فاصلة

مراجعات

«بيت الحس» لليلى بوزيد… فيلمان داخل فيلم واحد

Reading Time: 4 minutes

لا يمكن مقاربة فيلم ليلى بوزيد، المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته السادسة والسبعين، من دون استحضار السياق الذي تتقاطع فيه السينما العربية مع أسئلة الهوية الفردية والتحوّلات الاجتماعية. فهذه الموضوعات، حين تُطرح على الشاشة، غالبًا ما تستدعي حساسيات متفاوتة، وتفتح المجال أمام قراءات متباينة، بل وسوء فهم أحيانًا، ما يدفع النقاش بعيدًا عن جماليات العمل وخياراته الفنية، نحو سجالات عامة لا تنتمي بالضرورة إلى جوهر الفيلم.

كما تميل بعض القراءات إلى اختزال هذا النوع من الأعمال في معايير إنتاجية أو تمويلية، معتبرةً أنّ اختيار هذه الموضوعات يأتي استجابة لضغوط خارجية أو لأذواق مهرجانية، من دون التوقّف عند البنية الدرامية والاختيارات الجمالية التي ينطلق منها المخرج أو المخرجة، ومن دون محاولة قراءة الفيلم من داخله، لا إسقاط تصوّرات جاهزة عليه من خارجه.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

قبل التوقّف عند اختيارات المخرجة التونسية الدرامية والجمالية، يمكن القول إنّ «بيّت الحسّ» يضم في جوهره فيلمين: الأول حميمي ينحو نحو شاعرية التعبير عن علاقة حبّ بين امرأتين، ويلتقطها بكياسة، انطلاقًا من علاقة متوترة بين ثلاثة أجيال من النساء، يقعن تحت تأثير محيطهن الخاص والعام. والثاني برهاني يُغرق هذه العلاقة في بحر من الخطاب المتضخم والرغبة في قول كل شيء عن المثلية في مجتمعات محافظة، وكأننا أمام تحليل سوسيولوجي، لا عمل فني يقوم أساسًا على الإيحاء وترك مساحة للمُشاهد كي يوظّف ذكاءه وتأويله الخاص.

كلما اقتربت بوزيد من المنحى الأول، بدا فيلمها مؤثرًا ومحفزًا على التفكير في الأسباب التي تدفع مجتمعًا إلى الوقوف في وجه سعادة شخصين اختارا الارتباط ببعضهما البعض. وكلما مالت نحو المنحى الثاني، اتخذ طرحها طابعًا تلقينيًا يُضعف التعاطف بدل تعزيزه. هذه الازدواجية تنعكس بوضوح في معظم عناصر المعادلة الجمالية للفيلم.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

تعود ليليا، وهي مهندسة تونسية شابة تقيم في فرنسا، على عجل إلى منزل جدّتها في تونس، بعد مقتل خالها في ظروف غامضة. غير أنها تختار العودة برفقة أليس، شابة فرنسية نكتشف لاحقًا أنها عشيقتها. قد تبدو هذه الوضعية، للوهلة الأولى، غير مواتية للحديث عن الحبّ، عمومًا، وليس فقط عن علاقات الأقليات. وإنما البناء السردي، القائم على تلازم الحبّ والموت (إيروس وتاناتوس)،

والمقسم إلى فصول تتبع تقاليد مدينة المنستير في الحداد على الموتى («الفرق» باللهجة التونسية)، يمنح هذا الخيار دلالة عميقة، مفادها أنّ الموت والحبّ كلاهما من صميم التجربة الإنسانية، والإنسان لا يملك الاعتراض على الأول، كما لا يحق له إنكار الثاني.

في هذا السياق، يكتسب المشهد الذي تتبادل فيه الشابتان قبلة مسروقة في حديقة الفيلا العائلية، بينما تُقام وليمة تأبينية في الداخل، أهمية خاصة، ليس فقط بسبب التوتّر الذي يحمله، بل أيضًا لما يتركه من أثر درامي يتردَّد صداه حتى الفصل الأخير.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

يُحدث الامتداد العائلي الواسع لليليا شيئًا من الالتباس في البداية، في ما يتعلق بتحديد العلاقات بين أفراد الأسرة، وكأنّ المخرجة استحضرت نموذجًا مصغّرًا للمجتمع التونسي. وتتمثّل أبرز نقاط القوة في مقاربتها الدرامية في لعبة المرآة التي تنشأ بين مصير الخال، المعروف بميوله المثلية لدى جميع أفراد العائلة باستثناء الجدّة، ظاهريًا على الأقل، ومستقبل العلاقة العاطفية الناشئة بين ليليا وأليس.

