم.

هي لا تُحرض الجمهور على الضحك، بل تسمح له بأن يضحك رغمًا عنه.

وحتى لحظات الضحك، تحمل نبرة خفية من الحزن، وكأن الضحك وسيلة دفاع، لا استمتاع.

الطفل، البطلة، اللص، كلهم يبدون وكأنهم «يمثلون أدوارًا» داخل تمثيلية مفروضة عليهم، وهذا ما يضاعف من سخرية الموقف.

الإخراج هنا ليس صانع نكتة، بل صانع خديعة شعورية.

والمثير أن ساندرا لم تحاول تبرير هذا الأسلوب، لم تدَّعِ أنها تقدم فيلمًا ذي رسالة أو أنها تقدم نقدًا اجتماعيًا، بل تركته يمر كفيلم كوميدي، يعرف تماما أنه يخفي أكثر مما يظهر.

هذا النوع من الأفلام الذي يبدو في ظاهره بسيطًا ومسلّيًا، كان فرصة لساندرا نشأت لاختبار أدواتها وسط توقعات السوق. لكنها لم تستسلم لهذا السوق، بل راوغته بدهاء.

هي لم تغيّر رؤيتها كي تتناسب مع الجماهير، بل صنعت أفلامًا يمكن للجماهير أن تحبها رغما عنها.

في «حرامية في كي جي تو»، كما في «الرهينة» لاحقًا، نرى بصمتها: ذلك التوتر الذي لا يقال، الحكايات التي لا تُحل، والشخصيات التي لا تنجو تمامًا، بل تتعايش مع هشاشتها.

ربما لهذا السبب، حين تغيّرت معادلة السوق وأصبحت أكثر ضجيجًا وأقل صبرًا على التردد، اختارت أن تصمت. لم تكن ساندرا نشأت مخرجة تواكب الموجة، بل تراقبها من مسافة، وتحسم متى تدخل ومتى تخرج. 

غيابها لم يكن نتيجة فشل، بل ربما نتيجة وعي مبكر بأن السينما ليست دائمًا المكان الآمن لمن يريد أن يقول الحقيقة دون مكبر صوت. فلم تَعُد. أو ربما، لم ترحل أصلًا.

ساندرا نشأت
حرامية في كي جي تو (2001)

رجال تسكنهم الهشاشة، ونساء لا يطلبن الإنقاذ

أبطال نشأت الذكور – خاصة أحمد عز في أكثر من عمل- يبدون في البداية صلبين، واضحين، أصحاب قضية. لكن مع التقدّم، تظهر هشاشتهم. ليسوا جبناء. لكنهم ببساطة؛ غير قادرين على السيطرة.

في المقابل، نساؤها لا يبحثن عن الإنقاذ. حتى حين يكنّ في مواقف ضعف، لا يتصرفن كضحايا. في «ملاكي إسكندرية»، البطلة ليست مذنبة، لكنها أيضًا ليست بريئة. وهي تعرف ذلك، وتقبله. هذه التوازنات الدقيقة تخلخل ثنائية البطل والضحية، وتعيد ترتيب العلاقة بين الشخصية والمجتمع، وبين الفرد والسلطة.

الإخراج صنعة اختفاء

في أفلام ساندرا نشأت، المخرج لا يقودك. لا تمسك يدك لتريك أين يجب أن تنظر، بل تتركك تتورّط. هناك وعي مُدهش بالمكان داخل المشهد، وبالزمن الداخلي للّقطة، وبالمسافة بينك وبين الحدث.

كاميرتها ناعمة، لكنها حذرة. لا تقتحم الوجوه بل تراقبها. لا تحب الاستعراض ولا تجتهد في خلق «لحظة عظيمة»، بل تؤمن أن اللحظات العادية حين تُصوَّر بصدق، تكشف هشاشة الناس أكثر من أي مونولوج عاطفي.

كمشاهدة، دائمًا أشعر أنها تفكر في كل لقطة كأنها نَفَس. إمّا تُبطئه أو تُسرّعه. أحيانًا تحتبس الصورة كأنها تنتظر انهيارًا. أحيانًا أخرى، تترك المشهد يمرّ ببساطة مُخيفة، وكأن لا شيء يستحق البكاء عليه بعد الآن.

هذه الطريقة تُنتج أفلامًا ليست مبهرة بالضرورة، لكنها تبقى عالقة في نفس من يشاهدها. تشتغل على طبقة تحت الصوت، تحت الحوار. وتدفعك للتفكير؛ لم تركت الكاميرا تلك الشخصية تواصل الحركة دون أن توقفها، لماذا يصمت شخوص المشهد؟ أين اختفت الموسيقى؟

ساندرا تحترم الصمت، وأفلامها تمشي كأنها تتكلم لغة غير منطوقة. وأنا كمشاهدة، أتجاوب مع هذا أكثر من أي صراخ أو رمز أو درس. لا لأني أكثر فهمًا؛ بل لأني أكثر قلقًا. 

ساندرا نشأت
ملاكي إسكندرية (2005)

اللافت في تجربة ساندرا ليس فقط أفلامها التي أنجزتها؛ بل ما لم تُنجزه بعد. بعد حضور قوي في مطلع الألفية، انسحبت نسبيًا. أفلام قليلة وظهور إعلامي محسوب، ومشاريع توثيقية هامشية.

هل هو انسحاب واعٍ؟ ربما. أم رفض للتماهي مع سوق سينمائي يطلب «الانفجار الدائم»؟ على الأرجح.

لكن الأكيد أن غيابها لا يعني نهاية مشروعها. أفلامها القليلة كافية لتضعها في خانة «من عرف الطريق، لكنه اختار التوقف». أحيانًا، الانسحاب هو أعنف شكل من أشكال الرفض.

لا تصرخ كاميرا ساندرا نشأت، لكنها لا تتواطأ. لا تتبنّى مواقف واضحة، لكنها لا تُخفي سخطها. في عالم يطلب من المخرج أن يكون نجمًا، اختارت أن تكون ظلًا. لكنه ظلٌ ثقيل.

هي لا تصنع سينما تُرضي، بل سينما تُقلق. وبهذا، حتى حين تصمت، تقول الكثير

غياب ساندرا نشأت لا يبدو هروبًا، بل اختيار واعٍ بالصمت كفعل سينمائي.

ألَّا تقدم شيئًا على شاشة ملوّثة بالضجيج، قد يكون أنقى أشكال المقاومة.

هل اختارت أن تبقى في الظل لأن الضوء صار مبتذلًا؟

هل فضّلت أن تحرس أفكارها بدل أن تضعها في سوق يتعامل مع السينما كمنتج سريع الهضم؟

ربما، لكن الأكيد أن اختفاءها لا يعني الغياب. فالغياب عند ساندرا هوا موقف، وفيلم لم يعرض بعد.  

اقرأ أيضا: تأمّلات في عالم سعاد حسني

شارك هذا المنشور