وإنما التحقيق غير الرسمي الذي تقوده ليليا لكشف ملابسات مقتل خالها يأتي مهلهلًا، مفتقدًا إلى الأصالة الجمالية والتوتّر الدرامي. تبدو خيوط الحبكة ضعيفة، وكأن هذا الخط السردي وُضع أساسًا لتبرير لقاءات البطلة بأصدقاء خالها. ينعكس ذلك في مَشاهد ذات تأثير عاطفي محدود، بدءًا من مشهد الحانة، بشخصياته المرسومة بخطوط مباشرة، وصولًا إلى اللقاء مع الشاب المُشتبه به، الذي يكرّر معلومات سبق أن طُرحت.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

يتخلّل السيناريو كذلك عدد من الحوارات بين ليليا وأبناء عمها حول نظرتهم إلى المثلية في المجتمع التونسي، إضافة إلى مشهد محاولة المدّعي العام تجريم شاب بتهمة المثلية الجنسية، استنادًا إلى الفصل 230 من القانون الجنائي التونسي، قبل تبرئته. هذه المقاطع تبدو أقرب إلى الطرح التوضيحي المباشر، وهي سمة تطغى غالبًا على الأفلام الأولى، نتيجة رغبة صنّاعها في قول كل شيء، وعدم الثقة بقدرة الصورة على الإيحاء.

تبلغ هذه النزعة ذروتها في مشهد تزويج دالي قسرًا من امرأة لا يحبّها، وهو مشهد يبدو زائدًا دراميًا. كما أنّ تقنية تركيب وجه الخال على صور زفاف حقيقية لم تكن مقنعة بصريًا، ولم ينجح استحضار ذكراه من خلال ذاكرة ليليا الطفولية في خلق تأثير عاطفي يُذكر. في المقابل، تبدو مَشاهد استحضار حضوره داخل الفيلا أكثر انسجامًا مع البناء الرمزي للفيلم، لا سيما المشهد الذي يُطلق فيه عصفور كان عالقًا في غرفته، في إيحاء واضح بتحرّر روحه.

لحُسن الحظ، يحتفظ الفيلم بقوته في تصوير ردود فعل نساء العائلة على ميول ليليا، من خلال معالجة تتّسم بحساسية واضحة. تجسّد الجدّة، التي تظل جاهلة بالحقيقة، جيلًا يوشك على الأفول، ويتشبث بمكانه في صالون الفيلا، محاطًا بهشاشة جسدية وذاكرة آخذة في الانطفاء، فيما تضفي روح الدعابة التي تتحلّى بها جاذبية إنسانية خاصة على الشخصية.

بيت الحس (2026)
بيت الحس (2026)

أما الأم، فتعيش حالة من التردُّد بين القبول والرفض، في أداء رفيع تقدّمه هيام عباس، قائم على نظرات تمزج بين القلق وحنان الأمومة. في المقابل، تُخفي الخالتان مواقفهما الرافضة خلف خطاب ظاهره الحماية، خوفًا من أن تلقى ليليا المصير ذاته الذي انتهى إليه خالها، الذي «لم تحمل عيناه يومًا بريق السعادة».

تنجح بوزيد، في لحظاتها الأكثر صدقًا، بتقديم الجانب الحميمي للعلاقة من دون الوقوع في المباشرة أو التحفُّظ المفرط. ورغم التفاوت الواضح بين مستويي الطرح، يظلّ «بيّت الحسّ» فيلمًا يسهم في فتح نقاش ضروري حول موضوع لا يزال محاطًا بالصمت والإنكار. نقاش يُفترض أن يخرج من دائرة النفاق الاجتماعي، الذي يفضّل الحفاظ على المظاهر، ولو كان الثمن سعادة الأفراد وتوازنهم النفسي، وهو المعنى الذي يوحي به عنوان الفيلم نفسه.

اقرأ أيضا: السينما العربية في برلين 76: حضور يتجاوز العدد إلى الأسئلة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق